حكم تعطر المرأة خارج منزلها

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

 

لا تزال قضايا المرأة تشغل حيزا من التفكير الفقهي، ولا تزال نظرة الكثيرين لها نظرة التشدد والتضييق، دون المراجعة والتدقيق في نصوصها، ومن هذه القضايا: تعطر المرأة خارج منزلها، والتي لا يزال الكثير ينظر إليها من خلال بعض النصوص التي لم يراجع سندها، ولم يراجع فقهها، وشاع بين الناس رأي واحد، هو التحريم والتشديد، دون مراعاة لمستجدات الحياة، من نزول المرأة للدراسة، والعمل، والمشاركة العامة، وحاجتها لإزالة ما ينتج عن ذلك من روائح كريهة.

وبداية نوضح أنه: لم يرد في القرآن الكريم أي نهي مطلقا عن تعطر المرأة، لا تصريحا ولا تلميحا، بل ورد الحديث عن الزينة بوجه عام وضوابط عامة. ولكن وردت نصوص التعطر كلها في السنة، ولذا وجب علينا النظر فيها وفي فقهها، نظرة مختصرة سريعة تاركا من يريد المزيد إلى المصادر والمراجع التي رجعنا إليها.

تقسيم الأحاديث الواردة في تعطر المرأة:

ويمكننا بعد نظرة للأحاديث التي وردت في تعطر المرأة تقسيمها كالتالي:

1ـ أحاديث وردت في النهي عن التعطر عند الذهاب للمسجد.

2ـ أحاديث وردت في النهي عن التعطر خارج البيت.

3ـ أحاديث وردت بجواز التعطر عند التطهر والإحرام.

1ـ أحاديث النهي عن التعطر عند الذهاب للمسجد:

نرى أحاديث النهي عن التعطر أو البخور للمرأة، تتحدث عن نهيها عند الذهاب للمسجد، وأحاديث أخرى تنهى عن التعطر عند صلاة معينة، وهي صلاة العشاء، ومن ذلك:

1ـ أن أبا هريرة لقي امرأة متطيبة تريد المسجد، فقال: يا أمة الجبار، أين تريدين؟ قالت: المسجد، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم. قال: فإني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “أيما امرأة تطيبت، ثم خرجت إلى المسجد، لم تقبل لها صلاة حتى تغتسل”.[1]

2ـ وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود – رضي الله عنها – قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إذا شهدت إحداكن إلى العشاء، فلا تمس طيبا”.[2]

أما حديث أبي هريرة الأول فهو ضعيف، وإن مال الشيخ الألباني لتصحيحه، فقد ضعفه معظم العلماء الذين خرجوه. والحديث الآخر ففي صحيح مسلم فهو صحيح.

أما عن موضوعها ومتنها، فهي تتحدث عن عدم تعطر المرأة عند الخروج للصلاة ليلا، فمن الواضح أن جل شراح الحديث ربطوا النهي وعللوه هنا بأمن المرأة وسلامتها، ولا نستطيع أن نجزم بأن النهي هنا عن الخروج متعطرة مرتبط بالذهاب للمسجد فقط، بل مرتبط بتعطرها وخروجها ليلا في وقت لا أمان فيه، ويكثر أهل الشر والفساد آنذاك، ولذا كان النهي عن صلاة العشاء الآخرة، وليس صلاة المغرب، والذي يكون فيه بصيص من الضوء باقيا، بخلاف صلاة العشاء التي هي صلاة عتمة. ومن يرجع لشروح الحديث عند: ابن الملك[3] والمظهري[4] والتوربشتي[5] وابن هبيرة [6] يجد ذلك.

2ـ أحاديث وردت في النهي عن التعطر خارج البيت:

وهناك أحاديث وردت مطلقة بالنهي عن تعطر المرأة خارج منزلها، وهو:عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أيما امرأة استعطرت، فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية”.[7] وفي رواية: فهي كذا وكذا”.[8]

أما عن سند الحديث، فقد اختلف فيه علماء التخريج، ودراسة الأسانيد، فقد ضعفه المناوي[9]وحسن إسناده من المعاصرين: أحمد شاكر، والألباني، والأرناؤوط، وغيرهم.

ومن خلال الرجوع لشراح الحديث أيضا، نجد كلامهم ومن الحديث نفسه، يتحدث عمن تريد تهييج الرجال وإثارة شهوتهم، فقد خرجت من بيتها تريد الإثارة، وليس التجمل والتزين، واللام في قوله صلى الله عليه وسلم: (ليجدوا)، هي لام التعليل. وهو ما ألمح إليه معظم شراح الحديث كالأحوذي[10]والطيبي[11]والمناوي.[12]

تبويب المحدثين الفقهاء للحديث بالكراهة:

هنا ملمح مهم لمن يتناول قضية تعطر المرأة، وبخاصة هذا الحديث المذكور في النهي عن التعطر خارج منزلها، وأنها زانية كما ذكر الحديث، وهو: أن معظم المحدثين الفقهاء الذين ذكروا الحديث، جعلوا عنوان بابه ما يلي: باب ما يكره من الطيب. وما نقوله عن تبويب المحدثين الفقهاء للحديث، نجده واضحا عند إمام كبير كالإمام ابن رشد رحمه الله، والذي قال بالكراهة التنزيهية لتعطر المرأة خارج منزلها.[13]

3ـ أحاديث أمرت بالطيب للمرأة:

والفئة الثالثة من الأحاديث، أحاديث أمرت أو رغبت المرأة في التطيب، في حالتي الطهارة، وحالة أخرى أباحت التطيب قبل الإحرام بالحج أو العمرة.

فعن عائشة رضي الله عنها: أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال: “خذي فرصة من مسك، فتطهري بها” قالت: كيف أتطهر؟ قال: “تطهري بها”، قالت: كيف؟، قال: “سبحان الله، تطهري”، فاجتبذتها إلي، فقلت: تتبعي بها أثر الدم”.[14]

فالحديث هنا أمر المرأة باستعمال المسك أو العطر لإزالة آثار رائحة دم الحيض والنفاس، فهناك حالات تحتاج المرأة فيها بحكم طبيعتها الفطرية لما تزيل به أثر الروائح الكريهة، وليست الدورة الشهرية هنا سوى حالة من الحالات، يضاف إليها حالات أخرى تعرفها المرأة، وإذا تطيبت المغتسلة هنا بالمسك، ثم خرجت فهل سيزول أثره؟ من المؤكد لا، بل سيشم.

التطيب قبل الإحرام للمرأة:

والحالة الثانية التي أباح فيها النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التطيب: قبل الإحرام، ولو بقي أثره بعد الإحرام لا يؤثر في إحرامها، وقد ورد فيه حديث:

أن عائشة أم المؤمنين حدثتها قالت: كنا نخرج مع النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي – صلى الله عليه وسلم – فلا ينهاها”.[15]

أما عن سند الحديث فقد حسن إسناده: المنذري في مختصره[16]، وصحح إسناده: محققو المسند، وشعيب الأرناؤوط، والألباني وغيرهم.

فقد قال شرح الحديث عن مضمونه: جواز تطيب النساء [17] ولو بقي أثر الطيب باقيا. وقد حاول البعض أن يذهب بالحديث بعيدا عن معناه الواضح، فيقول: إن المسك المستخدم هنا لا رائحة له، بل للطهارة، وهو ما نفاه الإمامان ابن حجر والعيني، وأكدا أنه مسك أطيب من مسك الرجل.[18]

وواضح أن هذا الفعل كانت تفعله عائشة رضي الله عنها والصحابيات بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم دون إنكار منه كما روت، وكانت تفعله بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فقد ذكرت إحدى صاحبات عائشة: أنها كانت تُغَلِّف رأس عائشة أم المؤمنين بالمِسْك والعَنْبَر عند الإحرام. [19]ومن طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أمه – وهي بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق -: رأيت عائشة تنْكُث في مفارقها الطيب ثم تُحْرِم.[20]

تعطر المرأة بلا إثارة مباح شرعا:

بعد طول تأمل في النصوص من حيث سندها، وشرحها، ودلالات النصوص فيها، وفقهها، نرى أن تعطر المرأة في منزلها، أو خارج منزلها يظل الأصل المعروف في الشرع وهو: الأصل في الأشياء الإباحة، حيث إنه لا دليل قاطع مانع يمنع، وذلك إذا لم تُرد المرأة التبرج، والتبرج هنا هو القصد إلى الإظهار والإثارة، وتحريك شهوة الرجال، وهو ما عبر عنه الحديث المختلف في صحته: “ليجدوا ريحها”.

كما أنه لا يوجد دليل يناهض ما ذكرنا من أمر السنة للمرأة بالتطيب في حالتي الطهارة وقبل الإحرام بالعمرة أو الحج، وهو ما يدل على حالات أخرى، ما انتفي شرط النية بتحريك شهوة الرجال.

كما أن المرأة مجبولة على الزينة أصلا، وهو من خصائص المرأة، بل من أخص خصوصياتها: الزينة والتجمل والتطيب، في إطار ما يسمح به الشرع، فكيف تمنع منه المرأة ويضيق عليها، بينما يترك للرجل بإطلاق؟

هذه خلاصة بحث وقراءة في الموضوع، ومن أراد التوسع فليرجع لكتب الحديث وشرحها في كل النصوص التي وردت في الموضوع، وليرجع لكتب الفقه الإسلامي، سيجد أننا للأسف اعتمدنا على التحريم في الموضوع على كتب الوعاظ، وهي كتب تميل للترهيب في الأمور، حتى ولو كانت بسيطة، بهدف التربية والورع، ولكن الفقيه لا يستسلم لمثل هذه الكتب، بل يفرق بينها وبين مصادره الأصيلة في الوصول للحكم الفقهي الصحيح.

 


[1] رواه أحمد (8773) وابن ماجة (4002) والبزار (8254) وابن أبي شيبة (26864) وأبو يعلى (6479) وقال المناوي: فيه عاصم بن عبد الله ضعفه جمع. انظر: فيض القدير (3/155)، وقال أحمد شاكر: رواه ابن ماجه، وأخرجه السيوطي في الجامع الصغير ونوه بضعفه (8/415)، وقال محققو المسند: حديث محتمل للتحسين وإسناده ضعيف (14/318)، ثم جزم بضعفه بعد ذلك شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجة (5/137)، وضعفه حسين سليم أسد في مسند أبي يعلى وقال: فيه ضعيفان (11/366)، والعجيب تصحيح الألباني له في السلسلة الصحيحة برقم (1031) وفي صحيح الجامع الصغير برقم (2703).

[2] رواه أحمد (27047) ومسلم (443) عن زينب زوجة ابن مسعود.

[3] انظر: شرح المصابيح لابن الملك (2/96).

[4] انظر: انظر: شرح المصابيح لابن الملك (1/289). والمفاتيح شرح المصابيح للمظهري (1/411).

[5] انظر: الميسر في شرح المصابيح للتوربشتي (1/288).

[6] انظر: الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة (8/33).

[7] رواه أحمد (19711) عن أبي موسى الأشعري.

[8] رواه أحمد (19578) عن أبي موسى الأشعري.

[9] انظر: فيض القدير للمناوي (3/147).

[10] انظر: تحفة الأحوذي (8/58)

[11] انظر: فيض القدير للمناوي (3/147).

[12] انظر: فيض القدير للمناوي (1/276).

[13] انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (17/625).

[14] رواه البخاري (314) ومسلم (332) والنسائي (251) وابن ماجة (642).

[15] رواه أحمد (24502) و(25062)، وأبو داود (1830) والبيهقي في الكبرى (1924) وأبو يعلى (4886)  وقال شعيب الأرناؤوط في سنن أبي داود: حديث صحيح، وهذا إسناد قوي (3/232)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1615).

[16] انظر: مختصر المنذري (1/169).

[17] انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/1757).

[18] انظر:  فتح الباري لابن حجر (3/399) وعمدة القاري بشرح صحيح البخاري (9/158).

[19] رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/131) وابن سعد في الطبقات الكبرى (8/486).

[20] رواه ابن أبي شيبة (13659).

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة