مقالات

“ترتيب الأولويات” بين السياسة والإعلام والجمهور

الفكرة تكمن في سؤال يتردد دائما.. من يضع الأجندة الإعلامية وبالتالي من يضع أجندة الجمهور؟ سؤال قديم يتجدد مع تجدد وقائع وحوادث الزمن. وقد يجد صداه من خلال الوقوف عند البدايات الفكرية لمفهوم ترتيب الأولويات ووضع الأجندة في مجال الصحافة والتي تعود كما استقر الرأي الى بحوث “والتر ليبمان” Lippman من خلال كتابه “الراي العام” عام 1922، الذي يرى فيه “أن وسائل الإعلام تساعد في بناء الصورة الذهنية لدى الجمهور وفي كثير من الأحيان تقدم هذه الوسائل بيئة زائفة في عقول الجمهور”.

ذلك التصور لم يختلف كثيرا في الفكرة نفسها بعد رحلة الزمن عند (نورتن لونج) في رأيه عام 1958 “أن الصحف هي المحرك الأول في وضع جدول الأعمال الإقليمية ولها دور كبير في تحديد ما سوف يتحدث عنه معظم الناس وما يفكرون فيه على أنه حقائق”.

“ترتيب الأولويات” في فضاء الإعلام والسياسة والاتصال تبدو متجددة وغير منفصلة عن مبررات وجودها عبر الزمان والمكان مادام المستهدف بالنتيجة هو الجمهور والرأي العام. وهي تتجدد مع تجدد وسائل الاتصال وتطور تقنيات الإعلام لتلقي بظلالها على الأفكار والمناهج السياسية التي من المفترض أن تستجيب لتلك المتغيرات وتتأثر بها.

يبدو أنه ومع حكاية الإعلام الجديد وما يسمى أيضا الإعلام الرقمي والإعلام بلا حدود وبقية المسميات الأخرى. بقيت الصحافة هي الصحافة وإن تغير شكلها من الورقي الى التلفزيوني الى الإلكتروني فهو تغير في حدود الوسائل والشكل. لكن لا نعتقد أن اسما جديدا سيظهر ليبتلع اسم الصحافة والإعلام. والأمر نفسه ينطبق على السياسة حيث لا بديل متوفرا حتى الآن عن مصطلح السياسة.

الفكرة واحدة.. فما هو المتغير في صحافة وإعلام اليوم؟

الحقيقة الثابتة أن وسائل الإعلام مهما بلغت لا تتمكن يوما من تقديم ومعالجة جميع الموضوعات والقضايا التي تحدث حقيقة، بقدر إمكانيتها تحديد مساحة التركيز على بعضها والتحكم في محتواها، لتجعلها في دائرة اهتمام وتفكير الجمهور على حساب الموضوعات التي تحاول إخفاءها. وعملية اختيار أولويات وسائل الإعلام لم تتغير كثيرا سوى في طرق إخراجها وإبراز المطلوب منها أو طمس البعض من تلك الموضوعات وإن كانت على قدر من الأهمية، ما دامت أدوات تحريكها دائرة بين الطبقة الحاكمة ووسائل الإعلام المستندة على عنصري القوة والمال في كل المراحل. وحكاية اهتمام الجمهور العام ومشاركاته الإعلامية الاجتماعية وجعله عنصرا فاعلا في عملية الاتصال، إنما تقابلها عناصر القوة الغاشمة المحمية بالشرعيات الزائفة التي تستهدف إرادات الشعوب بالقبول أخيرا على ما تنتجه الطبقات السياسية المدعومة بالرأي العام التي تسعى تلك القوى المهيمنة على تضليله من خلال دوامات من المصطلحات والمناقشات التي تستهدف تلك الإرادات لإخضاعها أخيرا لإرادة صانعي القرار السياسي الذي مازال يتحكم بالمخرجات النهائية لتعدد عمليات الاتصال المتاحة صوريا للجمهور.

مشاهد تأييد ما تقدم تنطبق على الحالة العربية على العموم مع الاحتفاظ بخصوصية كل نظام سياسي بطريقة استغلال وسائل إعلامه بتنفيذ فكرة وضع الأجندة وترتيب قائمة الأولويات.

نعتقد أن تنوع وسائل الاتصال الجماهيري من المنشور الى التغريدة الى صناعة المحتوى الرقمي التي تبدو جذابة للجمهور والتي من المفترض أن تضعه شريكا فاعلا بالتأثير على وضع الأجندة الإعلامية لما هو مقبول باعتباره من أهم أولويات عمليات الاتصال التي من المفترض أن تنتج خطابا إعلاميا نابعا من قاعدة التفاعل بين الإعلام ومصادره لصناعة ثقافة سياسية تربط بين تصور إدراك الناس للواقع السياسي وبين الشؤون والاهتمامات السياسية اليومية، هذه المعطيات الجماهيرية الجديدة في عالم الاتصال كلها، تبدو بمواجهة كتلة متجذرة من الدكتاتوريات الإعلامية العميقة التي تسيطر عليها ثنائية السلطة والمال والتي تتوضح من خلال السيطرة الإدارية المحكمة على أهم عناصر إنتاج الخطاب وتسويق المعلومة ابتداء من وضع الأجندة الداخلية للمؤسسات الإعلامية على فكرة التطرف في اختيار ما يناسب أهواء القائمين على التمويل والإدارة ومصالحهم الشخصية التي لا تحدها ضوابط الفكرة الإعلامية والعلاقات المتبادلة مع ما هو حادث  في دائرة الاهتمام الجماهيري من عدمه.

ولأجل أن تكتمل الهيمنة والسيطرة على المعلومة ووسيلة إنتاج الخطاب المقيد بأجندة القائمين على إدارة العقول وتوجيه الرأي العام لحماية مصالح الطبقة السياسية والمعتاشين على هامش إمبراطوريات الاستبداد. تأخذ عناصر التأثير مداها الى آفاق أخرى أبعد من وضع الأجندة الداخلية فقط وذلك بجهود ضبط النسق الفكري للقائمين على تنفيذ الأجندة الإعلامية من العناصر البشرية العاملة التي يتم إيصالها الى مرحلة القناعة المطلقة بخطاب المؤسسة التي تنتظمهم كأدوات أساسية لإخراج الخطاب الإعلامي والدفاع عنه من خلال التكرار والاعتياد الموصل الى تجذير مفاهيم النسق التنظيمي والنسق المهني التي دون النظر الى الفكرة الأساسية لوظيفة الإعلام وأهدافه الإنسانية ومعالجاته الاجتماعية.

معادلات أخرى تدخل في نسق وضع الأجندة وترتيب الأولويات وهي الأجندة المفروضة ذاتها عندما تكون الوسيلة الإعلامية الظاهرة الى الجمهور لا تخرج عن كونها صدى وصوتا لأجندة فوقها تدور في فلكها ما يمثل حالة التضليل لتوجيه الرأي العام الى الزاوية الخطأ جماهيريا.

الصحافة والسياسة

 هذا الأمر بطبيعة أدائه ونتائجه لا يضيف جديدا في تفسير نظرية وضع الأجندة وترتيب الأولويات منذ بداياتها عام 1922 عند “والتر ليبمان” كما يرى أكثر الباحثين. مرورا بتجديد فاعلية هذه النظرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي عند ” نورتن لونغ ” في كتابه (الصحافة والسياسة) أو كما يرى البعض في كتابات الباحثين ” ماكسويل ماكومبس ودونالدشو MC Combs, D. Show وهما من لاحظ هذه الظاهرة لأول مرة أثناء الحملة الانتخابية للرئاسة الأمريكية لسنة 1972 بعد أن تمت مراجعة الملاحظة نفسها في انتخابات عام 1968.

أذن مع اختلاف النموذجين من ناحية المآلات ومدى نجاح تطبيق نظرية ترتيب الأولويات الإعلامية بين الانتخابات الأمريكية وما يقابلها من مسرحيات الانتخابات العربية وإنتاج طبقاتها السياسية. يبقى وضع الأجندة وترتيب الأولويات في العراق مثلا مشوبا بعيوب كثيرة تبدأ من حملات التزييف لإنتاج دستور عام 2005 تحت ظرف الاحتلال الأمريكي وهذا ما يتناقض مع مبدأ الإرادة الحرة للشعب العراقي في حينها. ذلك ما يفسر الصراع القائم حاليا لسد الفراغ الدستوري لاختيار رئيس للوزراء مكان رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي نتيجة الانتفاضة العراقية على مخرجات ذلك الدستور المعيب. فهل كان من الأولويات مثلا الترويج إعلاميا وجماهيريا للقبول بدستور يكتب تحت الاحتلال أو القبول بقانون انتخابات في ظل ذلك الدستور. 

وهي رسالة أيضا وقواعد من الضرورة وضعها كمعيار تمييز لنظرية وضع الأجندة وترتيب الأولويات الإعلامية. وتحديد مدى أهميتها وظروف صلاحيتها وطبيعة تنفيذها في منظومة الدول العربية التي تشهد انتفاضات وثورات نعتقد أنها ردة الفعل الطبيعية بل هي الفعل الطبيعي للرد على المخرجات السيئة للنظام العربي في إخفاقه أو تعمده وربما عدم قدرته على فهم وضع الأجندة وترتيب الأولويات. والراجح أن أنظمة الاستبداد ما كانت يوما جزءا من أجندات الدول الكبرى القادرة على امتلاك أدوات ترتيب الأولويات لصالحها.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة