الفريضة الغائبة

هل فعلا تغيب الفرائض؟ وهل الجهاد وحده هو الفريضة التي غابت عن واقع المسلمين؟

أم أن غيابه نتيجة لغياب فريضة الحكم بما أنزل الله، التي فتحت الباب، وتوالت بعدها حبات العقد، وتتابع بعدها انفراط الفرائض، كما جاء في خبر الصادق صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه بإسناد جيد، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لتُنْقَضَنَّ عُرى الإسلام عروة عروة ، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة.) وقبل الوصول إلى آخر المعاقل، حتما ستسبقها فريضة الزكاة التي اقترنت بالصلاة في كل سياق، حتى اعتبر الخليفة الأول أبوبكر رضي الله عنه، أن التفريق بينهما علامة ردة، وسعي لانتقاص الإسلام وتقويض أركانه، لذا قال: “لا يُنْتَقَصُ الإسلام وأنا حي، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة”.

لكن الذي ينظر إلى منظومة الزكاة كما فرضها الله كمظلة اجتماعية جامعة، محددة أنصباؤها، ومقدرة أوقاتها وأصنافها ومصارفها، وأقسام المستحقين لها، يدرك أنها نظام إلهي محكم متين، لا ثغرة فيه ولا يُنفذ إليه، ولا يُطبق منه في دنيا الناس إلا قدر، كثيرا ما يَعْتوره خلل، ويعتريه ما يبطل العمل، حيث تُرك الأمر لأريحية الغني يدفعها كيف يشاء، إذا تخلص من شح نفسه وهواه، فيدخل فيها فكره واجتهاده فيقدمها منة وفضلا، وقد وجبت عليه حقا وعدلا (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ.)

قليل من يقيم حق الله فيها، ويضعها في يد مستحقيها، أما الكثرة الكاثرة فممن غلبته نفسه الأمارة بالسوء، وأطاع الشيطان الذي خوفه الفقر ووعده إياه (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)

والمتأمل في قول الله تعالى وتقدس: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ ۗ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

يجد أن القرآن الكريم جعل فيمن فرض لهم حقا في الزكاة، وذكرهم في المرتبة التالية للفقراء والمساكين ” العاملين عليها”، وهم الجهاز الإداري الذي يقوم على جمع الزكوات من أهلها، وصرفها في مصارفها، بما يؤكد أن الزكاة في الإسلام ليست وظيفة موكولة إلى صاحب المال وحده، وإنما هي وظيفة من وظائف الدولة، تشرف عليها وتنظمها، وتعيّن لها من يدير أمرها، وتكون رواتبهم من حصيلتها.

نص الفقهاء على أنه يجب على الحاكم المسلم أن يبعث من ينوب عنه لأخذ الزكاة، استنانا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل الخلفاء من بعده وهو مشهور مستفيض، بل كان في كبار الصحابة من وَلي هذه المهمة كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الصدقة.)

محاسبة السعاة

وكان فيما قاله لمعاذ بن جبل عندما أرسله إلى أهل اليمن (وأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم) أي يأخذها نائب الإمام، وهو من يوزعها على مستحقيها، وذكر الإمام النووي: أن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه، ومنهم من يبخل فوجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة.

بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحاسب هؤلاء السعاة بنفسه، ويبين لهم عِظَم الأمر الذي أوكله إليهم، عن عَدِي بن عُمَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه يَقُول: مَن اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَل، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولا يَأْتِي بِهِ يوْم الْقِيامَةِ فقَام إَلْيهِ رجُلٌ أَسْودُ مِنَ الأَنْصَارِ، كأَنِّي أَنْظرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه اقْبل عني عملَكَ قال: ومالكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُك تقُول كَذَا وَكَذَا، قَالَ: وَأَنَا أَقُولُهُ الآنَ: مَنِ اسْتعْملْنَاهُ عَلَى عملٍ فلْيجِيء بقَلِيلهِ وَكِثيرِه، فمَا أُوتِي مِنْهُ أَخَذَ ومَا نُهِى عَنْهُ انْتَهَى. رواه مسلم

ولولا أن أبا بكر رضي الله عنه طالب الناس بالزكاة ما ظهر له امتناع من قاتلهم عليها.

تناول أئمة المذاهب المسألة بالشرح والتفصيل، فمنهم من جعل الأموال الظاهرة كالأنعام والثمار تدفع إلى الإمام، والباطنة كالذهب والنقود يخرجها المزكي إلى من يعرف من مستحقيها، وهو قول الحنفية ورواية عند الشافعي، وذهب المالكية إلى وجوب دفعها إلى الإمام بكل أنواعها، واختار الحنابلة أن الحكم لا يرتقي إلى الوجوب، وأن دفعها إلى الإمام جائز.

لأن الأصل في الإمام العدل، وإقامة الشرع، وحض الناس على فعل الفرائض، أما حكام الجور الذين ينحون الشريعة ويحاربون أهلها، فقد أهملوا أمر الزكاة عن عمد، واستبدلوها بالضرائب والمكوس التي تدخل خزائنهم ولا يُسألون عن مصارفها!

ورفضوا أن يتعاملوا مع الزكاة كمورد مالي بحت، من الموارد المالية السخية، التي تدر دخلا كبيرا إلى خزينة الدولة، وتساهم بشكل فعال في سد العوز، وتضييق دائرة الفقر، لأنهم يعلمون أن إقامة فريضة، فيه بيان لمحاسن الشريعة، وهم يسعون إلى هدم ذلك ونسيانه، كما فعل جمال عبدالناصر عندما ألغى نظام الوقف، وهو من أكبر أبواب البر وصور الكفالة، ومعمول به في غير بلاد المسلمين، حتي العلمانية التركية إبان سطوتها لم تتعرض له، ويعتبر “أوقاف بنك” حتى الآن من أكبر المصارف التركية ، لكن العنجهية العسكرية، تفوقت على العلمانية الأتاتوركية!

إحياء الوقف

وُضع دستور جديد في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير، وتم النص فيه على إحياء الوقف وعودته، وفي مجلس الشعب 2012 كنت وكيلا للجنة الدينية، وناقشنا فيها إنشاء هيئة قومية تقوم على أمر الزكاة، على غرار هيئة قناة السويس وغيرها من الهيئات الكبرى، وقدم د. نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق للجنة دراسة فقهية اقتصادية شاملة استوعبت الموضوع من كل جوانبه، جاء فيها أن في حالة إنشاء هيئة للزكاة أو بيت للمال، سيضمن للخزينة العامة

رافدا ماليا ضخما، سيكون في صدارة موارد الدولة، وتستطيع من خلاله محاصرة اتساع رقعة الفقر، ورفع مستوى المعيشة لمعدومي الدخل.

لكن العنجهية العسكرية أمرت بحل مجلس الشعب، ثم انقلبت على الشعب وثورته، وعطلت الدستور، وحذفت من دستورها الجديد عودة نظام الوقف، للعودة إلى نظام عبد الناصر!

إني أرى نجم النظم العسكرية والدول القمعية إلى أفول، وعُودُها إلى ذبول، وعلى من يورثه الله أرضهم وديارهم أن يضع في خريطة إصلاحه، وخطة نجاحه، إعادة نظام الوقف وإحياءه، وإنشاء وزارة ذات طابع اقتصادي للزكاة والأوقاف، بعيدا عن وزارة الدعوة والمساجد.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة