مقالات

صناعة التاريخ .. رغم كورونا!

والعقل الذكي جعل طالبان تصل إلى قناعة بأنها فرضت وجودها على الأمريكي، وأجبرته على الاعتراف بأنها قوة لا يُستهان بها، وأن حرب العصابات استنزاف لواشنطن وتوابعها.

 

لا صوت يعلو على صوت كورونا، كل البلدان منهمكة في محاولة تقليل الخسائر البشرية والمادية، وفي مراكز البحوث عقول تسابق الزمن للتوصل إلى اللقاح الذي يوقف تغول الفيروس على البشر الذين يبدون ضعفاء رغم وصولهم لمدى كبير في التطور الحضاري والاستعلاء الأرضي.

في ظل كورونا تجمدت السياسة، وتوقفت اتصالات ولقاءات القادة، وأغلقت كل دولة حدودها على نفسها، وانعزلت عن العالم لمواجهة الهجوم المدمر لكائن شديد الضآلة.

ضوء سياسي في ظل عتمة الوباء

مع هذا، هناك ضوء مصدره السياسة الخارجية الأمريكية لاستكمال طريق السلام في أفغانستان، في تحرك جيد رغم الجائحة العالمية المعتمة، وهذا الضوء يهدف للدفع في اتجاه البدء بالخطوة الثانية من اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه بين أمريكا وحركة طالبان مؤخراً، وقد تصادف توقيع هذا الاتفاق مع بدء تسلل الوباء إلى أوربا وأمريكا ومعظم العالم من بؤرته الأولى في مدينة (ووهان) الصينية.

خلال الأيام الماضية قام وزير الخارجية مايك بومبيو بزيارة مفاجئة إلى العاصمة الأفغانية كابل لحث حكومة الرئيس أشرف غني وحركة طالبان على الشروع في المفاوضات المباشرة بينهما ليكون السلام كاملاً وشاملاً في هذا البلد، وهذه المفاوضات كان يجب أن تبدأ 10 مارس الجاري، لكنها تعثرت بسبب خلافات تتعلق بملف أسرى طالبان لدى الحكومة، والعدد الذي سيتم الإفراج عنه، وأيضاً بسبب انشغال الإدارة الأمريكية بمواجهة الفيروس المتفشي على أراضيها.

شهر كامل الآن على صناعة التاريخ بتوقيع اتفاق السلام بين واشنطن وطالبان في العاصمة القطرية الدوحة يوم 29 فبراير/شباط 2020، والنتائج على الأرض مطمئنة وتشير إلى نية الطرفين الالتزام ببنوده، والرغبة في إنجازه.

 الانخراط في السلام

الأمريكي عاقد العزم على سحب قواته بالفعل من هذا البلد لإيقاف أي خسائر بشرية جديدة بين قواته، وإيقاف ارتفاع الكلفة المالية للحرب التي بلغت نحو تريليون دولار.

والطالبان بعد 19 عاماً من القتال يريدون وضع البندقية جانباً، والانخراط في السلام، والعملية السياسية، التي تعيدهم إلى الحكم وفق رؤية جديدة أكثر واقعية، وفهماً للعالم، ومراعاة للأوضاع والتوازنات الدولية، أو على الأقل المشاركة في الحكم، فالحركة لها عناصر مقاتلة أرهقها حمل السلاح، والاعتقالات، والاستهدافات، وعمليات الكر والفر، ولها أنصار وجمهور يريدون الحياة الطبيعية مثل كل البشر، كما تتطلع إلى بقية الأفغان لاستمالتهم إلى جانبها عندما يتم إسكات صوت المعارك، وارتفاع صوت السلام، بعد أربعين عاماً يعيشها البلد والشعب في حروب طاحنة.

العقل الشجاع المنفتح

قيمة هذا الاتفاق ليست في الورقة التي تم توقيعها، ولا في جولات التفاوض الطويلة المرهقة بين الطرفين، رغم أهمية هذه الخطوات، إنما القيمة الحقيقية في العقل الشجاع الذي قرر الدخول في عملية تفاوض، ومباحثات سياسية سرية أولاً، ثم علنية، للتوصل لحلول سلام لحرب لا تنتج حلولاً إيجابية حاسمة، والحرب لم تكن طوال التاريخ هى الحل النهائي، السلام والتعايش والتفاهم هو الحل الآمن والمضمون، وكل حرب انتهت بجلوس المتقاتلين على الطاولة بغض النظر عن أوزان القوى المتصارعة في الساحات.

العقل المنفتح جعل أمريكا القوة الكونية الكبرى لا تتشبث بموقفها ولا تواصل المعارك العبثية، وتستهين بالحركة التي تقاتلها، وتستمر في إطلاق الرصاص على أمل أن الحسم البعيد اقترب لصالحها، إنما استسلمت لنداء التهدئة والسلام.

والعقل الذكي جعل طالبان تصل إلى قناعة بأنها فرضت وجودها على الأمريكي، وأجبرته على الاعتراف بأنها قوة لا يُستهان بها، وأن حرب العصابات استنزاف لواشنطن وتوابعها، لكنها لن تتمكن من فرض نفوذها على البلد، والعودة للحكم مرة أخرى دون اتفاق سلام مع الأمريكي أولاً، ثم مع الطرف الأفغاني الحاكم.

منذ أكتوبر/تشرين الأول عام 2001 حينما أسقطت أمريكا طالبان من الحكم على خلفية تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول، والحركة تقاتل لاستعادة السلطة، وتحرير أفغانستان من الاحتلال، لكنها اليوم في2020، وبعد هذه السنوات الطويلة، لم تحقق أهدافها كما أرادت، حققت أجزاءً منها، فقد برهنت على أنها حركة متمردة شديدة البأس، ويصعب شطبها من الجغرافيا والوجود السياسي في البلد، وبالتالي لا مناص من التعامل معها، وهذا إنجاز كبير لها، وكان دافعاً لدخولها المفاوضات برغبة جادة في الحل.

معنى الانتصار

وكان لافتاً أنه لا الأمريكي، أوالطالباني، تحدث عن انتصاره هو وحده، وهزيمة الطرف الآخر، حديث الانتصار من الطرفين كان يدور حول تحقيق السلام والاستقرار والازدهار للشعب الأفغاني، ومحاربة الإرهاب، والتفاهم نفسه بينهما تم اعتباره انتصاراً.

والجدير بالانتباه أن الأمريكي لا يعتد إلا بمن يمتلك القوة على الأرض، والإرادة الصلبة في اتخاذ القرار، فقد تجاهل الحكومة التابعة له في كابل، وتفاوض مباشرة مع قوة متمردة وخارجة على الشرعية المعترف بها دولياً، وهى خصمه الخطير، وعندما أنهى قضيته معها، وحصل على ما يريد، واطمئن على تأمين نفسه، دعا للتفاوض بين الفرقاء الأفغان.

وهذه رسالة أخرى لكل من يُلقي بنفسه في أحضان أمريكا، ويعتقد أنها لن تتخلى عنه، ولن تعقد صفقات مع قوى مناوئة له، حالة طالبان بالغة الدلالة، وسبقها حرق واشنطن لورقة حلفائها المستبدين الذين أسقطهم الربيع العربي، والنماذج عديدة في هذا المجال منذ برزت أمريكا قوة عظمى ولاعباً مؤثراً في معظم مناطق العالم.

خجل عربي أمام اتفاق تاريخي

هل تلقت الأنظمة العربية رسالة اتفاق 29 فبراير، واستوعبت مضامينها الحقيقية؟.

 نعم، تلقتها مثل بقية العالم، لكنها غالباً لم تكن ترغب فيها، ولا في مضامينها، ولم تصدر بيانات ترحيب حارة، أو اهتمام إعلامي بالحدث التاريخي، فالأنظمة تنظر لطالبان على أنها حركة متطرفة ذات أيدلوجية فكرية جامدة بل متخلفة، ولا تنظر إليها كحركة مقاومة، فكيف لها اليوم أن تجدها تجلس نداً لند على نفس الطاولة مع مفاوضي ترمب رئيس الدولة العظمى، هذا انقلاب سياسي وفكري يضع الأنظمة في خانة شديدة الحرج، فهى تُوظف الصراعات الداخلية، وورقة الإرهاب، لنيل الشرعية والدعم الدولي، وحشد المواطنين وراءها، وعندما تتفاوض أمريكا صانعة قوائم الإرهاب مع حركة على رأس هذه القوائم، فهذا تأكيد لكونها تصنيفات سياسية ذات أهداف مرحلية ونفعية، والحكومات العربية لا تريد لهذا المعنى والتفسير أن يكون واضحاً أمام شعوبها.

 وفي ظل أوضاع يتم تأجيجها بالصراعات، تنفذ الأنظمة ما تريده من سياسات اجتماعية واقتصادية قاسية، وقمع المعارضات، واحتكار السلطة، وانتهاء هذه الصراعات بالحوار لا يخدم أهدافها العميقة إذ تنكشف في ملف الإنجاز، وتتعرى في قضايا الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، فهى بحاجة لعدو، وهو غالباً مصطنع، لتبرر به قبضتها العنيفة في الحكم، وتغطي به على إخفاقاتها في أوضاع الناس.

غياب العقل الشجاع

والناظر للبلدان العربية يجد أن معظمها يعيش الحروب الأهلية، ويغوص في الأزمات، ويبتعد عن الاستقرار الطبيعي والحياة في سلام ووئام اجتماعي ووطني، والقضاء على هذا البؤس بحاجة إلى عقل شجاع منفتح ذكي مثل العقل الطالباني والأمريكاني، لكنه مفتقد عند العربان للأسف.

 هل الأنظمة تقبل أن تجلس مع خصومها في السياسة والحرب بعقل متحرر في حوار وطني بناء لطي كل صفحات الأزمات والاحتراب للتفرغ للمستقبل بلا مشاكل وانقسامات وطنية واجتماعية وسياسية؟

هى لا ترغب في هذا، لأن حصوله يعني تجريدها من ورقة التخويف للشعوب بالعدو الداخلي الجاهز الذي تزعم أنه مدعوم من الخارج في إدمان لنظرية المؤامرة، وستجد نفسها أمام ساعة الحقيقة بالنسبة للأوضاع الاجتماعية لمواطنيها، كما ستجد أنها بلا مبررات مقنعة أمام قوى المعارضة لتعطيل الديمقراطية والحياة الحرة الطبيعية.

الاستفادة من الدروس

الحكومة الكولومبية عقدت اتفاق سلام تاريخي مع حركة (فارك) عام 2016 بعد حرب أهلية دامت خمسين عاماً، لأن النظام والحركة توصلا عبر العقل الجرئ إلى القناعة بأن السلام هو الأمل والنماء، وأن الحرب هى الدمار والخراب.

فهل هناك أمل في أن تستفيد الأنظمة العربية من دروس عالمية عديدة في حل الأزمات والانقسامات الداخلية المعقدة عبر حوار مخلص وصادق على الطاولة، وأحدث درس شهدته ورعته الدوحة بين قوة عظمى وقوة صغرى يستحيل المقارنة بينهما للتفاوت الهائل في القدرات والنفوذ، لكنهما في لحظة صراحة وصدق مع النفس امتلكتا العقل ودخلتا في الحوار المباشر المتحرر من أي عُقَد، ولهذا كان البدء بأول خطوة على طريق السلام، بديلاً عن طريق الآلام في أفغانستان الجريحة.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة