مقالات

إعادة إنتاج مفهوم "الولاء والبراء"

إنّ إعادة إنتاج هذا مفهوم الولاء والبراء ليس استلابًا للغرب ولا هزيمةً نفسيّة كما يحلو للبعض مهاجمة كلّ من يقترب من مناقشته، بل هو ضرورة شرعيّة ودعوية وتربويّة،

 

مما لا شكّ فيه أنّ مصطلح "الولاء والبراء" من أكثر المصطلحات التي راجت في العقود الخمسة الأخيرة في الخطاب الإسلامي؛ وبنيت عليه مواقف وشنّت استنادًا إليه حروب فكريّة واعتقاديّة، وحكم بناء عليه على كثيرين كفرًا وتفسيقًا، وأريقت تحت ستاره دماء شتّى بأيدي الجماعات الإسلاميّة ذات الصّبغة الجهاديّة.

ومما لا شكّ فيه أيضًا أنّ التّعامل الدّعوي مع هذا الخطاب شكّل الحالة النفسيّة والمشاعريّة تجاه الآخر، غير المسلم أو المسلم المخالف بالتوجّه الفكريّ والاعتقادي.

وبسبب التعامل الدّعويّ والتأصيل المنحاز كان هذا المفهوم سببًا في التّأصيل لعزلةٍ حضاريّةٍ وانعزال عن الواقع العالميّ المحيط وسببًا في الشّعور بالتحفّز من الآخر واستبطان عداوته.

  • تحريرُ المفهوم بين "الحبّ" و"المناصرة"؟

"الولاء والبراء" مصطلح قرآنيّ ورد في العديد من آيات الكتاب العزيز التي تحضّ على الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين، والمقام لا يتسع لاستعراض عموم الآيات الواردة في كتاب الله تعالى، وإنّما من أشهر هذه الآيات قوله تعالى في سورة آل عمران: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"

وقوله تعالى في سورة الممتحنة: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙأَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ"

وقوله تعالى في سورة آل عمران: "لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ"

ويكمن الإشكال في التّعامل مع مصطلح الولاء والبراء في تفسير معنى الولاء بناء على اللّغة وحدها وتعميم مفهوم الولاء القرآنيّ على كامل أفراد المعنى اللغويّ بينما السّياق القرآنيّ يقتضي خلاف ذلك.

فإنّ الولاء في اللّغة يعني المحبّة والنّصرة والقرب وتدبير شؤون الآخر، وتولّى فلان يعني اتّخاذه وليًّا، وموالاته أي محبّته ومناصرته وتدبير شؤونه والقرب منه.

وفي الخطاب الدّعوي والشّرعيّ في عقود ما بعد صعود السّلفيّة المعاصرة وتفرّع السلفيّة الجهاديّة عنها كان أهمّ معنى يتركّز عليه الحديث عند استخدام مفهوم الولاء هو الحبّ أي حبّ الكافرين والبراء نقيضه وهو بغضهم.

مع استخدام صياغات التعميم دون التفريق بين أحوال الكفّار، فيغدو الواجب على كلّ مسلمٍ أن يبغضَ كلّ كافرٍ مخالف لعقيدته وألّا يشعر تجاهه بالحبّ أبدًا وإلّا دخل في معنى موالاة غير المسلمين، وحتى عندما يمارس البرّ والإحسان المأمور به في كتاب الله تجاه هؤلاء الكافرين عليه ألّا يشعر على الإطلاق بأيّ حبٍّ تجاههم جماعةً أو أفرادًا وإلّا دخل في خلل اعتقاديّ وصار من الذين يوالون غير المسلمين.

غير أنّ وقفةً بسيطةً تجعلنا نرى أنّ القرآن الكريم وصف العلاقة بين النبيّ صلّى الله عليه وبين أحد الذين عاشوا على الكفر وماتوا عليه بأنّها علاقة حبّ، فقال الله تعالى في سورة القصص: "إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ"

وهذه الآية كما ينصّ عامة المفسريّن وعلماء المسلمين بأنّ المقصود بها هو أبو طالب عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم الذي مات على الكفر، ففي الصّحيحين عن المسيب بن حزن المخزومي رضي الله عنه؛ قال: لمّا حضرت أبا طالب الوفاة؛ جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله"

فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب! أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان له بتلك المقالة، حتى كان آخر ما قال: على ملّة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله؛ لأستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك"؛ فأنزل الله تعالى: "مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَّسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى"، وأنزل في أبي طالب: "إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَّشَاءُ"

فقد نصّت الآية على أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم أحبّ أبا طالب وفاضت مشاعره وقلبه بحبّه وما موقف النبيّ صلى الله عليه وسلّم عند وفاته إلّا دليل على ذلك.

ثمّ كيفَ يعقلُ أن يشرّع الإسلام للمسلمِ أن يتزوّج من الكافرة الكتابيّة اليهوديّة والنّصرانيّة ثمّ يأمره ببغضها لأنّها كافرة، وهو الذي أقام الزّواج على علاقة المودّة والرّحمة؟

فدلّ هذا كلّه على أنّ الولاء في السّياق القرآنيّ لا يراد به الحبّ، وأنّ حبّ غير المسلم الذي لم يعلن العدوان والحرب على المسلمين أمرٌ مشاعريّ لا حرج فيه بل إنّ علاقة المحبّة ينبغي أن تكون بين المسلم وجميع الخلق من مسلمين وغير مسلمين ممّن لم يدخلوا في حالة العدوان على المسلمين، فعندها يكون البغض لهم لعدوانهم لا لكفرهم.

وهذا يعني أنّ معنى الولاء في المصطلح القرآني قاصرٌ على بعض أفراد المعنى اللّغوي، والمعنى الذي يقتضيه السياق القرآنيّ للولاء هو "المناصرة في العدوان" والتحالف الذي يقوم على الإقرار بالعدوان على المسلمين أو غيرهم والمشاركة فيه، وليسَ مطلق المناصرة أو التّحالف.

وهذا ما قررّه عامّة المفسّرين والفقهاء، فعند قوله تعالى على سبيل المثال: "لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ" يقول الطّبري: "لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين"

وقال ابن كثير عند قوله تعالى: "بعضهم أولياء بعض" "أي: يتناصرون ويتعاضدون"

وأمّا الآيات التي تتحدّث عن موادّة الكافر فهي لا تخرج عن هذا المعنى "المناصرة في العدوان" ومن ذلك قول الله تعالى في سورة المجادلة: "لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ"

فجاءت الآية لتتحدّث عن المعتدين الذين يحادّون الله ورسوله، وجاء النهي عن الموادّة، والألف في "يوادّون" هي ألف المشاركة، أي تبادل المودّة وإظهار الحبّ لهؤلاء المعتدين والقرب منهم والتغزل السياسيّ والإعلاميّ بهم، وهذا معنى جليّ من معاني "المناصرة في العدوان"

وأمّا التّحالف والتّناصر مع غير المسلمين لأجل قضيّةٍ عادلةٍ مشتركةٍ فهو لا يدخل في الولاء المنهيّ عنه لغير المسلمين، بل هو فعلٌ مبرورٌ وقد نصّ على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو يتحدّث عن حلف الفضول الذي تحالفت فيه قريشٌ بدار النّدوة على أن تنصر المظلومين وتقف في وجوه الظّالمين، إذ قال صلّى الله عليه وسلّم "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحبّ أن لي به حمر النّعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت"

فالنبيّ صلى الله عليه وسلّم يقرّر أنّه لو دعاه المشركون إلى حلفٍ يقوم على نصرة المظلوم وردع الظّالم لما تأخّر في القبول والموافقة.

  • معالم إعادة إنتاج مفهوم "الولاء والبراء"

وبعد هذا الاستعراض للمعنى الذي تقرّره الآيات للولاء والبراء وطبيعة العلاقة مع غير المسلمين، فلا بد من إعادة إنتاج مفهوم الولاء والبراء في الخطاب الدّعوي والشّرعي مستندًا إلى المعالم الآتية:

أولًا: تحييد القضيّة المشاعريّة عن مفهوم الولاء والبراء، فهو قضيّةٌ سلوكيّةٌ عمليّةٌ وما يستعلنُ فيه من المشاعر هو قضيّة سلوكيّة لا مشاعريّة، بل ينبغي إعادة ترسيخ مفهوم المودّة والحبّ للخلق جميعًا، هذا الحبّ الذي ينتج نفعًا واحتواءً، ولا ينبغي أن يكون "الولاء والبراء" أحد مرتكزات تعزيز مشاعر الكراهية بين المسلمين وغيرهم لمجرّد الخلاف الاعتقاديّ أو الفكريّ.

ثانيًا: قصر مفهوم الولاء والبراء على معنى "المناصرة" فالولاء المحرّم مقتصر على معنى "المناصرة في العدوان" سواء كان هذه المناصرة في العدوان على المسلمين أو مناصرة في العدوان على غير المسلمين، وسواء كانت هذه المناصرة ماديّة أو معنويّة؛ عسكريّة أو سياسيّة أو إعلاميّة أو بأيّ شكلٍّ من أشكال التعبير عن المناصرة والتأييد للعدوان.

ثالثًا: مراعاة التّقاطع والتّداخل في التوافق التعارض في العلاقات مع الآخر من  المعتدين مسلمين كانوا أم غير مسلمين، فقد يجتمع في الشّخص الواحد والكيان الواحد والجماعة الواحدة العدوان في جهة والمناصرة في جهةٍ أخرى.

 فلا بدّ لمفهوم الولاء والبراء مراعاة هذا التشابك والتعقيد، فقد يجتمع الولاء في العلاقة مع جهةٍ واحدةٍ فتكون مناصرتها ضدّ عدوان على جهةٍ ما، والبراءة من عدوانها على جهةٍ أخرى، ومراعاة هذا التّشابك والتّداخل يقتضي عدم التّعامل بالطريقة الحديّة التي يتمّ التعامل بها مع مفهوم الولاء والبراء.

وقد ورد هذا المعنى في كلام قيّم لشيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول في مجموع الفتاوى: "وإذا اجتمع في الرجل الواحد: خيرٌ وشرّ، وفجورٌ وطاعة، ومعصيةٌ وسنّة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشّخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة كاللّص تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتّفق عليه أهل السّنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم"

إنّ إعادة إنتاج هذا مفهوم الولاء والبراء ليس استلابًا للغرب أو هزيمةً نفسيّة كما يحلو للبعض مهاجمة كلّ من يقترب من مناقشته، بل هو ضرورة شرعيّة ودعوية وتربويّة، وهو مهمّ لبناء منهجيّة التفكير الإسلاميّ تجاه المسلمين وغير المسلمين، ولرسم قواعد تعامل راشد مع المحيط الإسلاميّ والعالمي المتشابك والمتداخل بطريقةٍ تحقق رسالة الإسلام العظيمة وتحقّق للمسلمين خطوة في الطريق ليكونوا شهداء على النّاس.

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة