وباء كورونا ووباء الرياضة!

”وشلالات الدم التي تجري في حلبات الرياضة، لا تتوقف عند رياضات الملاكمة والكيك بوكسينغ وغيرهما من اللعبات العنيفة، وإنما تمتد لتصل إلى ملاعب وساحات أخرى عديدة”

 

المثل الشعبي يقول، نوم الظالم عبادة، ففي نومه يتوقف عن ظلم الناس ومن ثم لا تضاف إليه ذنوب جديدة، والتوقف عن فعل الذنوب عبادة في حد ذاتها!

والنشاط الرياضي المتوقف حاليا في أنحاء العالم بسبب انتشار وباء كورونا، توقفه هذا هو أشبه بنوم الظالم وعبادته، لأن الرياضة ليست كما يراها الكثيرون في جانبها المشرق العادل القائم على قاعدة اللعب النظيف (Fair Play) إنما لها جانب أخر مظلم وقاتل يدار بمنطق الغاب، البقاء فيه للأقوى!

وإذا كانت كرة القدم وغيرها من اللعبات الراقية الجميلة، هي من تتصدر المشهد الرياضي في العالم، فإنه في الكواليس وخلف الستار هناك رياضات أخرى مميتة قاتلة، تنصب فيها حلبات للموت، وتقام فيها حفلات لتكريم ومكافأة القتلة، حيث مواجهات الملاكمة والكيك بوكسينغ، وغيرهما من اللعبات العنيفة.

ضحايا بالمئات

والغريب أن كثيرا من الدول الأوربية التي تذرف الدموع وهي تبتهل إلى الله وتتوسل إليه بحق الرحمة والإنسانية أن يرفع عنها الوباء والبلاء، هي نفسها من تنفق مئات المليارات من الدولارات لنشر رياضات الموت وإقامة الحفلات العلنية لسفك الدماء، وهي أيضا التي تقوم بتربية وعلف وتسمين القتلة الذين كلما زاد توحشهم وقدرتهم على القتل زادت مكافآتهم المالية وارتفعت شهرتهم، بل إن تلك الدول تتفنن في تحديث قوانين تلك اللعبات حتى تصل بها لأعلى معدلات إشباع النهم لسيل الدماء وتكسير العظام، وكلما زاد الدم وعلا صوت طرقعة العظام وتحطم الأسنان، كلما زادت الرغبة في المزيد من الضرب حتى تكتمل النشوة بسقوط الضحية.

والوباء الذي تنشره هذه الرياضات لا يقل خطورة عن وباء كورونا الذي يصرخ منه العالم الآن، حيث تشير الأرقام المتداولة إلى أن أعداد ضحايا لعبات الموت تصل إلى المئات، سواء كان سقوط هذه الضحايا بالموت ومفارقة الحياة مباشرة، أو بالموت لاحقا بعد الفشل في علاج آثار الضرب، أو بالعيش بقية عمرهم في غيبوبة لا يفيقون منها أبدا، أو العيش بعاهات مستديمة تفقدهم القدرة على فعل أي شيء، وليس ببعيد عنا الحالة المؤلمة للبطل الشهير محمد علي كلاي (1942 – 2016 ) الذي أصيب في عز شبابه (42 سنة) بمرض باركنسون ( الشلل الرعاش) والذي ظل ملازمه 32 سنة كاملة، علما بأن كلاي كان هو المنتصر والبطل دائما، فما البال بالخاسرين؟!

وطبقا لتقرير صادر عن الجمعية الطبية الأمريكية (AMA) في 2009، فإن عدد ضحايا الملاكمة الذين يموتون بشكل مباشر داخل الحلبات سنويا هو 00.13 لكل ألف ملاكم، وهو رقم كبير للغاية، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن هناك ضحايا آخرين يتوفون لاحقا، أو يعيشون في حكم الأموات، هذا فضلا عن أن تلك الإحصائية صادرة منذ أكثر من عشر سنوات، فضلا عن أنها متعلقة بمنافسات الملاكمة في أمريكا فقط وليس في كل دول العالم!

الموت بدعوى اللعب!

وشلالات الدم التي تجري في حلبات الرياضة، لا تتوقف عند رياضات الملاكمة والكيك بوكسينغ وغيرهما من اللعبات العنيفة، وإنما تمتد لتصل إلى ملاعب وساحات أخرى عديدة، فأعداد الذين يقضون في سباقات السيارات والدراجات النارية ( موتوسيكل ) لا يقل عن أعداد الذين يسقطون في حلبات الملاكمة والكيك بوكسينغ، بل ربما تزيد الأعداد في تلك السباقات عن مثيلاتها في اللعبات الأخرى، حيث احتمالات الإصابة والموت في هذه السباقات أكبر وأقرب من احتمالاتها في غيرها من اللعبات الأخرى الخطرة، خاصة إذا ما عرفنا أن السيارات والدراجات النارية المخصصة للسباقات مصممة ميكانيكيا بحيث تصل إلى سرعات فائقة تقارب سرعة الطائرة أثناء الإقلاع، ومن ثم فإن أي خطأ أو تعثر في السباق يودي بحياة المتسابق في الحال، وإن قدر له ونجا، فإنه في الغالب يقضي بقية عمره قعيدا أو كسيحا، ولا يخلو سباق للسيارات أو الدراجات النارية من العديد من الحوادث التي تكون في الغالب مأساوية تتحول فيها السيارة أو الدارجة النارية إلى كتلة نار وتتفحم المركبة وسائقها.

والحال كذلك في رياضات أخرى كثيرة، خاصة تلك التي يطلق عليها المنافسات غير المحدودة (extremely) والتي يغري المنظمون لها المشاركين فيها بمكافآت مالية ضخمة وبالدخول في موسوعات الأرقام القياسية وعلى رأسها موسوعة جينيس، ومن هذه الرياضات على سبيل المثال لا الحصر صعود قمة جبل إفرست البالغ ارتفاعه تسعة ألاف متر تقريبا، كثير من المتسلقين يسقط من المنتصف وربما من أعلى، أو بالقفز في أنهار وبحار من ارتفاعات شاهقة، كثيرا ما يسقط المشاركون فيها بطريقة خاطئة تؤدي إلى وفاتهم في الحال أو يتعرضون لإصابات لا علاج لها، أو بالسباحة في مياه متجمدة، كثيرا ما يصاب المشاركون فيها بتوقف لعضلة القلب، وغير ذلك من الرياضات القاتلة، التي تمثل وباء آخر يتم الانفاق عليه ببذخ لينمو ويستمر ويزداد انتشارا!

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة