صراع على مشيخة الأزهر!

وعندما اشتعلت الأزمة الأخيرة بين شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة، سار المفتي في ركاب الخشت، وسايره في قضية التجديد الديني، وتنقية التراث، لينتصر لرئيس جامعة القاهرة

 

لم يُطبق مفتي الديار المصرية، الدكتور محمد شوقي علام، حديث الرسولَ -عليه الصلاة والسلام-: “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا” بعد السجال الذي حدث بين شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، والدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة، ولكنه خالف الحديثَ كنوع من المكايدة الوظيفية، والطمع في منصب شيخ الأزهر، وتقديم نفسه لولي الأمر على أنه الأحق بالمنصب، وأنه يستحقه عن جدارة، وها هو يقدم السبت لعل القوم يذكرونه في يوم الأحد.

حيث زار المفتي رئيس جامعة القاهرة، وزايَدَ على شيخ الأزهر بتصريحاتٍ عن تجديد الخطاب الديني، ولا نَعرف – حتى الآن- ما المقصود بهذا التجديد؟ وقال: “إن تجديد الخطاب الديني ضرورة قُصوى، ولا بد من تغيير الفتوى بتغيّر الزمان، والمكان، والأحوال”. وهكذا دشّن المفتي لنفسه طريقًا جديدًا للعبور لمنصب شيخ الأزهر، الذي يتمنّى كلُّ أزهري الوصول إليه!

الحكّام والمفتي

تولى منصب المفتى -حتى الآن- 20 مفتيًا منذ إنشاء دار الإفتاء المصرية في 12 من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1895، وذلك بالأمر الصادرِ من خديوي مصر، عباس حلمي الثاني، وكان أولهم الشيخ حسونة النواوي، وتلاه الإمام محمد عبده، الذي بدأ من وقتها في تكريسِ الخلاف بين منصب شيخ الأزهر والمفتي، ودائمًا ما يعتبر المفتي نفسه وريثًا محتملًا لمنصب شيخ الأزهر، ومِن هنا يأتي الخلاف دائما.

أما الخلاف الأكبر فيأتي دائمًا من الحكام، حيث يلجأ الحكام للمفتي، ودار الإفتاء؛ لكي يحصلوا منها على الفتاوى التي يرفضها شيخ الأزهر، ما جعل هناك أكثر من مؤسسة دينية تفتي في الدين، وتتحدث باسم المسلمين.

ورغم أن منصب المفتي في الأصل تابع لوزارة العدل، ودوره كان مقتصرًا على النظر في قضايا المحكوم عليهم بالإعدام، ورؤية الهلال، وتحديد موعد عيديْ الفِطر والأضحى؛ فقد بات هناك دائمًا صراع تقليدي بين مؤسسة الإفتاء ومشيخة الأزهر.

 وظهر هذا الخلاف جليًا بين المفتي الأسبق د.نصر فريد واصل، وشيخ الأزهر الأسبق د. محمد سيد طنطاوي، حيث خالف الأولُ شيخَ الأزهر الذي كان متماهيًا مع المخلوع تمامًا؛ ولكن واصل خلافه في فتاوَى عديدة؛ أبرزها فتوى تحريم التدخين التي ذيّلها بتوقيعِه، وكذلك فتوى تحريم رياضة مصارعة الثيران، رغم أن شيخ الأزهر لم يكن يراها حرامًا، وتهاون كذلك في تحريم التدخين، وأباحه للأغنياء والميسورين، كما خالف فريد واصل شيخ الأزهر في أن العمليات التي يقوم بها الفلسطينيون في الأرض المحتلة هي عمليات استشهادية، حتى وإن طالت المدنيين الصهاينة، ولم يفرّق المفتي بين المدني والعسكري في مراده بـ”العمليات الاستشهادية”، وكانت آخر الفتاوى المنشورة له قبل عزله هي ضرورة إعلان الجهاد ضد من يريد سفك دماء المسلمين.

“علي جمعة” مفتي تحت الطلب

أما المفتي السابق د.علي جمعة، فقد استطاع تدريجيًا الاستقلال بدار الإفتاء، وجعل لها ميزانية مستقلة عن وزارة العدل، وكان علي جمعة مسيطرًا على الساحة الدينية فترة حكم المخلوع مبارك، وموجودًا دائمًا تحت الطلب في إصدار الفتاوى التي يحتاجها النظام، حتى إن النظام الحالي استغله في التمهيد لانقلاب ٣ من يوليو ٢٠١٣، مصدرًا الفتاوى التي تبيح قتل واعتقال المعارضين، خاصة الإخوان، وتكفيرهم، ووصفهم بالخوارج، ولا ننسى جملته المشهورة “اضرب في المليان”، في الوقت الذي رفض فيه الأزهر موضوع التكفير حتى الآن، وكان علي جمعة خارج دار الافتاء.

وبعد بلوغ علي جمعة السن القانونية من دون التجديد له أثناء حكم الرئيس الراحل د.محمد مرسي، أصبح الرجل أشد كرهًا للرئيس مرسي والإخوان – حتى الآن – بعد أن كان يُمني نفسه بالاستمرار في المنصب، وهو الذي حشد الوزراء والمشايخ والإعلاميين في حفل كبير أواخر أيامه بدار الإفتاء؛ لإحراج د.مرسي لكي يصدر قرارًا بالتمديد له، ولكن لم يحدث.

المفتي الحالي والفتاوى السياسية

وعلى نهج علي جمعة (المفتي السابق) سار المفتي الحالي شوقي إبراهيم علام، محاولًا نيل الرضا، حيث صدّق على مئات أحكام الإعدام ضد المتهمين في القضايا السياسية، وأصدرت دار الإفتاء في عهده فتاوى بتكفيرهم، وتكفير المعارضين، والرافضين للنظام الحالي، كما وصم المفتي جماعة الإخوان بالخوارج، والإرهابيين؛ تقربًا للسلطة، بل دخلت دار الإفتاء في وصلة الردح السياسي ضد تركيا، والرئيس أردوغان، حيث أكد مرصد دار الإفتاء أن “أردوغان يجنّد بعض مفتييّ جماعات الإسلام السياسي، مثل تنظيم الإخوان الإرهابي، ومليشيات التطرف في أكثر من دولة “، كما حذرت دار الإفتاء من مشاهدة المسلسلين التركيين “وادي الذئاب”، و”قيامة أرطغرل”، وهو ما أضحك الثكالى، حيث لم نر دار الإفتاء تحرم مشاهدة المسلسلات التركية المليئة بالمشاهد الساخنة، وتتحدث عن الحب، والجنس، وخلافه، ولكنه الحَول الديني والسياسي عندما يتملك المفتي.

تجديد الخطاب الديني وكرسي المشيخة

وعندما اشتعلت الأزمة الأخيرة بين شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة، سار المفتي في ركاب الخشت، وسايره في قضية التجديد الديني، وتنقية التراث، لينصر رئيس جامعة القاهرة على شيخ الأزهر في تصريحاته الممجوجة عن تجديد الخطاب الديني الذي لا نعرفه، ولكن قد يكون المعنى والمقصود بهذا التجديد في بطن ورأس الجنرال وحده.

وهكذا أصبح الأمر ظاهرًا وجليًا أن هناك منافسة محمومة بين المفتي ووزير الأوقاف محمد مختار جمعة وآخرين؛ لتولي منصب شيخ الأزهر، رغم أن هذا المنصب ليس شاغرًا، وما زال على رأسه الإمام د.أحمد الطيب.

ولعل مواقف شيخ الأزهر د.أحمد الطيب الأخيرة، تؤكد أن الرجل يريد للمؤسسة أن تكون لها كلمة قوية، ودور كبير كما كان في الماضي؛ لكي يعيد للأزهر أمجاده، وقيمته، في الوقت الذي يُحارب فيه الدين والأزهر كمؤسسة تمثل المسلمين، فيما يحاول شوقي علام ورفاقه الوصول لكرسي المشيخة عبر قصة التجديد الديني.

وظهر جليًا كذلك أن محاولة تجديد الخطاب الديني التي يتبناها النظام الحالي وتابعوه بدوافع وأوامر غربية، الغرض منها هو تفكيك الدين، واللعب في أصوله، وثوابته، متخذين الهجوم على التراث ذريعة يدخلون من خلالها لهدم منظومة العلوم الدينية كافة، وهدم مؤسسة الأزهر على وجه خاص.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة