مقالات

عزل الشافعي "المنتخب" و"تعيين" فضل لرئاسة مجمع الخالدين.. الدلالات والواجبات

الشيخ حسن الشافعي
الشيخ حسن الشافعي

فوجئنا بأخبار متداولة يوم الخميس 19 من نوفمبر/تشرين الثاني 2020م تقول إن وزير التعليم العالي المصري قام بعزل العلامة د. حسن الشافعي عن رئاسة مجمع اللغة العربية بالقاهرة "مجمع الخالدين" الذي انتخبه أعضاء المجمع مرتين لفترة رئاسة ثالثة، ثم قام بإسناد أعمال الرئيس للأستاذ الدكتور صلاح فضل، أستاذ النقد الأدبي في جامعة عين شمس، وعضو المجمع.

معلوم أن أستاذنا العلامة د. حسن الشافعي انتخبه أعضاء المجمع – كما هي عادة المجمع في الاختيار منذ أنشئ عام 1932م – رئيسا للمجمع عام 2012م ثم انتخب مرة أخرى عام 2016م، فماذا حدث هذه المرة 2020م؟

أجريت الانتخابات في فبراير/شباط 2020م وفاز العلامة حسن الشافعي بـ (23) صوتا، في مقابل د. صلاح فضل الذي حصل على (4) أصوات، ومنهم صوته بالتأكيد، من مجمل الأصوات (28) صوتا، وعضو واحد أبطل صوته.

ورُفعت النتائج لوزارة التعليم العالي باعتبارها الجهة المخولة من مجلس الوزراء الذي فوضه "رئيس الجمهورية" قبل ذلك، واتضح من الكشف المرفوع من المجمع أن 26 عضوا فقط هم الذين وقعوا على المحضر وغاب السابع والعشرون، فطعنت الوزارة على هذه النتيجة لما في الكشف من تناقض في الأرقام بين الـ 27 الذين انتخبوا، والـ 26 الذين وقعوا، وضمّن الوزير في خطابه ضرورة وجود مراقب من الوزارة يراقب الانتخابات، ورد عليه مجلس المجمع بالإجماع – بما فيهم د. فضل – أن المجلس له حرية التصرف في انتخاباته باستقلال كما هو تاريخه في كل الانتخابات منذ نشأته حتى اليوم.

وانعقدت دورة العمل المجمعي يوم الأحد 6 من سبتمبر/أيلول، واشتغلت اللجان، وبعدها بشهر اجتمع المجلس المجمعي (هيئة المكتب وأعضاؤه: الهيئة هم الرئيس "العلامة حسن الشافعي"، ونائبه "العلامة محمود الربيعي"، والأمين العام "أستاذنا العلامة عبد الحميد مدكور" + أربعة أعضاء منتخبين "لاحظ هنا حتى الأربعة الذين يضافون لهيئة المكتب منتخبون")؛ وذلك لمناقشة الدعوة إلى انتخاب رئيس؛ استجابةً لخطاب الوزارة الذي قرر التعارض بين الأرقام في الأوراق المرسلة، وفُتح باب الترشح يوم الاثنين 5 من أكتوبر/تشرين الأول 2020م، على أن يغلق في الاثنين الذي يليه 12 من أكتوبر/تشرين الأولوهو اليوم الذي قدم فيه د. صلاح فضل أوراقه ظهرا، وأجريت الانتخابات في الاثنين الذي يليه 19 من أكتوبر/تشرين الأول.

وفي يوم السبت 17 من أكتوبر/تشرين الأول الذي هو قبل الاثنين الموعود نشر د. صلاح فضل حوارا مع جريدة الدستور شن فيه هجوما حادا على المجمع وعلى رئيسه العلامة حسن الشافعي، وتمحور الحوار حول ثلاث أفكار رئيسة، هي: أن هناك تربيطات إخوانية داخل المجمع، واتهام د. حسن بأنه إخواني إرهابي وتاريخه يشهد بهذا، وأن قانون المجمع هو الذي يمكّن الإرهابيين من المجمع ولابد أن يكون رئيس المجمع بالتعيين، وكذلك الأعضاء!

وانعقدت الانتخابات يوم الاثنين بعد يوم السبت الذي نشر فيه د. فضل حواره مستبقا يوم الانتخابات، وحضر (28) عضوا من أصحاب الفضيلة الأجلاء، صوَّت للعلامة الشافعي (17) فردا، فيما صوت (9) فقط للدكتور صلاح فضل، وأبطل عضوان صوتيهما، وأشرف على الانتخابات اثنان من الأعضاء بالانتخاب وبموافقة بقية الأعضاء هما: د. عبد الحكيم راضي، وأستاذنا د. شفيع الدين السيد، مع اثنين إداريين من موظفي المجمع والمسؤولين عنه.

وظهرت النتيجة والكل هنأ الرئيس د. الشافعي، وانتشرت منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي بالتهنئة، نشرت في الصحف أخبار، وتم التأكد من التوقيعات كاملة حتى لا يحدث التعارض السابق بين عدد الأصوات والتوقيعات، ورفعت الأوراق للوزارة، وعاد د. صلاح فضل لترديد ما كان يردده من قبل!

ويوم الأربعاء 18 من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري فوجئ الجميع بأخبار في الإعلام تهنئ د. صلاح فضل برئاسة المجمع وفق خطاب من وزير التعليم العالي، برقم (665 + 1م) مؤرخا بـ 18 من نوفمبر/تشرين الثاني هذا نصه:

"السيد الأستاذ الدكتور صلاح فضل، الأستاذ بجامعة عين شمس، عضو مجمع اللغة العربية، تحية طيبة، وبعد، يطيب لي أن أبعث لسيادتكم بأسمى آيات الود والتقدير، أود الإحاطة بأنه في ضوء انتهاء مدة ولاية السيد الأستاذ الدكتور حسن محمود عبد اللطيف الشافعي في شغل منصب رئيس مجمع اللغة العربية والذي كان يشغله بموجب قرار رئيس الوزراء رقم (618) لسنة 2016م لمدة أربع سنوات اعتبارا من 28 من فبراير/شباط 2016م من دون صدور قرار بالتجديد، وحرصا على انتظام سير العمل واضطراده في المجمع واستمراره في أداء رسالته، وبناء على المذكرة المعروضة علينا، فقد قمنا بتكليف سيادتكم للقيام بعمل رئيس مجمع اللغة العربية لحين الانتهاء من الإجراءات القانونية الصحيحة لتعيين رئيس جديد للمجمع. ونرجو من سيادتكم العمل على سرعة اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لترشيح رئيس جديد للمجمع وفقًا لإجراءات قانونية صحيحة للانتهاء من السير في إجراءات شغل المنصب عن طريق التعيين مع أطيب تمنياتي لسيادتكم بدوام التوفيق والسداد، وتفضلوا سيادتكم بقبول فائق الاحترام،،، وزير التعليم العالي والبحث العلمي أ.د. خالد عبد الغفار". انتهى نص الخطاب.

أما الأمين العام العلامة د. عبد الحميد مدكور الذي انتهت ولايته يوم الاثنين 19 من أكتوبر/ تشرين الأول، وطلبت الوزارة أيضا وجود مراقب في انتخابات الأمين كما طلبت في الرئيس، وتم الرد بنفس الطريقة على الوزراة بالإجماع، وفتح باب الترشح للأمين يوم الاثنين الذي تلى يوم انتخابات الرئيس، وأغلق في الاثنين الذي يليه، وعقدت انتخابات الأمين في الاثنين التالي ولم يترشح أحد أمام د. مدكور، وصوَّت له (24) عضوا من (28)، وأبطل أربعة أعضاء أصواتهم، وذهب جواب انتخابات الأمين للوزارة، وتسلم الأمين د. مدكور خطاب الوزير "السري للغاية" الذي أوردنا نصه أعلاه.

أما النائب "العلامة د. محمود الربيعي" فعندما طعنت الوزارة في فبراير/شباط 2020م على الانتخابات وتضمن الطعنُ انتخاباتِ الرئيس ونائبه، فقام الربيعي برفع قضية في مجلس الدولة ضد الوزارة بأن الانتخابات تمت وفق قانون المجمع كما هي عادته منذ تأسيسه.

علما بأن أي عضو أو من يترشح من الأعضاء لرئاسة المجمع أو منصب النائب أو منصب الأمين العام، يكون شغله للمنصب غير محدد بمدة، فمن حق العضو الذي أصبح رئيسا أو نائبا أو أمينا أن يترشح على المنصب نفسه مدى الحياة، وللأعضاء أن ينتخبوه أو يرفضوه؛ ولهذا سمي مجمع الخالدين، باستثناء العشرة الأوائل الذين أسسوه فقد كانوا بالتعيين من الملك في 14 من شعبان 1351هـ الموافق 13 من ديسمبر/كانون الأول 1932م، وأسسوا كل شيء وسلموا الراية إداريا وقانونيا مضبوطة بقانون المجمع المعمول به حتى اليوم.

بعد قص هذه الأحداث بترتيبها نقول للوزير الذي أرسل هذا الخطاب: إن صدور هذا القرار عن وزير التعليم العالي المصري لا يصب في مصلحة مصر، الدولة – وليس النظام، فالنظام موقفنا منه معروف – وينبغي أن يحترم الوزير التقاليد المجمعية، ويحفظ للدولة المصرية مكانتها التي تنزف يوما بعد يوم في ظل هذه السلطة؛ فلم يُعرف أن الوزارة تدخلت يوما في انتخابات المجمع ولا في نظامه ولا في إدارته، لا في انتخابات ولا غيرها، وإذا كان الوزير يملك القرار فلماذا لا يُصدر قرارا بتعيينه وينتهي الأمر؟

وإذا كان عموم الشعب ترونه قاصرا – وما هو بقاصر – فإن نخبة العلماء من كل التخصصات في مصر لا يمكن أن يكونوا قاصرين حتى يقرر لهم وزير التعليم من يرأسهم ويديرهم. إن مجمع الخالدين في القاهرة يجمع نخبة العلماء في مصر، وهم أحرار – من دون إملاء من أحد- في اختيار من يمثلهم ويدير شئونهم كما هي تقاليد المجمع منذ تأسيسه.

في ظل هذا الجو المحبط، وصدور مثل هذه القرارات التي تجعل الحليم حيران، وتهدر إرادة الأعضاء وكرامتهم في وقت معا، قد يفكر بعض الأعضاء وبخاصة الرئيس والنائب والأمين في اعتزال العمل المجمعي، وهذا من حقهم، ولا يلومهم أحد على ذلك، فكل إنسان له طاقة تحمل.

ولكن رسالتي لهم أن يستمروا في عملهم، ولا يتركوا المجمع لقمة سائغة لمن لن يقدروا رسالته ولن يعملوا على نهضتها وتطويرها، ومدافعةُ الحق للباطل هي الواجبة، وما لا يدرك كله لا يترك جله، والميسور لا يسقط بالمعسور، وأنتم أهل العلم والفضل.

الأستاذ الدكتور صلاح فضل هو ناقد أدبي كبير، وله تاريخه في هذا التخصص، كما أن له إنتاجه ومؤلفاته، وإن كانت آراؤه نحو الشريعة والإسلام عليها ملاحظات وعلامات استفهام، ولكن هذا لايهمنا لأنه ليس تخصصه، كما أن له آراء في العمل المجمعي واللغوي ينصر فيها العاميةَ على العربية، ونتفهم هذا بالنظر إلى المدرسة التي يصْدُر عنها، وهي المدرسة الحداثية.

ورسالتي للناقد الكبير د. صلاح فضل: هل بهذا تحيا قيم العلمانية أو الليبرالية؛ أن تسعى لإهدار حرية المجمع وإرادة أعضائه، وأن تتحول أعلى سلطة ثقافية هوياتية في مصر والعالم كله تقريبا إلى قرار تعيين يخالف تاريخ التقاليد المجمعية؟ إنك بذلك تكون قد أهدرت ما تتبناه من أفكار، وهي عادة المجتمع المصري مع العلمانيين والليبراليين في مجملهم، والاستثناءات القائمة تثبت هذا الأصل ولا تنفيه.

أقول للدكتور صلاح فضل: كيف ستقابل طلابك في الجامعة بعد هذا القرار، وأنت الذي تعلمهم الحرية في البحث العلمي، والحرية في إبداء الرأي الآخر وتقديره ثم تقبل منصبا يطيح بإرادة أعضاء أجلاء وتأتي أنت بقرار على أشلاء إرادتهم وكرامتهم؟

ألم تدخل الانتخابات مرتين: في فبراير/شباط حصلت على (3) أصوات مع صوتك، وفي أكتوبر حصلت على (8) أصوات مع صوتك، يعني أنك رضيت بالإجراء الانتخابي أو "الديمقراطي"، فكيف ترضى بالديمقراطية ثم تنقلب عليها؟ وكيف تأتي أصلا لعضوية المجمع بالطريق الديمقراطي ثم تنقلب عليه؟

بل كيف ستواجه في الاجتماع القادم إخوانك الأعضاء ورئيسك ونائبه والأمين العام، بأي وجه ستجلس أمامهم وتترأس الجلسة، وبأي جق؟ وهل لو كنت الفائز في الانتخابات كان سيصدر هذا القرار أو كنت ستجري هذا الحوار أو تتحدث بهذه الافتراءات؟ إن كل مسروق أو مغصوب يا د. فضل يحرُم بيعه وشراؤه والانتفاع به، وكل عمل به هو محرم، وكل مال يدخل إليك منه فهو سحت، وأنا أعتقد أنك تهتم بالحلال والحرام ولا ترضى أن تأكل من الحرام، وتعمل في الحرام، وتمارس مناصبك بالحرام، وأنت ابن الـ (82) عاما، وليس بينك وبين القبر كثير.

قرأت لك في حوارك مع صحيفة المصري اليوم المؤرخ بتاريخ يوم الإثنين 02-12-2019م قولك: "والرسالة الحقيقية للدين هي رسالة خلقية تدعو إلى الفضيلة والنبل قبل أن تكون رسالة طقوس وعبادات" فهل من الأخلاق والفضيلة والنبل أن تسرق منصبا أو تغصبه ثم تقيم عليه وتستمر فيه؟

ما أراه أشرف لشخصك، وتاريخك، وختام حياتك، وطلابك، وبعد مماتك بالذكر الحسن: أن تعتذر عن هذا المنصب الذي جاءك بهذه الطريقة، ولا تعلل الرفض بحالتك الصحية ونحو هذا، بل علله بأن هذا يتنافى مع أعراف المجمع وتقاليده منذ إنشائه؛ لأنك أتيت عضوا بالديمقراطية، وترشحت للرئاسة بناء عليها، هذا أشرف لك ولجماعتك من علمانيي مصر لو كنتم تعلمون!

أما رسالتي لأستاذنا الشامخ العلامة الشيخ الإمام حسن محمود عبد اللطيف الشافعي الذي يعتبر من مفاخر مصر، ومن النوادر في العلم والأخلاق سواء، وأحد باعثي النهضة التعليمية في مصر، وفي شرق آسيا وغيرها من خلال تأسيسه للجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، أقول له: هذه ضريبة من يحترم نفسه وقدرها، وثمن أصحاب المواقف والشرف، وعاقبة أصحاب التضحيات والحدب على الأوطان والعمل لها في سبيل الله، أنت قيمة وطنية، وقمة علمية، وقامة أخلاقية، ولا يضرك من خالفك أو تآمر عليك، فإن التاريخ سيكتب هذا كله، والناس تعرف الحقائق، والله يعلم فوق الجميع، وكفى بالله حسيبا ورقيبا وشهيدا ووليا ونصيرا.

أوجه رسالة ونداء لأصحاب الأقلام الشريفة، وللإعلاميين في قنواتهم ومواقعهم أن يجعلوا هذه القضية قضية رأي عام.

فالمجمع اللغوي بالقاهرة قلعة من قلاع مصر، وهرم من أهراماتها، وهو مؤسسة مستقلة ويجب أن تستمر كذلك، وليس من صالح الدولة المصرية ولا اللغة العربية ولا مسائل الهوية الصمتُ على هذا الأمر، فإن من الشرف والوطنية المصرية والعربية الكتابة عنه والحديث حوله وعدم السكوت عليه.

وإن مما أعجبني من تعليقات على هذا القرار ما كتبه إمام العربية في عصرنا العلامة د. سعد مصلوح (77 عاما) وهو حتى الآن لم يحظ المجمعُ بشرف ضمه إليه، إذ قال على صفحته، وهو نعم الختام: "أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّه".

المصدر : الجزيرة مباشر (6876


المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة