مقالات

كورونا.. كورونا! هل فعلها بيل غيتس؟

      مع ولادة فيروس كورونا كوفيد 19 في الصين، وتفشي عدواه بسرعة لافتة، غزت نظرية المؤامرة الأمريكية شبكات التواصل الاجتماعي ولم تجد بعض وسائل الإعلام حرجا في تناولها. وقد أقنعت هذه النظرية جزءا لا بأس به من الراي العام العالمي، خصوصا وأن العدوى امتدت الى إيران في غضون أيام قليلة. لكن مع زحف الوباء على قارة أروبا ثم الى الولايات المتحدة التي أصبحت أخطر البؤر، انقلبت النظرية لتصبح مؤامرة من طرف الصين ذاتها. أما شبكات التواصل الاجتماعي في أمريكا وماجاورها فتسهر وتختصم بسبب نوع آخر من المؤامرات أقرب الى الواقعية، مؤامرة أباطرة التكنولوجيا والمال.

السحر الأمريكي:

     بعض المستميتين في الإيمان بنظرية المؤامرة الأمريكية مازالوا يعتبرون أنها حقيقة بل يرون أن السحر الأمريكي انقلب على أهله لأن الصين تغلبت على الضّرر ورمت بكرة النار الى مرمى مُلقيها ليحترق بها. لكن، ومع تقدّم عدوى كوفيد 19 بسرعة أصابت العالم بأسره بالشلل، انعكس هجوم أصحاب نظريات المؤامرة، وصار هذا الفيروس اللعين من تركيب الصين ذاتها، خدعت العالم بإيذاء مواطنيها في البداية لتمرّ الى حبس أنفاس العالم وإصابته بالشلل من أجل إعادة ترتيب التموقعات في سلّم الهيمنة على العالم.

    ورغم رواج النظريتين خلال شهري يناير كانون  الثاني، وفبراير شباط، حسمت النتائج العلمية مع جزء كبير من جمهور المؤامرات، عندما ثبت أن فيروس كوفيد 19 طبيعي وأن ظهوره لا يحمل أي تركيب جيني بتدخل من الإنسان. وهذا ما فتح الباب على مصراعيه للتعلق أكثر بنظرية مؤامرة مختلفة عن سابقتيها. مؤامرة من تدبير امبراطور تكنولوجيا المعلومات، أغنى رجل في العالم، بيل غيتس و14 عشر شخصا من أقطاب المال والأعمال على مستوى العالم.

وتعتبر هذه المؤامرة أن اجتماعا  عقد  في أكتوبر تشرين الماضي بنيويورك وعُرف باسم “إيفنت 201” هو الدليل على أن الوباء المتفشي اليوم ليس صدفة. في الحقيقة هناك اعتقاد بمستويات مختلفة في اتهام بيل غيتس بالمشاركة في هذه المؤامرة، فبعض المعتقدين بضرورة وجود طرف ما وراء أي كارثة، وصل بهم الحدّ الى تسمية فيروس كوفيد 19 بفيروس بيل غيتس، على أساس أن غيتس خطّط (لا فقط تنبّأ) لهذا الفيروس للقضاء على 15% من سكان الأرض واعتماد لقاح للفيروس يحتكر هو ملكيته بحكم تمويله لمختبر بعينه من أجل إعداده. هذا الاعتقاد سرعان ما تمّ تكذيبه نظرا لثبوت تزوير لتصريحات معينة لغيتس، واقتطاعها من سياقها. لكن آخرين يعتقدون بأن الرجل مستفيد من انتشار هذا الوباء، وإن لم يكن متسببا فيه، ويعتبرون أيضا أن اجتماع نيويورك المذكور عنصر  مهمّ لفهم سيناريو ما بعد الجائحة.

حكاية ايفنت 201:

     قبل المرور الى عرض ركائز هذا الاعتقاد،  يجدر  بنا التعريف بـ”إيفنت 201″ الذائع الصيت. فهو بإيجاز واحد من اجتماعات دورية لمن سبق ذكرهم، يسعى لدراسة اقتراحات القوى الكبرى لرسم ملامح النظام العالمي الجديد. خلال هذا الاجتماع، تم طرح تمرين ينصّ على توقّع الحاضرين للمستقبل في حال تفشي وباء معدي في العالم، يعني تصوّر حالة مشابهة لفيروس شديد العدوى بين الناس وتعجز البشرية عن إيجاد لقاح له طوال سنتين. وخلص المشاركون إلى توقّع حصول 65 مليون وفاة وعجز ذريع للإنسانية في مقاومته.

هدف هذه التدريبات الأساسي يدخل في عمل هذه القوى في رسم ملامح نظام عالمي جديد في ظل وقوع كوارث افتراضية محتملة يمكن أن تفاجئ الإنسانية (وظهور فيروس جديد من عائلة كورونا متوقع). منظّمو هذا الاجتماع يعملون دوما حسب جدلية هيغل: مشكلة/ ردة فعل/ حلّ. وإن كانت المشكلة غير مفتعلة في هذه الحالة، فإن التخطيط للباقي يقوم على فرضية وقوع مشكلة والتأهّب لباقي الجدلية (وهو ماحدث فعلا).

يرى المؤمنون بهذا الاعتقاد في مؤامرة غيتس، أن مخططه يسعى إلى اتخاذ الوباء كسياق موضوعي من أجل مزيد إحكام الرقابة على المحتوى المعلوماتي للشبكة العنكبوتية وإيجاد مبرر مشروع لغربلته (حسب مصالحه) تحت مسمّى “محاربة الأخبار الزائفة”. إضافة الى  كل هذا، يُروّج أصحاب هذه الأفكار أن غايتس سيستغلّ تفشي الجائحة ويأس الناس، ويمرّ الى فرض حلّ يتمثل في لقاح عالمي على شكل شريحة رقمية صغيرة جدا، قادرة على نسخ معطيات تتعلق بالحامض النووي والنسيج الدموي للشخص… يتم زرعها في الجسم، ويفوز صانع اللقاح من خلاله بملكية معطيات جميع سكان الأرض، وهذا مايعتبر الحلقة الأهم في سياسات الهيمنة.

     وبعيدا عن إمكانية تنفيذ مخططات غيتس من عدمها، فإن أحداثا كثيرة حصلت أخيرا تثير الانتباه من حيث تناسقها مع أهداف غيتس المذكورة. إذ أن الصين رغم تكبّدها لجانب كبير من أضرار كوفيد 19، فإنها ظهرت الأكثر استعدادا لسيناريو مابعد الجائحة. فمثلا، صادق البرلمان الصيني على قانون التطعيم الإجباري لمواطنيه في يوليو تموز 2019 وسُجِّل دخوله حيّز التنفيذ في أوائل ديسمبر كانون أول، أسبوعين قبل الإعلان عن الفيروس. إضافة الى هذا، لمع اسم مدينة ووهان (بؤرة الفيروس الحالي) أواخر السنة الماضية باحتضانها دورة الألعاب الأولمبية العسكرية وتتويجها من المدن الذكية الناجحة في اعتماد تقنية 5G في إشادة بمشروع الرقمنة الشاملة الذي تروج له الصين وتسعى لبيعه لمزيد من دول العالم. وظفت الحكومة الصينية التقنية في ووهان منذ انتشار الجائحة، لمتابعة حالات السكان من خلال نظام المراقبة على هواتفهم وترصّد حركاتهم لتطويق مستوى العدوى. أساليب أمنية لا تتماشى مع مبادئ خصوصية المعطيات الشخصية، لكنها في أوج الجائحة تصبح ممارسات محمودة من أجل المصلحة العامة. بل وتباهي الصين بقدرتها على حماية باقي المليار واربعمائة مليون ساكن بنفس الأسلوب. سياسات تثير امتعاض المواطنين، لكنها في المقابل، تمثّل تحدّيات كبرى يسعى إلى تحقيقها الطامعون في قيادة العالم معلوماتيا أمثال بيل غايتس وشركة غوغل مثلا.

اعتماد البطاقات البنكية:

     معطىً آخر يصبّ في نفس أطماع امتلاك أكثر ما يمكن من المعطيات الشخصية للمواطنين، ويبدو خطوة استباقية لمخطط غير بريء، هو نجاح الصين في إقناع الناس خلال تفشي الوباء بفكرة إلغاء التعامل بالأوراق النقدية (تمهيدا لتقنين رقمنتها) من أجل تجنب مساهمتها في نقل العدوى، واعتماد البطاقات البنكية في كل معاملاتهم عوض ذلك. وهي خطوة ستمكّن الصين من المتابعة الشاملة للعمليات المالية لمواطنيها، وبالتالي تحقيق مزيد من المراقبة، وأيضا جني أكبر قدر ممكن من الضرائب على كل الأموال المتداولة. وهي كذلك خطوة تحلم بها جميع القوى الساعية دوما إلى تحقيق أكبر قدر من الرقابة والهيمنة.

     بغض النظر عن مدى واقعية هذه القراءات، فإن جائحة كوفيد 19 ومايمكن أن يُشبهها من المصائب المُفاجئة للإنساسية، ستخلّف أضرارا كارثية لأغلب الدّول. وفي المقابل ستساهم في تضاعف نفوذ قُوىً معيّنة، تأهّبت جيدا لسيناريوهات مابعد الكوارث، قُوى تراهن على امتلاك أكبر قدر من المعطيات الشخصية لسكان الأرض من أجل إحكام مراقبتهم والتحكم في مصائرهم.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة