مقالات

نقابة المحامين وذكريات من زمن فات!

وفاز "سامح عاشور" وعدت إلى بيتي من محكمة جنوب القاهرة متعبا لكني راض عن نفسي لما ساهمت فيه، واستيقظت على هاتف من أحد المسؤولين بجهاز أمني يشكرني على موقفي.

 

كانت مصر في عهد ما قبل الانقلاب العسكري دولة، فيها كل سمات الدول الحديثة من حيث التعقيدات والتشابكات والتحالفات، ولبساطة الثوار بكل مكوناتهم فقد أرادوها كيانا بسيطاً، يسهل عليهم فهمه، ويمكن لهم هضمه، فلم تستمر الدولة، وجاء لمن ينتقل بها إلى بساطة "الكتيبة العسكرية"، فصارت كثير من الروايات عن عصر ما قبل التبسيط يثير دهشة البسطاء!

وليس في نيتي الكتابة عن الدولة وتعقيدات الممارسة السياسية فيها، كما ليس في نيتي أيضاً المقارنة بين عهدين، أو زمانين، أو حكمين، فالقلوب تمل! غاية ما في الأمر أن إعلان فتح باب الترشيح في نقابة المحامين المصريين، ذكرني بما مضى، وبحكايات تسهل فهم الدولة التي كانت قائمة قبل ثورة يناير، باتساع رقعتها وكثرة اللاعبين في المشهد السياسي، قبل أن تتحول إلى الدولة البسيطة في عهد الرئيس محمد مرسي، أو "الوحدة العسكرية" في عهد الحاكم العسكري الفرد كما هو الحال الآن!

هيمنة الاخوان:

عندما قدمت من الصعيد إلى القاهرة، كنت أنظر إلى نقابة المحامين بانبهار، فلم أكن هذا القروي الساذج الذي أبهرته أضواء المدينة، بل كنت هذا الشاب الذي لم ير في القاهرة إلا نقابة المحامين، التي كنت أحرص على حضور مؤتمراتها الكثيرة والتي كانت تعقد غالباً في مساء كل خميس، وكنت أشاهد فيها قمماً في السياسة والنضال، من فتحي رضوان، إلى إبراهيم شكري، وأعتبر أن الصعيد مظلوم لأنه لا يوجد فيه مقر النقابة العامة للمحامين.

ثم كانت القاضية عندما قررت جماعة الاخوان الهيمنة على النقابات التي كانت مفتوحة على الجميع، وكان مجالسها تدافع عن الجماعة كما تدافع عن غيرها إذا مسهم السوء، وكانت  خطوة المجالس المدنية أوسع، وعندما سيطرت جماعة الاخوان، على نقابة المحامين، رفض ممثلهم في النقابة مختار نوح طلب الجماعة الإسلامية باستضافة الدكتور عمر عبد الرحمن، لكن النقيب أحمد الخواجة الذي ينتمي فكراً لحزب الوفد، والذي كان قريباً من الجميع بما في ذلك النظام وفي حدود لا تهبط به إلى درجة المخبر، هو من أعطاهم الموافقة وحضر بالفعل "عبد الرحمن" إلى نقابة المحامين، وهو الذي كان مطارداً من السلطة، ويخرج من السجن، ليدخله من جديد، وهكذا!

وتحركت السلطة وفرضت الحراسة على نقابة المحامين، ومن بعدها المهندسين، وتجمد الوضع في نقابة الأطباء، فقد كانت (المحامين) هي المستهدفة بالحراسة والتأميم، وأمام الهيمنة الإخوانية فقد النقيب الخواجة لياقته في المناورة، والصد والرد مع السلطة، ولعله إزاء هذا العجز ساهم في فرض الحراسة التي كانت بحكم قضائي، وتم استحداث قانون الانتخابات النقابية، الذي جعل من الإشراف معقوداً لمحكمة جنوب القاهرة، وبالسيطرة على تشكيلها أمكن لها ضمان عدم إجراء الانتخابات في نقابة المحامين، لتمتد فترة الحراسة سنين عددا إلى أن رفعت الحراسة جبراً بحكم قضائي حصلت عليه المحامية فاطمة ربيع!

كل رؤساء محكمة جنوب القاهرة منذ إقرار القانون تمت مكافأتهم، وأول قاض في هذه المرحلة عين محافظاً لدمياط وآخر قاض تخطى الرقاب وعين رئيساً للمحكمة الدستورية العليا،سوى قاضٍ واحد اسمه محفوظ شومان، رغم تعنته فقد خرج ليطويه النسيان، وسألت عن سر عدم تلقيه "مكافأة نهاية الخدمة" فقيل لي إنه ارتكب أخطاء في ملفات أخرى لم ترق لأهل الحكم!

أزمة مبارك والسعودية:

في هذه الفترة كنت أقف على خط النار ضد الحراسة، ومع المناضلين ضدها، يملون ولا أمل، ويستعيدون نشاطهم فيجدونني حاضراً، وتقدم المحامي رجائي عطية للترشيح، فمثل هذا ضمانة لأولي الأمر، ولم يكن أحد يجهل علاقته بالرئيس مبارك، فقد كان محامي نجليه في القضية التي رُفعت على جريدة "الشرق الأوسط" السعودية بسبب تقرير عن نفوذهما، وكان الظاهر من العلاقة بين مبارك والسعوديين لا يسمح بنشر مثل هذا التقرير، لكن واضح أنه استجد ما عكر الصفو، فكانت "قرصة الأذن" هذه، وهي لعبة تمارس لإثبات القدرة على إلحاق الأذى!

وفهم نظام مبارك الرسالة، فكان اللجوء للقضاء المصري للرد في حدود الرسالة المرسلة، وكان السعوديون أذكياء في ردهم عندما حولوها إلى قضية مصرية، "زيت المصريين فيها في دقيقهم"، فكاتب التقرير هو "سيد عبد العاطي" وهو صحفي مصري، والمسؤولة عن النشر في لندن هي "فوزية سلامة"، وهى أيضاً صحفية مصرية، ولم يكن نظام مبارك يستهدفهما، فعندما تحرك الوسطاء نيابة عن "عبد العاطي" كان الرد أنه ليس مقصوداً، مع أنه في الأجواء العادية، فإن ثمناً لابد وأن يُدفع لمجرد التجرؤ على الكتابة وكان هذا في وقت مبكر، وعندما كان مبارك وأسرته فوق النقد.

وإذ أقام الدعوى القضائية رجائي عطية المحامي بتوكيل رسمي من نجلي الرئيس، فإنه عندما أعلن نيته الترشح لمنصب النقيب، اعتبرها البعض مؤشراً على رفع الحراسة، وربما رأى البعض الآخر أنه لابد من ضمانة لأهل الحكم بأن النقابة ستكون في قبضة الدولة وفي يد أمينة بعد رحيل أحمد الخواجة، فحرضوه على الترشيح!

وبالفعل قرر القاضي رئيس محكمة جنوب القاهرة فتح باب الترشيح، وكان اللافت أن الحزب الوطني الحاكم أعلن أن مرشحه لمنصب النقيب هو "رجائي عطية"، وذلك بخلاف القواعد العامة والسوابق التاريخية، فنقيب المحامين كان دائماً شخصية مستقلة، وليس مرشح حزب أو جماعة.

ولإثبات حسن النية، فقد وقف الاخوان مع مرشح الحزب الوطني، وأيدوا "رجائي عطية" فلا رغبة عندهم في إعادة مشهد الهيمنة والمغالبة، لكن مع هذا حدث ما لم يكن في الحسبان؛ لقد تم اعتقال المحامين الإخوان الذين يديرون الملف بتهمة غريبة، هي التخطيط لخوض الانتخابات النقابية!

وبدا رجائي عطية عاجزاً بكل علاقته بالسلطة في أن يفرج عنهم، أو يضمن لهم سجنا مريحاً، وتبين أن هذه رسالة كان المطلوب إرسالها، فقد قبلت وساطة سامح عاشور، في إدخال الأغطية والطعام لمجموعة المحامين المعتقلين وأبرزهم: مختار نوح وخالد بدوي عضوا المجلس عن الإخوان قبل فرض الحراسة!

ولأنه بتوكيل نجلي الرئيس لرجائي عطية، وبإعلان الحزب الوطني تأييده، كان ذلك إشارة إلى أن سامح عاشور هو محامي التيار الوطني بالنقابة، فقد أيدته، وكنت أكتب زاوية يومية في جريدة "الأحرار" خصصتها عندما اقترب موعد الانتخابات للكتابة عنه ونقد منافسه مرشح الحزب الحاكم، الذي حضر في نقابة الحريات على حصان السلطة!

وانتبهت حملة "رجائي عطية" لذلك، فكانت تعمل على سحب "التوزيع المسائي" لـ "الأحرار" من الأسواق، وانتبهت حملة "سامح عاشور" لذلك، فكانت توفد عنها من يحصل على أعداد من المطبعة وتقوم بتصوير المقال وارساله للمحافظات، وتوزيعه في النقابة العامة!

عاشور مرشح الأمن:

وفاز "سامح عاشور" وعدت إلى بيتي من محكمة جنوب القاهرة متعبا لكني راض عن نفسي لما ساهمت فيه، واستيقظت على هاتف من أحد المسؤولين بجهاز أمني يشكرني على موقفي والذي كان له دور كبير في هذا الفوز، وعدت لأسأله: ومالكم أنتم وسامح؟ فقال: هل يعقل أنك لا تعرف أنه مرشحنا!

ولم أتعامل مع كلامه بجدية، وإن كنت ذهبت لأبحث عن مدى صحته، لأكتشف أن من يتابعون ملف النقابة في السلطة، وهم رئيس مجلس الشعب فتحي سرور، ووزير العدل بطبيعة الحال "فاروق سيف النصر"، وكمال الشاذلي الرجل القوي في الحزب الحاكم، ومعهم زكريا عزمي رئيس الديوان الرئاسي، كان له رأي آخر:

إنهم لن يتمكنوا من إدارة "رجائي عطية" لقربه من الرئيس مبارك، لكن يمكنهم هذا مع سامح عاشور. وبعد هذا كان اختيار الناصري ومرشح تيار الاستقلال النقابي "جلال عارف" هو الأفضل عند رئيس المجلس الأعلى للصحافة "صفوت الشريف" من "صلاح منتصر" القريب من السلطة، ومن إبراهيم نافع الذي جاء به "محللاً".

وتبين أن اعتقال الاخوان، كان ضرباً تحت الحزام في رجائي عطية، ورسالة للإخوان بألا يستمروا في التحالف معه فهو أضعف من أن ينتصر لهم إذا مستهم الضراء.

ولم يكن مبارك تشغله التفاصيل، ومنها كان دائما يدخل الشيطان!

 

 

 

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة