مقالات

نزار الحراكي؛ عندما يزهرُ الرّجالُ ثورة

نزار الحراكي
نزار الحراكي

 

منذ أكثر من عشرين عامًا ونزارُ وأنا أخوَانِ حبيبان، ورفيقان قريبان، وما كنتُ أتخيّلُ أن تقوى يدي على كتابة حرفٍ في نعيه ورثائه، وهروبًا من الرّثاء المرّ أجدُ قلبي ينطوي على ألمي ويدي تُبادر لتخطّ بعض الكلمات في حضرة الموت الذي كلّما ظننّا أنّنا اعتدناه فاجأنا بهيبتِه التي تنتفضُ من تحت رماد الاعتياد مع كلّ رحيل.

كانت المساجد التي نشأ فيها نزار موضع نشاطٍ لجماعة الإخوان المسلمين، فتشكّلت له صلاتٌ وثيقة مع عددٍ من أبناء الجماعة

قضى نزار الحراكي ابن حورانَ ودرعا طفولتَه وفتوّته في حلب في ستينات وسبعينات القرن الماضي، وعلى الرّغم من خدمة والده الرجل الدّمث حسن الحراكي (أبو نزار) في الجيش إلّا أنّه كان يحرص على تنشئة أبنائه في مساجد حلب التي كانت تشهد نشاطًا دعويًّا لافتًا، كانت تقوده الجماعات الدّعويّة والحركيّة المختلفة في تلك الفترة.

كانت المساجد التي نشأ فيها نزار موضع نشاطٍ لجماعة الإخوان المسلمين، فتشكّلت له صلاتٌ وثيقة مع عددٍ من أبناء الجماعة بدون أن ينتمي لها او ينخرط في صفوفها، وعندما بدأت المواجهة بين الجماعة ونظام الأسد كانت لنزار مشاركةٌ مبكّرةٌ في الكتابة على الجدران، وتوزيع المنشورات المناهضة لحافظ الأسد ونظامه.

وهكذا تشكّلت في حلب شخصيّة الشّاب المشاكس، حامل سيف الرّفض، المشبع بكره الظلم والاستبداد، لينتقل مع بداية الثّمانينات إلى درعا ليبدأ مرحلة جديدةً من الحياة التي تكتنفها كثيرٌ من المشكلات وتعتريها الصّعاب من كلّ حَدْبٍ وصوب.

وفي بيئة فقيرة بالدّعوة إلى الله تعالى، وتحفّها الصّعاب من كلّ جانب؛ بدأ نزار نشاطًا دعويًّا على أصعدة مختلفة

في الاستفتاء الرّئاسي الذي أجراه حافظ الأسد عام 1978م اكتشف القائمون على الصّندوق أنّ أحد العسكريين صوّت بـ (لا) فاستنفروا قواهم ليكتشفوا أنّ هذا الشخص هو حسن الحراكي أبو نزار، ليتمّ اعتقاله على الفور وتحويله إلى فرع المخابرات الجويّة ليقضي قرابة شهرين في التّعذيب، وبعد إطلاق سراحه بدأت مرحلة التّضييق عليه ليتم تسريحه لاحقًا وينتقل للعمل في مديريّة الأوقاف في درعا وليغدو بعد سنوات رئيس الدّيوان في المديريّة.

عقب انتقاله إلى مدينة درعا احتضن مسجدُ خالد بن الوليد في حيّ المطار الشّابّ العشرينيّ نزار، وعلى الرّغم من الرّعب الذي كان يبثّه نظام الأسد في ثمانينات القرن الماضي من المساجد والالتزام بها، واتّهام الشريحة المتديّنة على اختلاف توجّهاتها بأنّها من الإخوان المسلمين، والاعتقالات الواسعة في صفوف المصلّين؛ بقي نزار ملتزمًا بالمسجدِ ليكون بيئته الحاضنة ومجتمعه الجديد، وعندما أنشئت كتاتيبُ القرآن الكريم مع بداية التسعينات باسم “معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم” انخرط نزارُ في أحدها متعلّمًا ثمّ معلّمًا للقرآن الكريم.

وفي بيئة فقيرة بالدّعوة إلى الله تعالى، وتحفّها الصّعاب من كلّ جانب؛ بدأ نزار نشاطًا دعويًّا على أصعدة مختلفة؛ فمع تعليم القرآن الكريم أسهم في تشكيل أوّل فرقةٍ إنشاديّة في حوران وكان اسمها “فرقة الإمام النّووي” نسبةً إلى الإمام النّووي الذي ينتسب لمدينة نوى في محافظة درعا، حيث يوجد قبره فيها أيضًا.

كانت المشاركة في الفرقة الإنشاديّة وسيلةً للتحرّك السّهل في مختلف مناطق حوران، والدّخول إلى قراها وبلداتها عبر المناسبات الاجتماعيّة، ممّا أتاح لنزار أن يحقّق حضورًا في عموم أنحاء هذه المحافظة، وعقب اعتقاله عام 2001م ترك التجوّل مع الفرقة حرصًا على سلامة أعضائها الذين غدا العديد منهم شهداء عقب ثورة الحريّة والكرامة عام 2011م.

ويمكن القول: إنّ فترة اعتقاله أسهمت بشكلٍ لافتٍ في صياغة شخصيّته وسلوكه عقب خروجه من المعتقل.

في عام 2001م شنّ النّظام حملةَ اعتقالاتٍ واسعةً في صفوف أعضاء حزب التّحرير بعد اكتشافه وجود تنظيمٍ لهم في حوران، وكان نزار ممّن أُلقي القبض عليهم، وذلك بسبب صداقته لعددٍ من قيادات التنظيم المحظور، الذين تمّ اعتقالهم، وزجّ به في السّجن على الرّغم من أنّه لا ينتمي إلى حزب التّحرير أو غيره من التّنظيمات أو الجماعات.

قضى نزارُ في السّجن سبعة أشهر أتاحت له خوض الكثيرِ من النّقاشات والحوارات والمعارك الفكريّة والسّياسيّة في فترة اعتقاله، ويمكن القول: إنّ فترة اعتقاله أسهمت بشكلٍ لافتٍ في صياغة شخصيّته وسلوكه عقب خروجه من المعتقل.

وعقب خروجه من المعتقل بدأت مرحلةٌ جديدةٌ من التّضييق الأمنيّ المتمثّل في الاستدعاءات الدّوريّة إلى فروع الأمن المختلفة، والتّضييق في أمور العمل وكَسبِ الرّزق؛ وكان لهذا دورٌ كبيرٌ في زيادة عناد نزار وإصراره على المواجهة، فكان ينتقل من عملٍ لآخر على الرغم من التّضييق ليثبت لهذا النّظام أنّ إرادة الحياة لا يمكن أن يقهرها الظّلم وأنّ الرّوح المتدفّقة بالحريّة لا يمكن لكلّ زبانية الظّلم قهر إشراقها أو قمع توثّبها أو إطفاء شعلتها.

وبقيت فلسطين هاجسًا دائمًا له في حلّه وترحاله

كانت فلسطين ساكنةً في قلب وعقل وهمّة نزار، فكان لا يكلّ ولا يملّ من المشاركة الفاعلة في أيّ محفلٍ ينتصر لفلسطين ويدعم أهلها، والانخراط في أيّة مؤسسة عاملة لفلسطين؛ فانضمّ بعد سنوات يسيرة من خروجه من المعتقل إلى مؤسّسة القدس الدّوليّة ليصبح مدير مكتبها في محافظة درعا، وكان له دورٌ بارزٌ في القيام بالعديد من الفعاليّات الكبيرة على مستوى المحافظة لدعم فلسطين وانتفاضتها.

وبقيت فلسطين هاجسًا دائمًا له في حلّه وترحاله، فلم يمنعه انخراطه التّام في الثّورة السّوريّة من العمل لفلسطين وتتبّع أحوالها والإسهام في نصرة قضيّتها التي تُعدُّ قضيّة كلّ حرٍّ في هذه الأرض.

اعتقل مرّتين عام 2011م، وتعرّض لصنوفٍ بالغة القسوة من التّعذيب في فروع المخابرات، فلم يزده ذلك إلّا إصرارًا على المضيّ في طريق الثّورة

منذ اليوم الأوّل لثورة آذار 2011م كان نزار في الصّفوف الأولى للثّورة، تراهُ في مظاهراتها وتشييع شهدائها واعتصاماتها، وترى فيه روحًا وثّابةً كأنّه ابن عشرين عامًا على الرّغم من أنّه قارب الخمسين.

اعتقل مرّتين عام 2011م، وتعرّض لصنوفٍ بالغة القسوة من التّعذيب في فروع المخابرات، فلم يزده ذلك إلّا إصرارًا على المضيّ في طريق الثّورة والمواجهة، طاردته أجهزة المخابرات قرابة سنتين وهو ينتقل من بيتٍ إلى بيتٍ في دمشق وريفها، ليفلح أخيرًا في الخروج من سوريا حاملًا جرحه وثورته، فانخرط في مؤسّسات الثّورة ليتمّ تعيينه أوّل سفيرٍ للثّورة في البلاد كلّها، ويغدو سفيرًا لسوريا في الدّوحة، فلا تغيّره السّفارة ولا يقلّل العمل الدّبلوماسيّ من اشتعاله وتوقّده الثّوريّ.

وتبدأ حملاتٌ ممنهجةٌ لاغتياله المعنويّ، وتتوجّه إليه السّهام الحاقدة من مؤسسات النّظام ومؤسسات دولٍ خليجيّة ومن شريحةٍ من أبناء الثّورة، فلا يفتّ ذلك في عضده ولا يثني عزمه عن مواصلة الطّريق بالهمّة والحيويّة ذاتِها التي تحلّى بها منذ اليوم الأوّل للثورة، فكلُّ أيّامه كانت بهمّة البِدايةِ وحيَويّة الثّورة المنبعثة من النَّفْسِ الوثّابة التّواقة للحريّة والتّحرير.

 الرّحلة الأخيرة؛ سوريا؛ إسطنبول؛ الدّوحة

في شهر تشرين الثّاني “نوفمبر” من عام 2020م وصل نزار إلى إسطنبول لينطلق منها إلى شمال سوريا، وعندما حاول بعض أصحابه أن يثنيه عن الذّهاب بسبب الانتشار الواسع لفيروس كورونا قال بكل وضوح: “حياتي ليست أثمن من حياة أهلي الذين يعيشون في تلك المناطق”.

قضى نزار رحلته الأخيرة في سوريا ليصاب بالكورونا فور رجوعه ويدخل مستشفى باشاك شهير الحكوميّ في إسطنبول وتفيض روحه إلى باريها مساء يوم الأحد 6 كانون الأوّل “ديسمبر” وينقل إلى الدّوحة ليدفن فيها ليل الثّلاثاء.

رحل نزار الحراكي وقد بقي إلى آخر رمق في حياته يحمل روح الثّورة الأولى، ويتدفّق بغضب المظاهرة الأولى، وفيه إقدام المواجهة الأولى، وصدق الصّرخة الأولى، ويدفنُ في قلوبِ الثُّوّارِ ليفرَعَ جيلًا غاضبًا لا تخبو ثورته ولا تسكنُ للحقّ غضبته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة