الحاج عبد الرحمن شكري الفلاح الأصيل والفارس النبيل

الحاج عبد الرحمن شكري .. اللقاء الأخير
الحاج عبد الرحمن شكري .. اللقاء الأخير

تعرفت على الحاج عبد الرحمن شكري لأول مرة في صيف 2011 بعد ثورة يناير بأشهر قليلة في ندوة علمية عن الاكتفاء الذاتي من القمح، بمقر حزب الحرية والعدالة بشارع مصر والسودان بحي حدائق القبة بالقاهرة. بادرني بالترحبب بابتسامته المعهودة وسلم على وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد. وبعد انتهاء الندوة سألني إن كان معي سيارة أو يقوم بتوصيلي حيث أسكن بمدينة الشيخ زايد، وشد على يدي وهو يودعني بوجهه الطلق وابتسامته التي لا تفارقه.

ومنذ ذلك اليوم ونحن على تواصل دائم، إما بالتليفون أو في ندوة أو مؤتمر من المؤتمرات الخاصة بالقضايا الزراعية والتي تكررت بنادي الزراعيين. كان يدهشني باسلوبه الراقي في مناقشاته وبفكره الثاقب في القضايا الزراعية ورؤيته الشاملة ومطالبه الواضحة للمسؤولين سواء لحل أزمة وقعت بالفلاحين أو دفع الظلم عنهم أو المطالبة بحقهم.

وفاجأني بقوله إنه متخصص في الرسوم الهندسية لشبكات نقل الكهرباء بشركة الكهرباء، وتخرج من كلية الآداب جامعة القاهرة

ولهذا السبب كنت أظن طوال الوقت أنه يعمل مهندس زراعي بالبحوث الزراعية. وربما لنفس السبب ذكرت مواقع إخبارية أنه عمل بمركز البحوث الزراعية بمحافظة بني سويف. وبعد سنوات سألته عن تخصصه الذي كان يعمل به والجامعة التي تخرج منها، فضحك وقال إنه لم يتخرج من كلية الزراعة بالأساس ولم يعمل بمركز البحوث الزراعية.

وفاجأني بقوله إنه متخصص في الرسوم الهندسية لشبكات نقل الكهرباء بشركة الكهرباء، وتخرج من كلية الآداب جامعة القاهرة. ولكن لاهتمامه بقضايا الزراعة والفلاحين ظن الكثيرون وأنا منهم أنه مهندس زراعي. وحكى لي صديقه وبلدياته، الأستاذ عبد العزيز أصلان، والذي اعتقل معه في سجن وادي النطرون في عهد المخلوع حسني مبارك، أنه كان لا يمل الحديث عن هموم الفلاحين واهتماماتهم، ومزايا الزراعة المصرية وجودتها وما تتعرض له من مؤامرات على يد وزير الزراعة الأسبق يوسف والي.

اهتم الحاج عبد الرحمن شكري بتأسيس نقابة فلاحي مصر لأول مرة في تاريخ النقابات. وأقام علاقات طيبة مع جميع التيارات السياسية ونال ثقة الجميع. وحكى أن وزير الزراعة المحسوب على المجلس العسكري لم يدعوه لحضور احتفال عيد الفلاح الذي أقيم في 11 سبتمبر 2012، وتوجه من تلقاء نفسه للحفل وكان أعضاء نقابة الفلاحين المدعومة من الوزير موجودين. ولما طلب منهم اختيار ممثل عنهم لإلقاء كلمة الفلاحين تنازعوا فيما بينهم، وفي النهاية اتفقوا جميعا على الحاج عبد الرحمن شكري، رغم أنه يمثل نقابة غير نقابتهم. وتحدث الرجل باسم جموع الفلاحين وقدم مطالبهم للرئيس دون أن يوجه اللوم للوزير، وكان محل ثقة الجميع.

في لقائه مع وزير التموين الدكتور باسم عودة طالب بتسهيلات للتخفيف على المزارعين أثناء موسم استلام القمح وسرعة صرف مستحقاتهم المالية. وطالبه الوزير بحضور الاجتماعات التحضيرية لموسم استلام القمح بهيئة السلع التموينية برئاسة نائب رئيس الهيئة. وفي الاجتماع اقترح الحاج عبد الرحمن أن يكون لممثلي النقابة والمتطوعين من المجتمع المدني دور في تنظيم عمليات استلام القمح من الفلاحين. وافق الدكتور باسم على طلبه، وكان من أنجح مواسم استلام القمح على الإطلاق.

ومرة أخرى طلب الحاج عبد الرحمن لقاء الدكتور باسم لحل أزمة مزارعي الذرة. واقترح على الوزير تدشين مشروع قومي للاكتفاء من الذرة الصفراء وحل أزمة أعلاف الدواجن وإنتاج الزيوت التى تعاني منها مصر منذ سنوات طويلة وتستوردهما بنسبة 100%. وبالفعل وقع الدكتور باسم عودة بروتوكول تعاون مع اتحاد منتجي الدواجن ووزارة الزراعة للتوسع فى زراعة الذرة الصفراء لتوفير الأعلاف وإنتاج الزيوت للحد من الاستيراد. وزاد سعر استلام الذرة من 180 جنيها إلى 330 جنيهًا كسعر ضمان تشجيعًا للمزارعين وحلًا للأزمات القومية.

وعرض مشكلة صوامع تخزين القمح على رئيس بنك التنمية والإئتمان الزراعي، الدكتور محسن البطران، وأخبرني أن الأخير أطلعه على مشروع لإنشاء صوامع حديثة لحفظ الإنتاج المحلي من القمح وبتمويل ذاتي من البنك بشرط أن تبرم وزارة التموين عقدا لتأجير الصوامع بسعر مناسب. وقال إن وزير الزراعة، الدكتور صلاح عبد المؤمن المحسوب على المجلس العسكري أفشل المشروع وأقال البطران في وقت حرج بعد إسبوع واحد من بدء موسم استلام القمح المحلي.

بعد الانقلاب اجتهد الحاج عبد الرحمن في تسليط الضوء على قضايا الفلاحين ومظالمهم من خلال برنامج صوت الفلاح الذي كان يقدمه على قناة الجزيرة مباشر مصر المذيع المحترف مصطفى عاشور. ومن تصاريف القدر أنه بدأ العمل معه في قناة الجزيرة وختم معه حياته في نفس المكان وكانت آخر كلمة له قبل أن يدخل في الغيبوبة “جزاكم الله خيرا”.

ومع نهاية كل موسم زراعي للمحاصيل الإستراتيجية وخاصة القمح وقصب السكر والقطن، كان الحاج عبد الرحمن يتصل بالفلاحين في المحافظات ويسألهم عن تكلفة عناصر الإنتاج للفدان من إيجار وتقاوي وأسمدة وخدمة وحصاد، ثم يسجل متوسط إنتاجية الفدان، وثمن أردب القمح أو طن القصب أو قنطار القطن. ويكشف عن خسائر المزارعين وتعنت الحكومة في استلام المحصول منهم بأسعار مجحفة، ويطالب برفع سعر استلام هذه المحاصيل الأساسية لتعويض الفلاحين الفقراء.

ولعلمه بجودة القمح المصري والأرز والقطن، كان يطالب بتمكين الفلاحين من تصدير محصولهم مباشرة

ولعلمه بجودة القمح المصري والأرز والقطن، كان يطالب بتمكين الفلاحين من تصدير محصولهم مباشرة للسوق الدولية والإستفادة من فروق الأسعار الكبيرة التي يجنيها حفنة صغيرة من المصدرين بالدولار، وليكشف حجم الإفقار الذي يتعرض له الفلاح المصري من النظام الذي يبخس الأسعار ويشتري المحاصيل بأقل من نصف سعرها في الأسواق الدولية. وفضح مخطط تدمير الأرز المصري بحجة نقص مياه الري وشجب تحويل مصر من دولة مصدرة إلى مستوردة.

وقبل وفاته بإسبوعين، أخبرني أنه طلب من أحد الباحثين في مجال الاقتصاد الزراعي يعمل في ألمانيا بإعداد دراسة عن حجم الدعم المباشر وغير المباشر الذي تقدمه حكومات دول الاتحاد الأوربي لمنتجيها الزراعيين ومربي الدواجن واللحوم للاستفادة منها في المطالبة بتقديم دعم مماثل للمزارعين المصريين.

بكى الحاج عبد الرحمن عندما أقدم عدد من الفلاحين بحرق محصول القطن لأن الحكومة رفضت شراء المحصول بسعر يغطي تكلفة جني المحصول. وكتب بيان شجب فيه مؤامرة النظام لتدمير القطن المصري وإفقار الفلاحين وإجبارهم على التخلي عن زراعته. وأرسل رسالة صوتية خاصة لأحد المسؤولين في مركز البحوث الزراعية طالبه بالتصدي لمخطط تدمير القطن طويل التيلة وتلوثه في الأسواق العالمية، وتخفيض المساحة إلى 200 ألف فدان بعد أن كان  مليونا فدان، يقول فيها “أمر خطير لما يتلوث القطن المصري في الأسواق العالمية.. سيد أقطان العالم.. يا خسارة يا أولاد.. الواحد بيبكي من قلبه.. فين وزير الزراعة.. فين معهد بحوث القطن.. فين وزير قطاع الأعمال اللي باع المحالج والشركات وزرع القطن قصير التيلة في مصر” وختم رسالته بقوله “حسبنا الله ونعم الوكيل”.

ورد المسؤول برسالة اتهم فيها العسكر بالإجرام وقال إنهم لا يريدون زراعة قطن في مصر، وإنهم لا ينظرون إلا تحت أقدامهم ولا ينظرون لسنة واحدة أمامهم. وقال له الجيش تغلغل فيها في كل التخصصات، والوزير أعطى الجيش 9 آلاف فدان من أراضي قطاع إنتاج التقاوي وهي أجود الأراضي في مصر بالإيجار بسعر 50 جنيها لمدة خمسين سنة، وأنه يتحسر على مصر التي ضاعت. وقال للحاج عبد الرحمن “لا تلوم على الباحثين لأنهم مغلوبين على أمرهم ويريدون أن يتركوا مصر اليوم قبل الغد لأن العسكر يحكمون بالحديد والنار”.

وبكى الحاج عبد الرحمن يوم مقتل عويس الراوي شهيد محافظة الأقصر الذي رد الصفعة للضابط الذي صفع والده، وكتب عنه أنه شهيد مصر كلها، ووصفه بالرجل الأصيل الشهم الذي ضحى بنفسه دفاعا عن كرامة شقيقه وأبيه في مواجهة ظلم الشرطة وطغيان الضباط وجبروتهم تجاه المواطن البسيط، وقال إن شهامة عويس لم تمت ولن تموت ولن يقبل الشعب هذا السلوك المهين وسيوقد فى القلوب ثورة الحرية والكرامة لشعبنا العظيم لتهدم دولة الظلم على رؤوس الظالمين وتحرر مصر ممن تعدوا على كرامة شعبها وارادته وانقلبوا على ثورة يناير.

وبكى على هدم البيوت على رؤوس الفقراء وقال إن الهدف من الهدم والتدمير وابتزاز الفقراء هو زيادة الفقراء فقراً والأغنياء غني وتأديب الفقراء لكي لا يطالبون بالعدل ولا يسألون إلي أين تسير قافلة الوطن. وقال إن السيسي يزعم أنه يحافظ علي الرقعة الزراعية، لكن أين هو من هذا الهدف؟!.. ألم تستول القوات المسلحة على أراض أصلحها الفلاحون في قنا وغرب المنيا وغيرها بالقوة الجبرية للجيش ضمن مشروع المليون ونصف مليون فدان؟! وأين هو من أراضي الحزام الأخضر والثورة الخضراء بمدينة 6 أكتوبر التي تم تحويلها إلى مبان لمصلحة الكبراء؟! وأين هو من محمود بدر الذي حصل على 40 فدانا من أراضي مراكز البحوث الزراعية لبناء مصنع بسكويت؟!.

كان أول المشاركين في الإعداد للمؤتمر الدولي لحماية مصر والسودان من العطش

يشهد الله والتاريخ أن الحاج عبد الرحمن شكري كان من أول السياسيين المصرين الذين حذروا من توقيع السيسي على اتفاق إعلان مبادئ سد النهضة في مارس سنة 2015، وكتب بيانا ندد فيه بالتفريط في حقوق مصر التاريخية في مياه النيل، وقال كلمة الحق لوجه الله ولم يخش أحدا سواه. وكان أول المشاركين في الإعداد للمؤتمر الدولي لحماية مصر والسودان من العطش. وشارك في تأسيس الحملة الدولية لحماية مصر والسودان من العطش، وسعى لضم خبراء في القانون الدولي والمياه من مصر والسودان وإثيوبيا للحملة لتكون صوت العقل الذي يجمع شعوب حوض النيل على قيم التعايش والتنمية والسلام ويجنبها مصالح السياسيين الضيقة.

وأخذ على عاتقه مهمة الاتصال بالخبراء في السودان الشقيق للمشاركة في المؤتمر بحكم وحدة الجغرافيا والتاريخ، وبحكم وحدة المسؤولية والمصير. واتصل بالدكتور أحمد المفتي الخبير في قانون المياه الدولية، والمهندس حيدر يوسف مدير إدارة نهر النيل السابق، والمهندس دياب حسين دياب عضو لجنة الخبراء و5 خبراء آخرين. وكان الاتصال بهم يطول لساعات متأخرة من الليل. وفي المؤتمر رفض أن يكون ضمن المتحدثين عن تداعيات السد على الزراعة والاقتصاد المصري، وقال يجب أن أفسح المجال للخبراء والباحثين.

روح الشباب

جاوز الحاج عبد الرحمن السبعين بثلاث سنوات، ورغم ذلك كانت روحه شابة ولديه تفاؤل وأمل في المستقبل. اطلع على استراتيجية 2030 الخاصة بالزراعة المصرية وكذلك استراتيجية الزراعة الأمريكية والبرازيلية والهندية والتركية واستخلص منها ما يفيد القطاع الزراعي المصري. ولم يسمع عن متخصص في مجال من مجالات الزراعة إلا وتواصل معه، وإن تيسر زاره أو طلب زيارته وجالسه حتى يلم بما عنده من خبرات تفيد الزراعة المصرية والفلاحين المصريين.

قبل ثلاثة أشهر من وفاته سمع عن وجود خبير في مجال الدواجن يدير مزرعة تبعد عن مدينة الدوحة أكثر من مائة كيلو متر وكان لديه مشروع قومي للنهوض بقطاع الدواجن قدمه لحزب الحرية والعدالة بعد ثورة يناير. ورتب معه لقاء وزاره وقضى معه ساعات طويلة يستمع للمشروع بالتفصيل دون أن يمل الرجل.

التحق الحاج عبد الرحمن بالدراسة الأكاديمية وهو في السبعين من عمره وحصل على دبلوم الدراسات العليا في إدارة الأزمات الدولية. شغل وكيل لجنة الزراعة بمجلس النواب، فلم يطلب لنفسه حاجة من حاجات الدنيا التي يتهافت عليها من هم دونه، وشارك في الجمعية التأسيسية لإعداد دستور 2012 فلم يزدد إلا تواضعا.

لا يترك الحاج عبد الرحمن مناسبة اجتماعية أو فعالية سياسية إلا ويشارك فيها. ودود لا يقطع صلة لخلاف في الرأي، عف اللسان لم يتناول أحد خصومه السياسيين بكلمة نابية، أصيل يعرف قدر الرجال، يحب الناس ويبادر بإلقاء السلام على الشباب والشيوخ، وفي جنازته كان رد الجميل. حكى أحد المشيعين أنه يعيش في الدوحة منذ ثلاثين سنة لم ير خلالها مثل هذه الأعداد الغفيرة في جنازة. يرحمك الله يا حاج عبد الرحمن.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة