الحويني بين التقديس والتشنج!!

       على مدار الأيام الماضية كانت وسائل التواصل الاجتماعي  وبعض الفضائيات، تتحدث عن فيديو قديم أعيد تجديده للشيخ أبي إسحق الحويني شفاه الله وعافاه، ومتعه بالصحة والعافية، ففيديو منهم يتحدث عن علاقة الفقهاء بالحديث، وفيديو آخر يتحدث عن مراجعات علمية في فن الكتابة، وليست اعتذارات كما صورها البعض، فالرجل لم يتراجع عن رأي علمي له، بل أجرى مراجعة عن طريقة إخراج كتبه، فلا هي اعتذار ولا هي مراجعة علمية يمكن أن يبنى عليها علميا.

وللأسف بمجرد خروج انتقاد علمي للحويني، رأينا طرفين في الموضوع تعاملا معه بتشنج أو تنزيه وتقديس، أما التشنج فهم خصوم المشايخ بوجه عام، الذين لا يتركون فرصة للنيل من المشيخة والمؤسسة الدينية إلا واغتنموها، بحق أو بباطل، بعلم أو بجهل، وهؤلاء لا يفرق معهم الحويني أو الأزهر برمته، بل قبلتهم كل ما يتعلق بالإسلام، متذرعين بنقد المشايخ، وليست المشكلة في نقد المشايخ، فنقدهم واجب شرعي،يقوم به كل من لديه القدرة على النصح والانتقاد.

وفئة أخرى هم محبو الحويني، الذين ذهبوا يقدسونه وينزهونه عن الخطأ، رغم أن ذلك يخالف ما يعلنه الحويني، ويعلنه كل مشايخ السلفية، والسلفيون أنفسهم من: أن كل إنسان يؤخذ من كلامه ويترك، إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم. فلا أدري إذن لماذا كل هذا الرفض والتقديس للحويني.

وما يهمنا هنا هو النقد العلمي الذي وجه للحويني، وقوبل برفض من محبيه، فمن انتقدوه انتقدوا فكرته في النظرة للفقهاء وعلاقتهم بعلم الحديث، وأنهم أجانب على الحديث، بينما الفكرة التي نراها في معظم كتب الفقهاء أن أساس مذاهبهم قامت على الاعتماد على الحديث، بداية من أبي حنيفة وانتهاء بابن حنبل، ومعظم أئمة الفقه أصحاب مصنفات في الحديث، يعتمد عليها المحدثون والفقهاء، فمالك له الموطأ، وأحمد له المسند، والشافعي له مسند، وأبو حنيفة نفسه له مسند.

وأصول المذاهب مبنية في أدلتها على هذا الترتيب: القرآن، فالسنة، فالإجماع، ثم يأتي بعد ذلك خلاف بينهم في ترتيب بقية الأدلة، وما يؤخذ على الحويني والإخوة المنتسبين للسلفية، أنهم يتعاملون من عل مع بقية المدارس العلمية التي لا ينتمون إليها، وأن علاقتهم بالفقه المذهبي والمقارن ضعيفة إلا من رحم ربك، مما أورثهم ضعفا واضحا في الملكة الفقهية، واستنباط الأحكام من النصوص، وهذا هو موضع المؤاخذة والنقد على الشيخ الحويني.

من أنت:

وإذا كان الحويني نفسه في الفيديو المشار إليه، قال عن نفسه والناس: أن حب أن يقرأ لك الناس، ويشار إليك من الناس، وهذه في وفيك وفيكم، فاعترف الرجل بحظ النفس، وهو شأن بشري، يصيب كل بني البشر، شئنا أم أبينا، فإذا اعترف الرجل ببشريته ووقوعه فيما يقع فيه البشر، فلا أدري علام يهيج محبوه ويرفضون أن يخطئ الرجل؟!

إن أول ما يواجهك من منزهي الحويني، سؤال: من أنت؟ من أنت حتى تنتقد الشيخ؟! إنه أسد السنة، وهو كذا وكذا، فمن أنت؟ وهذا كلام ينم عن جهل بالدين، وجهل بالعلم نفسه، ولو رحنا نحاكم الحويني بنفس منطق محبيه، فمن الحويني عندما انتقد أئمة كبار في علم الحديث، وعلماء في الدين الإسلامي سواء من القدامى أو المعاصرين؟ وقد كان وقتها أصغر سنا وعلما ومكانة علمية مقارنة بتلامذة هؤلاء العلماء، فهو معيار يصيب الشيخ الحويني قبل أن يصيب مخالفيه.

بل حتى الآن والحويني في سن متقدم حفظه الله، وبارك في عمره، ورزقه الرشد في القول والعمل، هل بين أهل الحديث هو يعد الأبرز دون سواه؟ هذا أمر لا يمكن أن يجزم به أحد، بل يوجد محدثون وعلماء حديث، أكثر عطاء علميا بلا شك، وهو أمر لا يقلل من شأنه ولا من شأنهم، فالعلم لا يوزن بحجم السنوات والقراءة، وبخاصة عند النصح والتوجيه، فالقرآن الكريم علمنا درسا مهما، على لسان هدهد سليمان، فقد قال لسليمان عليه السلام: (أحطت بما لم تحط به) النمل: 22، والهدهد هو الهدهد بصغر حجمه، وسليمان هو سليمان بما آتاه الله من النبوة والعلم والملك.

فهل الحويني أعلى شأنا من صحابة كبار كعمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قال: رحم الله امرءا أهدى إلي عيوب نفسي، أم أكبر من أئمة كبار رحبوا بنقد طلبة العلم والعلماء لهم، وهذه آفة للأسف تصيب بعض الإخوة من المنتسبين للسلفية، فهم ينظرون لما سواهم بأنهم أقل منهم التزاما بالسنة، وأقل منهم علما بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم الملتزمون بهدي السنة والسلف، وهو أمر ينبغي عليهم المراجعة فيه، فالسنة النبوية باب واسع خدمه علماء كثر من كل توجهات الأمة الإسلامية، ولو وجهوا أنظارهم تجاه شبه القارة الهندية، لعلموا أن علماء الهند (العجم) خدموا السنة في العصر الحديث أكثر من العرب، وأكثر من السلفيين المعاصرين، وسبقهم إلى ذلك شيوخ الهند رحم الله الجميع ورضي الله عن الجميع.

مراجعات سلفية:

إن بعض محبي الحويني، سنوا ألسنتهم، وصفحاتهم، للسب والطعن في كل من انتقد الحويني انتقادا علميا، طالبين أن يكون النقاش معه عبر الهاتف، وهل يصدر الحويني فيديوهاته، أو مقاطعه، أو كتبه، عبر الهاتف، أو في الخفاء؟ إنها معلنة، فلا ضير أن يكون الرد معلنا، على أن يشتمل على أدب الخلاف بلا شك.

وفي الحقيقة إن معظم من انتقدوا الحويني علميا، تحلوا بأدب الخلاف، وكثير منهم أعمارهم بين الثلاثين والخمسين، ولو عدنا إلى انتقادات الحويني نفسه لعلماء معاصرين أكبر منه سنا، وأسبق منه علما ودعوة، وكان الحويني في سن من انتقدوه، سنجد أن ناقدي الحويني كانوا أكثر منه التزاما بأدب الخلاف، وحسن احترام المخالف.

فلو رجعنا إلى أقل من عشرين عاما، كان هناك شريط للحويني بعنوان: رحلتي إلى أمريكا، نال فيها من الشيخ يوسف القرضاوي نيلا لا يليق بمشتغل بعلم الحديث، لمجرد خلاف في قضايا فقهية، متهما إياه بالجنون والخرف، وأنه ليس فقيها، ومن أوهمه بأنه مجتهد!! وإذا رجعنا إلى انتقاده للشيخ كشك، وغيرهم من المشايخ، لسنا نحجر على أحد انتقاد العلماء، لكننا نتعجب من تلامذة يرحبون بنقد شيخهم لغيره من المشايخ، بينما إذا وجهت له بعض الانتقادات العلمية هاجوا وماجوا وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها!!

لا شك أن الحويني والمدرسة السلفية بوجه عام تحتاج إلى مراجعات على أكثر من مستوى، سواء في المنهج، أو في التطبيق، ولو شئنا الحديث عنها لكتبنا عدة مقالات، وقد سبق إلى الكتابة إليها شيوخ كبار كمحمد الغزالي رحمها الله، ويوسف القرضاوي حفظه الله.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه