مقالات

تهنئة غير المسلمين بأعيادهم.. واجب اجتماعي لا اعتقادي

 

كل عام يثار نفس الموضوع، وفي نفس التوقيت، وبنفس العبارات، فمن يجيز يظل يجيز، ومن يحرم يظل يحرم، إلا من رحم ربي ممن تجرد للبحث العلمي، وليست هناك مشكلة في الخلاف في الموضوع دينيا، ولكن المشكلة في الخلط في المسألة بين ما هو اجتماعي، وما هو في باب الاعتقاد، فإن من يحرمون التهنئة يدعون أن الأعياد شأن ديني اعتقادي، يختص بعقيدة غير المسلم، ولذا يحرم التهنئة، لأن التهنئة بأي عيد هو رضا بعقيدة غير المسلم.

وهذا الكلام ينطوي على عدة أخطاء، لكن أهمها هنا: الخلط بين التهنئة بأنها رضا بعقيدة غير المسلم. والخلط بين أمر اجتماعي إنساني واعتباره أمراً اعتقادياً، مما يحدث اضطرابا في الفتوى، أو الحكم على موضوع التهنئة.

التهنئة بالعيد ليست رضا بعقيدة صاحبها:

إن أول خطأ يقع فيه من يحرمون التهنئة، بسبب أن من يهنئ غير المسلم بعيده، يعد ذلك رضا منه بعقيدته، فهو خطأ تماما، لأن من يهنئ بعيد لو كان ذلك رضا منه بعقيدته، أو إقرار بها، فهذا معناها أن التهنئة عندئذ تعد من باب الكفر لا من باب الحرام، ولم نسمع أو نقرأ عن أحد قديما أو حديثا قال بأن التهنئة كفر، فهل تأمل المحرمون لهذه العلة عواقب فتواهم، وآثارها التي ستترتب عليها؟

فالتهنئة إذن ليست في أي معنى من معانيها: الرضا، أو الإقرار بعقيدة الآخر، بل هو أمر لا صلة له برضا أو رفض عقيدة غير المسلم، لأن الأمر مجرد تهنئة بعيد. فالمسلم لا يقول لغير المسلم في عيده: كل عام وعقيدتك بخير، بل يقول له: كل عام وأنتم بخير، والأسرة الكريمة بخير، أعاده الله عليكم بالخير، ولا يقول له: أعاده الله على عقيدتك ودينك باليمن والبركات!!

ولن يصبح المسلم مسيحيا بتهنئة المسيحي بعيده، ولن يصبح المسيحي مسلما بمجرد التهنئة للمسلمين بعيدهم، ولم يقل أحد قديما أو حديثا: أن من الأعمال التي تخرج من الإسلام للأديان الأخرى: التهنئة بعيد غير المسلم، والقول بذلك عبث منهجي، وعلمي، وديني، ليس له مجال مقبول في البحث العلمي، أو الفتوى المتزنة.

اجتماعي أم ديني عقدي؟

الخطأ الآخر والأهم منهجيا، الذي يقع فيه المحرمون للتهنئة، أنهم يخلطون بين أمور اجتماعية أجاز الشرع الإسلامي التعامل معها، وأداء الواجب فيها، مع غير المسلم، وأنه لا يعبر بحال من الأحوال عن عبادة أو عقيدة، فالتهنئة واجب اجتماعي إنساني ليس إلا. ولا علاقة لمن يهنئ لا بعبادة غير المسلم، ولا بعقيدته، ولا الموضوع داخل في باب التعبد ولا باب العقيدة. وحتى نفهم الموضوع سنتناول محورين مهمين هنا: المحور الأول: مساحة الجانب الإنساني والاجتماعي في الأعياد عند المسلمين وغيرهم. والمحور الثاني: موقف الإسلام من أداء الواجبات الاجتماعية مع غير المسلمين.

اشتمال الأعياد على العبادة والإنسانية:

للأعياد في الأديان السماوية هدفان وخصيصتان تتميزان بهما، وهي: الربانية (التعبد) والإنسانية (الاجتماعي)، فكل عيد سواء عند المسلمين أو عند غيرهم، له جانبان يؤديهما الشخص المتبع لديانته، جانب تعبدي يقوم بأدائه وهذا لا يقوم به إلا أتباع هذا الدين، وجانب اجتماعي إنساني، وهو التهنئة والتزاور والفرح والسرور وهذا يقوم به أتباع الدين ومن حولهم من غيرهم من بني البشر.

فالجانب العبادي الإيماني في العيد عند المسلم هو الصلاة، وهو لا يستغرق أكثر من دقائق، أو على أكثر تقدير ساعة من الزمن، وبانتهاء الصلاة في مصلى العيد أو المسجد، ينتهي هذا الجانب، ويبدأ الجانب الإنساني الاجتماعي بالتهنئة، والهدايا، والتزاور في البيوت، ولذا يكون في عيد الفطر لأيام معلومات، وفي عيد الأضحى أربعة أيام، فهل يستمر المسلمون في صلاة العيد أيام العيد كلها؟ يقينا: لا، بل انتهى الجانب العبادي، واستمر في هذه الأيام الجانب الإنساني الاجتماعي.

وكذلك المسيحي، فهو يصلي القداس في الكنيسة، لمدة زمنية محددة، وتنتهي عبادته حسب ديانته، ثم يخرج ليعود لبيته، ويكمل بقية جوانب العيد، وهو الجانب الإنساني والاجتماعي، وهو جانب كما نرى عندنا وعند غيرنا: لا علاقة له بالمعتقد، بل هو جانب اجتماعي بحت، زيارة وتهنئة، وطعام، ومال، وهدايا، لا علاقة له بالصليب، ولا بالمسيح، ولا بالكنيسة، ولا بالعذراء، ولا بأي طقوس دينية خاصة بهم، وكذلك عيدنا، التهنئة والزيارة، لا علاقة لها بالمسجد، ولا علاقة لها بالصلاة، ولا علاقة لها بالشعائر الدينية التي قمنا بها وقت الصلاة.

الإسلام والمنظومة الأخلاقية والاجتماعية:

فمن العبث أن نتناول الموضوع من باب العبادة، أو باب العقيدة، بل بابه معروف ومفهوم، وهو الباب الاجتماعي والإنساني، والذي أمرنا الإسلام به، فقال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة: 8، والبر: هو جماع لكل الخير، والقسط: أعلى درجات العدل، فمطلوب من المسلم أن يتعامل مع غير المسلم الذي لا يحاربه، بالبر، أي بفعل كل درجات ومستوى الخير، وكل الأمور الاجتماعية والإنسانية، هي من باب البر المأمور به في القرآن الكريم.

ولو أننا نظرنا لمنظومة الإسلام الأخلاقية والإنسانية، في التعامل مع غير المسلم في الجانب الاجتماعي سنجده أجاز المشاركة الاجتماعية فيها، فأجاز للمسلم أن يزور المريض غير المسلم، ويدعو له بالشفاء، ويهنئه بزواجه، ويعزيه في وفاة كل من يموت لديه، بل أجاز بعض الفقهاء إعطاءه من زكاة الفطر، وهي تمثل أمرا مهما في صيام المسلم، وهي تدخل في الباب الاجتماعي والإنساني، رغم أنها عبادة، لكنها عبادة مشتركة بين التعبد والمال، والمواساة بالمال.

فعندما يأتي شخص ويخرج تهنئة غير المسلم بعيده، من هذه المنظومة الاجتماعية، فهو هنا يخلط، أو يقع – بعلم أو بدون علم – في خطأ الخلط بين الموقف والفتوى من الأمر الاجتماعي، والأمر العقدي، والإسلام يسر وأمر بالأول، وشدد ونهى عن الثاني، في مجال الثوابت فيه.

لم يشدد الإسلام إلا في مجال ثوابت العقيدة والتعامل فيها، أما الجانب السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والإنساني، فقد فتح الإسلام فيه المجال شريطة ألا يتعارض مع محرم مقطوع بحرمته في الإسلام، ومن ذلك: التهنئة بعيده.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة