أنتم وشأنكم مع الكورونا!

 

العالم كله يواجه مخاطر وتداعيات فيروس كورونا المستجد ويتخذ إجراءات متنوعة في هذه الحرب غير المتكافئة التي لا يزال يربحها الفيروس.

ومصر ضمن البلدان التي أصدرت قرارات في هذا الشأن، هناك من يقول إنها تأخرت في فرض الحظر الجزئي المعمول به حالياً للأسبوع الثالث على التوالي، وهناك من لا يزال يرى ضرورة الحظر الكامل وإبقاء المواطنين جميعاً داخل بيوتهم في حجر منزلي إجباري.

لا مانع من اتخاذ أي إجراءات تحافظ على حياة الناس، وتمنع تفشي الفيروس حتى عبور الأزمة مصرياً وعالمياً أو التوصل إلى اللقاح الشافي لوضع حد لأثقل كابوس تواجهه البشرية وتقف أمامه ضعيفة جداً.

والالتزام الطوعي بالحظر جزئياً أو كلياً لا يتم هكذا بقرارات فوقية، أو بسلطة القوة، إنما لا بد من الاقتناع الشعبي بها، والدعم والمساندة للجالسين المتعطلين في بيوتهم بعد تضرر أعمالهم أو خسارتهم لها.

الحالة الاقتصادية والمعيشية لشرائح عديدة من المصريين صعبة، وتفوق قدرتهم على احتمال البقاء في البيوت دون تحصيل الرزق لإعالة أسرهم، خاصة مع حالة الغلاء وارتفاع تكلفة الحياة دون تناسبها مع مستويات الدخول، بعكس بلدان أخرى يكون لدى مواطنيها قدرة مالية على تحمل الأضرار والأزمات، ومع هذا تقوم حكوماتها بدورها الاجتماعي التضامني التكافلي معهم.

غياب الدور:

في مصر، هناك غياب للدور التضامني، والدعم المباشر أو غير المباشر غير مطروح حتى الآن، باستثناء إعلان عن دفع مبلغ 500 جنيه للمتضررين من العمالة غير المنتظمة، وهذا المبلغ قد لا يكفي لإطعام أسرة صغيرة لأيام قليلة، وبالكاد يمكن أن يسدد ثمن كشف عند طبيب في عيادة خاصة مع شراء الأدوية أو بعضها، إذا كان هذا الطبيب لا يزال يحمل في قلبه رحمة، ولم يرفع فاتورة الكشف عن مائتي جنيه مثلاً.

الحكومة والقطاع العام يدفعان رواتب العاملين لديهم، وهذا جيد، إنما المشكلة في قوة العمل الكبرى في الدولة وهى القطاع الخاص، وأصحاب المهن والحرف، وكل أطياف العمالة غير المنتظمة، وفئة الفلاحين، وعدد هؤلاء جميعاً بعشرات الملايين، وهم أضعاف مضاعفة لعدد العمالة الرسمية في جهاز الدولة والشركات العامة والهيئات الخاصة والاقتصادية.

هذه الملايين الكثيرة هم المتضررون أكثر من غيرهم، ويعانون ويئنون ويجازفون لمواصلة نشاطهم وحياتهم مع ما يعرضهم ذلك من مخاطر الإصابة بالفيروس أو الاختلاط بالمصابين وتوسيع نطاقات انتشاره.

قد لا يكون مسلكهم هذا صحيحاً، لكن أمام متطلبات المعيشة والبطون الخاوية يصعب أن تجد ما تبرر به انتقادهم خاصة مع تجاهل الإدارة لهم في هذه الجائحة.

 القطاع الخاص لم يصل لدرجة إنسانية وأخلاقية ومجتمعية تجعله يوفر الحماية والرعاية للعاملين فيه خلال أوقات المحن والشدائد، فقد انكشف أكثر الوجه القاسي لعدد من كبار رجال الأعمال المدللين في محنة كورونا، هم لا يهمهم غير الربح الوفير على حساب حياة العاملين لديهم، أحدهم دعا صراحة لإنهاء الحظر وانتظام العمل حتى لو تم التضحية بالبعض مقابل أن يعيش بقية الشعب!

مبادرات القطاع الخاص:

 لم تظهر من القطاع الخاص مبادرات شجاعة مثل منح العمال أجازات لبعض الوقت مع استمرار صرف رواتبهم كاملة، لكن هناك تخفيض في الرواتب، أو قطعها، أو طرد العمالة غير المعينة، أو إصرار على مواصلة العمل ساعات طويلة، القطاع الخاص ديدنه الكسب فقط، والعامل آخر اهتماماته، يأكله لحماً ويرميه عظماً، إلا ما ندر منه، إنه الصورة الانتهازية للرأسمالية المتوحشة غير الإنسانية.

قطاع العمالة الذي يعتمد على نفسه لكسب رزقه متضرر جداً من تداعيات كورونا لأن الحظر الكامل يعني الحكم عليه بالجوع الكامل، فهؤلاء يعملون يوماً بيوم، أو باتفاقات مع من يطلبهم للعمل لوقت محدد، ولهذا تكتفي الحكومة بالحظر الجزئي، لأن لها مصلحة في ذلك، حيث تفتح نافذة لنفسها لتفلت منها في مسألة تعويض المتضررين، فهى إذا قررت حظراً كلياً فكيف تعوضهم، وهى غير مستعدة للعون والمساعدة، وحتى اليوم لم تقدم أي دعم، والـ 500 جنيه التي لا تكفي شيئاً لم يصرفها أحد، والملايين الذين تقدموا لها قد ينتهي الحال باستبعاد كثيرين منهم بذريعة عدم استحقاقهم لها.

هذا القطاع الواسع من العمالة غير المنتظمة هو عصب بيوت الطبقات الكادحة والفقيرة والضعيفة والمهمشة ومن هم دون خط الفقر، وهم غالبية المجتمع اليوم، وما تبقى من الطبقة الوسطى نسبة قليلة، وهم يجتهدون من أجل الستر، والشرائح العليا محدودة، وأفرادها لا يشعرون بأزمة، إذ يحصلون على رواتب مميزة، أو لديهم دخول كبيرة تجعلهم لا يشعرون بمصاعب الحياة.

هل هناك خريطة لقوة العمل في مصر تتضمن تفاصيل كاملة عن فئات وشرائح وقوى العمل، بما فيها العمالة الزراعية التي قد تغيب عن حسابات القوى العاملة عند الرصد والتحليل؟.

هذه الخريطة، إذا كانت متوفرة ومُحَدّثة ودقيقة وشفافة مع وجود جداول بمتوسطات دخولها، ستجعل الرؤية واضحة عند الحكومة في فهم حقيقة أوضاع العمالة وقت الأزمات المعقدة وستساعدها إذا اتجهت للتفكير والتخطيط في توفير حزم الدعم لهم، سواء الدعم المالي المباشر، أو الدعم السلعي عبر بطاقات التموين، أو الدعم من خلال إعفائهم من تسديد فواتير استهلاك الخدمات من كهرباء وماء وغاز وغيرها.

في أمريكا:

إذا ذهبنا إلى أمريكا، سنجد أنه ضمن الـتريليوني دولار حزمة التحفيز للاقتصاد والإنقاذ من تداعيات كورونا التي قررتها إدارة ترامب، هناك جزء كبير منها إعانات للمواطنين، وعدد كبير منهم سيحصل عليها، وهذه الإعانة ستكون لمدة 4 أشهر، والمبلغ الذي ستحصل عليه كل أسرة قد يكفي جانباً كبيراً من احتياجاتها الشهرية.

نعم، مصر ليست مثل أمريكا في الثراء، لكنها ليست فقيرة إلى حد العدم، بل تملك مصادر ووسائل دعم ومساندة لمواطنيها وهذا حق لهم، و2000 جنيه شهرياً للمواطن المستحق ليس كبيراً، ويمكن تسيير المعيشة به في حدها الأدنى، وتدبير بقية مصاريف الشهر من العمل في حدود الساعات المسموح بها خارج الحظر، أو من المدخرات إذا وُجدت. 

وإذا كانت الحكومة غير قادرة أو راغبة في مساندة مواطنيها وقت الأزمة، فمتى يمكنها مساعدتهم؟، ومتى يشعر المواطن أن حكومته تقف معه وتقدم له يد العون بينما هى لا تتوقف عن الأخذ منه، وعندما تعلن عن توفير 100 مليار جنيه فوراً لمواجهة الفيروس  فهذا يعني قدرتها على تدبير المال وقت الحاجة.

 ومن المثير هنا أن يتقدم بهاء أبو شقة رئيس حزب الوفد ورئيس اللجنة التشريعية في البرلمان بمشروع قانون لفرض التبرع الإجباري على الموظفين في الدولة لصالح صندوق تحيا مصر لمجابهة كورونا.

مثل هذه التبرعات تكون اختيارية وليست إجبارية، ولم نعهد تشريع قوانين لتقرير تبرعات دون إرادة المستهدفين بها، وهذا المشروع قد لا يكون بمبادرة شخصية من النائب، وإذا تبناه البرلمان ووافق عليه فغالباً سيكون في الأمر تدبير مسبق، وإذا اقتصر التطبيق على موظفي الدولة فإن تقديري أنه حيلة والتفاف عليهم لخصم جزء من رواتبهم طالماً أنهم لا يعملون طوال الشهر رغم أن تخفيف أيام وأوقات العمل قرار رسمي.

دور الحكومة:

لا ضمان لبقاء الكورونا على وضعه الحالي من حيث عدد الإصابات، وهو قليل مقارنة ببلدان كثيرة، فقد يحدث ما لا يُحمد عقباه لا قدر الله، وهذا يعني ضرورة الانتباه الرسمي والشعبي والتكاتف المشترك بأن تقف الحكومة كحائط صلب وراء مواطنيها، لا أن تتركهم وشأنهم أمام تأثيرات الوباء على حياتهم وأن تغير وتيرة تفكيرها وطبيعة قراراتها لخدمة شعبها بشكل عملي وفعال، وفي نفس الوقت يجب أن يثبت المواطنون وعيهم بالمخاطر المتوقعة، والتزامهم بالاجراءات الاحترازية مع تسيير حياتهم وأشغالهم لكن بحرص.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة