مقالات

عائلات مصرية مقاومة للاستبداد

أيمن عبد الغني
أيمن عبد الغني

رغم الاختلاف الأيديولوجي بين أسرتي عبد الغني في الشرقية وسيف الإسلام حمد في القاهرة، فالأولى من الأسر الإخوانية العريقة أما الثانية فهي من الأسر اليسارية العريقة أيضا، إلا أنهما نموذجان للأسر المصرية الأكثر مقاومة والأكثر تضحية في مواجهة الظلم والاستبداد، والسبب في تصديري بهما أنهما كانتا حديث الإعلام خلال الأيام القليلة الماضية، فبالأمس فقط كانت سناء (26 سنة) الابنة الصغرى للمحامي اليساري الراحل أحمد سيف الإسلام حمد تقف أمام القاضي متهمة بنشر أخبار كاذبة، وذلك بعد اعتقالها يوم 23 يونيو الماضي من مقر النائب العام حيث كانت ووالدتها المناضلة والأستاذة الجامعية ليلى سويف تتقدمان بشكوى من اعتداء بدني تعرضتا له من رجال الشرطة أمام سجن طرة حيث يقبع شقيقها الناشط السياسي علاء عبد الفتاح معتقلا، والذي أعيد اعتقاله في سبتمبر من العام الماضي بعد إنهائه لفترة حبس دامت 5 سنوات)، وكانت المفاجأة في جلسة الأمس أن الشاهدين الذين استمعت لهما المحكمة من رجال الشرطة لم يكونا في موقع الحدث عند وقوعه (شاهد ماشفش حاجة)، وقد أجلت المحكمة نظر القضية إلى جلسة 12 يناير المقبل.

التضحية الأكبر كانت من أسرة الرئيس مرسي التي قدمت أول رئيس مدني لمصر شهيدا

أما الحدث الأبرز في موضوعنا هذا الأسبوع فكان وفاة القيادي الإخواني المهندس أيمن عبد الغني أمين الشباب بحزب الحرية والعدالة متأثرا بالكورونا، وقد مثلت وفاته صدمة لقطاعات كبيرة من الشباب الذين شاركوا في وداعه رغم الظروف الصعبة والاحتياطات المطلوبة للوقاية من المرض في تركيا، وما زاد الصدمة أنه كان ثالث ثلاثة لأخويه الكبيرين الذين سبقاه إلى الموت، أحدهما في محبسه والثاني نتيجة الإهمال الطبي خلال فترة حبسه أيضا، وبذلك فقدت أسرة عبد الغني ثلاثة أشقاء على طريق المقاومة للظلم والاستبداد، ولتسجل هذه الأسرة البسيطة أكبر تضحية في مصر عقب الانقلاب العسكري في يوليو 2013، وتشاطرها بطبيعة الحال في هذه التضحيات أسرة المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام لجماعة الإخوان والمعتقل حاليا مع نجله ونجلته وزوجها، وهو أيضا والد زوجة أيمن عبد الغني.

التضحية الأكبر كانت من أسرة الرئيس مرسي التي قدمت أول رئيس مدني لمصر شهيدا، كما قدمت (عبد الله) نجله الأصغر والأقرب إلى قلبه شهيدأ أيضا، إضافة إلى اعتقال الابن الأوسط المحامي أسامة، بخلاف أفراد آخرين في العائلة الكبيرة من أبناء العمومة، ولم تتخلف أسرة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور بديع عن ركب التضحيات الكبر، فالوالد المعتقل حاليا والمحكومة بجملة من المؤبدات فقد نجله عمار في مظاهرات رمسيس التالية مباشرة لفض اعتصام رابعة في أغسطس 2013، كما تم إحراق بيته ومكتبه، وتعرض أقارب آخرين له للاعتقال.

رغم توقف المظاهرات المناهضة للانقلاب في مصر قبل 4 أعوام تقريبا بسبب القمع الأمني الشديد والذي بلغ حد إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، إلا أن بعض القرى المصرية ظلت تعج بالمظاهرات بعد توقفها في غالب البلاد، ومن هذه القرى كرداسة (الجيزة) والبصارطة في دمياط شمال مصر، والميمون في بني سويف ودلجا في المنيا بصعيد مصر، والعدوة في الشرقية ( مسقط راس الرئيس مرسي) وقد تعرضت تلك القرى للتنكيل الأمني الشديد  والعقاب الجماعي، واستهداف عائلات بعينها بقدر أكبر من القمع، كرد على مقاومتها الباسلة، ففي كرداسة يمكن القول أن غالبية عائلات البلدة وخاصة شطرها الشمالي تعرضت للتنكيل لكن عائلة عمار كانت الأكثر تضحية، حيث فقدت هذه الأسرة 4 من أبنائها، أولهم الدكتور محمد السيد الغزلاني الذي توفي نتيجة الإهمال الطبي في سجن وادي النطرون في فبراير 2014، والثاني هو سعيد يوسف صالح، ابن شيخ كرداسة الأول والذي نفذ فيه حكم الإعدام في ٤ أكتوبر ٢٠٢٠، ومعه أيضا الشاب شحات الغزلاني، والشاب أحمد محمد الشاهد (صهر العائلة)، ناهيك عن وجود 17 معتقلا من العائلة حاليا ، وبينهما (المسنان) الشيخ أحمد صالح عمار(64 سنة) ونصر غزلاني وكيل مدرسة كرداسة الثانوية، والدكتور محمد إبراهيم الغزلاني المحكوم بالمؤبد، بخلاف 9 محكومين بالإعدام ومطاردين داخل مصر وخارجها، وقد تعرضت الكثير من بيوت العائلة للحرق والتدمير ( أحكام الإعدام جميعها صدرت عقب محاكمات غير عادلة لم تتوفر لها أدنى ضمانات النزاهة)

كثيرة هي الأسر والعائلات التي قدمت تضحيات جسام من أبنائها وبناتها في مواجهة الحكم العسكري

وفي البصارطة بمحافظة دمياط شمال مصر ظلت المظاهرات تطوف القرية متحدية التحذيرات الأمنية، وكان القائد الأبرز لتلك المظاهرات محمد عادل بلبولة الذي قامت الشرطة بتصفيته بعد اعتقالها له في 7 أبريل 2017، بعد أن هاجمت بيته وأحرقته ثلاث مرات قبل هدمه بشكل كامل، كما اعتقلت زوجته (ووالدها وشقيقتها وشقيقها) وحكمت عليها المحكمة بالحبس ضمن ما عرف بقضية بنات دمياط، وظلت الشرطة تحاصر القرية وتقتحم منازلها لفترة طويلة بعد ذلك عقابا لهم

كثيرة هي الأسر والعائلات التي قدمت تضحيات جسام من أبنائها وبناتها في مواجهة الحكم العسكري منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013، وما سبق هو نماذج بسيطة لها، ومن حق هذه الأسر على الشعب المصري أن يعرف تضحياتها التي لم تكن لمغانم عائلية، بل ذودا عن إرادة شعب بأكمله، وطلبا للحرية والكرامة والعدالة له، وقد كان بإمكان هذه الأسر أن تعيش في هدوء لو أنها قبلت الاستسلام للواقع، ومنعت شبابها ونسائها من التظاهر ومواجهة الاستبداد، لكنها أسر حرة أبية، تكتب تاريخها وتاريخ وطنها بأحرف من نور، وسيخلدها التاريخ ضمن صفحاته البيضاء التي ستلهم الأجيال كسابقاتها من الأسر الوطنية المصرية التي قادت النضال ضد الاحتلال الإنجليزي ومن بعده الاستبداد العسكري.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة