في حتمية مراجعة أساطير الدولة المتكبرة

لقد وجدت عناصر عشوائية شوشت السردية المؤسسة لقد تبين أن هناك بربر (سكان أصليون) ثاروا على روما ولهم قائد اسمه يوغرطا. قام الزعيم بالاستحواذ على اسمه ليغطي أسلوبه في التفاوض

 

يوجد خلل في البدايات أنتج دوما اختلالا في البناء تترجمه روح متكبرة للدولة على مواطنيها ومعاملتهم دوما كسوائم غبية يمكن الاحتيال عليها وسوقها إلى مرابض حيث تتناول علفها وتنام. هي صورة للشعب القطيع أكثر منها صورة للدولة الراعية. تختلط هنا رغبة الاستعمار في بتر شعب عن جذوره برغبة زعيم صنع أسطورته بجهاز دعاية سخيف ومتواطئ ضد نفسه في غياب نقد ثقافي يجادل في أصل الأسطورة.

أهم الأساطير المؤسسة والتي كانت ركنا أساسيا في درس التاريخ منذ الابتدائي أسطورة الأميرة الفينيقية عليسة التي هربت طلبا للحرية من غطرسة شقيقها المتجبر فبنت دولة التجار الأحرار وملوك البحار ولكن على حساب السكان الأصليين الذين لم يمكن إنكار وجودهم في الحكاية لأنه كان يجب خلق جمهور غبي ليظهر ذكاء الأميرة فاشترت منهم أرضا (فهي ليست لصة أو غازية)، وقاست بجلد ثور ولا نعرف هل قطعته سيورا أم قاست به جلدا متماسكا وهو سؤال ممنوع في الدرس على كل تلميذ مشاكس لأن التحقيق فيه يستحيل نكتة تبرز ذكاء السائل وغباء مروج الأسطورة الرسمية. هدف الأسطورة بناء صورة لشعب أصلي غبي ولغاز يستحق السيطرة بذكائه وهذا جوهر الأسطورة الاستعمارية التي تبناها الزعيم عن شعبه وماثل نفسه بعليسة والمستعمر في ذات الوقت.

في الأسطورة فصل آخر لقد مرت الأميرة الهاربة بجزيرة قبرص أو رودس واشترت جوار من سوق البغاء المزدهرة كزوجات لجنودها بما يجعل سكان البلد الجدد أبناء بغايا يحتالون على شعب غبي لتكتمل أسطورة الشعب القابل للاستعمار لأنه في جوهره ليس إلا سقط متاع بلا تاريخ.

في المقابل توجد أسطورة إغريقية مشابهة إذ هربت أميرة أخرى من فينيقيا نفسها(قد يكون منشأ الحكاية واحدا) لتعبر إلى اليونان وتبني أثينا الفلسفة والديمقراطية كان اسم الأميرة فيما يقول مترجمو اليونانية القديمة عروبة ومن اسمها اشتقت أوربا.

الأميرة التي هربت شمالا بنت قارة والأميرة التي هربت شرقا بنت متجرا كبيرا بالحيلة والسرقة وبأبناء البغاء هكذا صنع لنا الاستعمار أسطورة مؤسسة وروجها الزعيم ليقطع ما قبلها من تاريخ نجد أثاره في الحضارة القبسية قبل عشرة آلاف عام حتى أن هيرودوت الذي ذكر آثار تلك الحضارة حول شط الجريد في كتبه يخفى كمرجع ممنوع لأنه يفسد الأسطورة.

الشعب الغبي يحتاج زعيما ذكيا.

كان ترويج الأسطورة عبر وسائل الدولة التونسية (درس التاريخ الرسمي) وسيلة للزعيم ليبني سياسته على احتقار الشعب ومعاملته ككتلة غبية ومطيعة بلا تاريخ وبلا جذور، وكان الإلحاح على ذلك وسيلة ليختزن الشعب صورة دونية عن نفسه. ولكن في الأسطورة تشريع للاحتيال كوسيلة عيش. لا بأس إذن من الاحتيال إذ يتحول إلى تقديس لذكاء المحتال الأكبر كما احتالت الأميرة الكبيرة سابقا. حتى تصبح السلطة (الحاكم) رمزا للذكاء والحيلة وقد كان الزعيم يقرأ المقامة الأصفهانية ويستشهد بقول أبي الفتح الأسكندري (الناس حمر فجوز وابرز عليهم وبرز حتى إذا نلت منهم ما تبتغيه ففروز).

لقد نال الزعيم مبتغاه صورة الذكاء المطلق يحكم الغباء المطلق. لكنه لم يفروز فقد احتال عليه صنائعه ودمروا تاريخ ذكائه. ولكنهم استبقوا الشعب الغبي يسومونه سوء العذاب بنفس الأسطورة. ووصل الأمر بجهاز دعاية بن علي أن شبه زوجة بن علي بعليسة ليمارس بها نفس حيل الحكم. المرأة الذكية مؤسسة الدولة التي يحق لها القيادة. الأسطورة تتناسل من بعضها وتضيف دوما فصولا جديدة محافظة على نفس البنيان الأصلي ذكاء الحاكم (الذي يعطي الحق في الحكم المطلق) مقابل غباء الشعب (الذي يستحق المحق). (كارثة حادث السير الذي أودى بثلاثين روحا شابة يوم الأول من ديسمر هو ثمرة احتقار الشعب الأصلي خاصة ساكنة الشمال) هي عينة من نتائج هذه الأسطورة..

لقد وجدت عناصر عشوائية شوشت السردية المؤسسة لقد تبين أن هناك (بربر): سكان أصليون ثاروا على روما ولهم قائد اسمه يوغرطا. قام الزعيم بالاستحواذ على اسمه ليغطي أسلوبه في التفاوض المذل. فسمى نفسه يوغرطا الذي انتصر(على الاستعمار) وهكذا قام أولا بإذلال يوغرطا الأصلي (الذي انهزم أمام روما) ثم سرق يوغرطا من شعبه الأصلي الذي عاد للاختفاء من كتب التاريخ. لكن عنصر العرب الغازي أفسد الحكاية ثانية فلم يبق منهم في كتب التاريخ إلا صورة بني هلال الهمج الذين يدمرون المدن، حيث صار نص ابن خلدون (الأندلسي هكذا وليس الحضرمي اليمني) صالحا لبناء صورة العربي الهمجي.

لا يحتاج الأمر إلى تأصيل كبير هذه صورة تونس في الرواية الاستعمارية الفرنسية التي حولها الزعيم إلى مادة وحيدة في كتاب التاريخ وفي أذهان الناشئة وقد اشتغلت الجامعة طيلة تاريخها بهذه الرواية وحولها أدباء السلطة إلى قصص مشوقة للأطفال وقد آن الأوان للمراجعة. فالشعب الغبي مازال هنا وقد درس الإنتروبولوجيا.

هل نحتاج أسطورة أخرى؟

نحتاج إلى إعادة التأسيس بما يعني بناء سردية جديدة لا تقوم على احتقار الشعب وعلى منح الذكاء للزعيم (الحاكم/الدولة). ثورة تونس من أطراف الدولة على مركزها والذي يتكرر دوما ويسقط في خطا متشابه (التسليم للدولة بالذكاء وحق القيادة) تعتبر نقضا مبرما للأسطورة المؤسسة فشعب الدواخل هو شعب أصلي سواء بعنصره البربري الأمازيغي أو العربي الوافد وقد اختلط العنصران عبر الزمن حتى لم يعد يعرف حجم كل منهما في الأخر.

الشعب الأصلي من غير أبناء جواري عليسة يملك بلده ويريد حقه في حكم نفسه دون احتقار وهنا تقع معركة صامتة بعد لم تتخذ لها أسماء، ولكنها تجري في اتجاه إعادة كتابة درس التاريخ القديم والحديث. على أسس تقدير ذكاء الشعب الذي يثور ولا يحرق بلده.

سيحتاج الأمر نصوصا أدبية جديدة وسيحتاج فنا يعيد تقدير الأحجام والأوزان في الذاكرة الجماعية؛ فنقرأ عن كاهنة البربر كقائدة لشعب أصلي موجود وليست فقط عدوة العرب الغزاة (وهي الصورة الوحيدة لها)، ونقرأ عن الجازية الهلالية المرأة العربية الحكيمة التي تقود الرجال فنسقط صورة العرب الهمج مخربي المدن وخاصة العرب أعداء النساء قتلة البنات في المهد. وسنحتاج أن نكتب قبل ذلك أن العرب الغزاة (الهمج) قد توافقوا مع الأصليين حتى أنهم وجدوا بينهم جنرال حرب شاب اسمه طارق بن زياد فتح الأندلس بجنود من عرب.

وسيحتاج الأمر قبل ذلك إلى حكم لا مركزي يكشف ذكاء الناس وعدم حاجتهم إلى من يفكر لهم في يومهم وفي مستقبلهم بعد أن يزيف لهم تاريخهم.

هنا تسقط الأسطورة المؤسسة ويبنى مشروع ثقافي على أسس ديمقراطية لا تقوم أبدا على ذكاء الزعيم وغباء الشعب وقابليته للخضوع دون جدال، إنه درس الانتروبولوجيا عندما يفتح باب الحكم اللامركزي.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة