د. محمد عمارة ورحلته من الماركسية إلى الاسلام

 

فقدت مصر والأمة العربية والإسلامية مفكرا فريدا وفقيها تنويريا وعالما من الصعب أن يتكرر بتعدديته الفكرية وروحه العلمية الوثابة، ربما يمثل آخر أجيال الصحوة الإسلامية الفكرية ليكون لزاما على الأمة أن تعكف على مؤلفاته ودراساته ورسائله وأبحاثه كي تضع أسسا لتشكيل سبل الرشد للعقل الجمعي الإسلامي بناء علي فكر الدكتور محمد عمارة رحمه الله

ولد في مصر عام 1931 وحفظ القرآن ككثير من القرويين في ذلك الوقت، ودرس في كلية دار العلوم وحصل على الليسانس في عام 1970 في فترة صراع فكري بين الماركسية والفكر الإسلامي الذي كان محاصرا وموقوفا لسنوات بعد انقلاب يوليو 1952 وانحسار الإسلام في فكرة السلفية بعد التنكيل بالحركة الإسلامية وتجميد آلياتها الفكرية والحركية.

تقلب في بداية حياته العملية أكثر من مرة ، حيث بدأ منظرا للفكر الشيوعي ثم كفر به وانتقل إلي الفكر السلفي ، حتى تبلورت فكرة تحرير العقل المسلم من كافة الصراعات الموجودة علي الساحة ، وكما كان رحمه الله منظرا لامعا للفكر الماركسي ، فهكذا صار منظرا ومفكرا إسلاميا لامعا ، لم يساهم فقط في تشكيل العقل الإسلامي بسعة الدين وبراعة الخلاص من التبعية التنظيمية أو الحزبية ، وإنما بترشيد العقل ووضع قواعد التفكير الحر والحكم في قضايا مصيرية معاصرة شائكة ، تاركا تراثا فكريا يكفي لتوعية جمعية يمكن أن تكون انطلاقة فكرية كبري إذا أحسن استخدامها من مؤسسات ثقافية وعلمية تعني بمستقبل الأمة وحضارتها.

محمد عمارة وقضايا الأمة

تعددت اهتمامات عمارة رحمه الله بين تفنيد الأخطاء التاريخية فعني بإزالة الشبهات حول الأصول والثوابت في الفكر الإسلامي ، بدأ بإزالة الشبهات عن معاني المصطلحات ليناقش مفردات مثل الأصولية والسلف والسلفية والتطرف والغلو والجاهلية والتكفير والإرهاب ، ويوضح موقف الدين من كل منها وموقعها منه بعدما حدث خلط متعمد لتصير مرتبطة بالإسلام مفهوما تم غرسه في الوعي الجمعي العالمي ، ويعرض لتلك المصطلحات في حوار هادئ مناقشا فكر بفكر للقيام بمقاربات علي المستوي الداخل الإسلامي الذي يجب أن يكون ركيزة ينطلق منها المفكرون إلي العالمية لتصحيح المفاهيم المغلوطة

وعن التراث الإسلامي كان له كتاب الخلافة الإسلامية حقيقة أم خيال عرض فيه عملية التوازن المبدع في نظام الحكم وتنظيم العلاقة بين الأفراد بعضهم البعض ، والمجتمعات داخليا والعلاقة بين الدول داخل نظام الحكم الإسلامي الواحد ، والتوازن المبدع بين الحاكمية لله باستلهام القوانين من النصوص الشرعية ، وبين سلطة الأمة علي الحاكم ، فالحاكم مفوض من الأمة وليس نائبا عن الله في الأرض يحكم بما يريد ، هو مسؤول أمامها في تحقيق كل ما يقيم حضارتها ويحقق سبل الوصول إليها بدءا من مسئوليته تجاه الفرد وتوفير أسباب قدرته علي القيام برسالته دون معوقات أو خوف ، والكتاب يعرض لدور العلماء والمفكرين والفقهاء علي العمل لاستعادة فكرة الخلافة الإسلامية بمعناها الشامل من مسئولية الدولة عن الفرد والعكس ، وليس مجرد الشكل المعروف للخلافة تاريخيا

وعن القضية التاريخية للأمة فلسطين والمقدسات ومن الجدير أن نذكر أن أول مقال نشر له كان عن الجهاد الفلسطيني وكتب دراسة بعنوان إسلامية الصراع حول القدس وفلسطين ، وفي هذه الدراسة عرض الأدلة وفند كافة الشبهات التي تحيل القضية الفلسطينية لقضية علمانية وطنية جغرافية محدودة ، ليحيلها قضية عقيدة تخص كل مسلم علي الأرض حتي تتحرر المقدسات ، فهي فرض عين علي كل مسلم طالما لم تقم طائفة بالذود عن تلك المقدسات تسقط الفرضية عن الأمة

وعن أسلمة المعرفة حاول إثبات مرجعية هذا المصطلح للقرآن باعتباره هو المنهج الرئيسي لنشأته والذي يؤكد حقيقة العلاقة بين الإسلام كدين والمعارف الانسانية وهو ما يصب في مفهوم الثقافة الحضارية الإسلامية رادًّا في نفس الإطار علي حجج الرافضين له وعارضًا للمؤيدين.

وعن أزمة العقل العربي وكان هذا الكتاب عبارة عن مناظرة أقيمت في قطر بينه وبين د. فؤاد زكريا، عرض فيه لمفهوم الأزمة، ومفهوم العقل، وهل يعتبر العقل هو صانع الأزمة أم أنه ضحية لها، ثم عرض للأزمة العربية والازدواجية الواضحة بين الفكر النظري والسلوك العملي والخطورة الكبيرة المترتبة على ذلك من تحويل القيم الدينية لمجرد مواعظ لاهوتية بعيدة عن الشارع والسلوك العام على مستوي الأنظمة العربية

ومن أزمات العقل العربي كذلك إدعاء امتلاك الحقيقة المطلقة وإلغاء الآخرين ، وكيف مثلت تلك الإشكالية السبب الرئيسي في الفرقة الفكرية بين الهيئات والمؤسسات والعلماء ، بل والدول والحضارات ، ويعرض فكرته عن النظام العالمي الجديد الذي قام علي التعددية ، غير أن مؤسس فكرة العولمة ذاته قد تعامل مع الفكرة بزيف حيث اعتبر أن الآخر باطل تام ، وهذا في حد ذاته ينافي التعددية التي يدعيها ، ثم فرق بين العقل العربي والعقل غير العربي ، وكيف أن تعدد العقل يرجع لتعدد المرجعيات والثوابت لدي كل طرف وأن أزمة العقل العربي ليست جديدة إنما هي مرتبطة بعصور التخلف الحضاري والضعف العام للأمة ، كذلك قضية التغريب والاستلاب الحضاري المرتبط بالغزو الاستعماري الغربي لبلاد المسلمين

ومن أزمة العقل العربي ، إلي أزمة الفكر الإسلامي انتقل الدكتور عمارة ليوضح أن العقل ليس عضوا في الإنسان ، وإنما هو ” فعل التعقل ” ، وأن تحرير العقل وماهية التحرير من أهم أزمات الفكر المعاصر ، ثم علاقة الجديد بتجديد التراث ليصل للهوية الثقافية بين الأصالة والتجديد

تبلغ مؤلفاته وأبحاثه لأكثر من مائتي مؤلف تواجه بجرأة كافة القضايا المصيرية للأمة والتي تلاقي وما زالت الكثير من الجدل والخلاف ، قام بدراسة وتحقيق كافة أعمال رفاعة الطهطاوي والشيخ محمد عبده ، وتعرض لأزمة الأقليات الدينية وموقف الإسلام منها ، عرض موقف الإسلام من الثورة والعروبة والمرأة والمستقبل وضرورة التغيير والاستقلال الحضاري والانتماء الثقافي والتحديات التي تواجه الدين الإسلامي والفن والدراما والعلمانية والحداثة والسيرة النبوية والاجتهاد والتجديد والجهاد والمؤسسية والمنهجية والشيعية ، كل تلك القضايا في أبحاث منفردة 

الموقف السياسي

وقد أعرض الكثير من العلماء عن إعلان موقفهم من الأحداث الجارية في مصر بعد انقلاب الثالث من يوليو خوفا أو طمعا ، غير أنه أعلن بيانا للناس بعد الانقلاب مباشرة مقسما لعدة نقاط كالتالي

أولا :  أن ما حدث في الثالث من يوليو 2013 هو انقلاب عسكري علي التحول الديمقراطي الذي فتحت أبوابه ثورة 25 يناير 2011 والذي تمت صياغته في الدستور الجديد الذي حدد قواعد التبادل السلمي السلطة عن طريق صندوق الاقتراع كما هو متبع في كل الدول الديمقراطية

ثانيا : إن هذا الانقلاب العسكري يعيد عقارب الساعة في مصر إلي ما قبل ستين عاما ، عندما قامت الدولة البوليسية القمعية التي اعتمدت سبل الإقصاء للمعارضين ، حتي وصل الأمر إلي أن أصبح الشعب المصري كله معزولا سياسيا يتم تزوير إرادته ، ويعاني من أجهزة القمع والإرهاب

ثالثا : إن هذا المسار الذي فتح هذا الانقلاب ابوابه لا يضر فقط بالتحول الديمقراطي للأمة ، وإنما يضر كذلك بالقوات المسلحة ، وذلك عندما يشغلها عن مهامها الأساسية وفي الهزائم التي حلت بنا في ظل الدولة البوليسية عبرة لمن يعتبر

رابعا : ويزيد من مخاطر هذا الانقلاب أن البعض يريده انقلابا علي الهوية الإسلامية لمصر ، والتي استقرت وتجذرت عبر التاريخ وفي هذا فتح لباب الفتنة الطائفية التي نخاف من شرورها

خامسا : إن الدستور الذي استفتي عليه الشعب قد أصبح عقدا اجتماعيا وسياسيا وقانونيا وشرعيا بين الأمة والدولة ، وبموجب هذا العقد ، فإن الرئيس المنتخب ديمقراطيا له بيعة قانونية وشرعية في أعناق الأمة مدتها أربع سنوات والناس مسئولون قانونا وشرعا عن عقودهم وعهودهم ، ومن ثم فإن عزله بالانقلاب العسكري باطل شرعا وقانونا ، وكل ما ترتب علي الباطل فهو باطل

رحم الله دكتور محمد عمارة ، ذلك العالم الذي لن يملأ مكانه أحد ، قال كلمة الحق لا يخشي في الله لومة لائم في وقت يتم التنكيل بكل من ينطق بها ، وترك تراثا صار أمانة في عنق طلابه ومريديه ليكونوا وسطاء بينه وبين الواقع العملي ليتم الانتفاع به ميتا ، كما نفع الأمة به الدين حيا

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة