لماذا يغيب التسامح في الهند؟

 

لم يعد مفهوما سر العداء المتواصل الذي يتعرض له المسلمون في الهند، فالمسلمون الذين يزيد عددهم عن 200 مليون إنسان أقلية وسط أكثر من مليار من البشر، لا يشكلون خطرا على الأغلبية الهندوسية التي استلمت الحكم بعد خروج الاستعمار الإنجليزي وانفصال باكستان.

هذه النزعة العدائية المزعجة تهدد العلاقات التاريخية بين الهندوس والمسلمين في الداخل والخارج، وتفسد ما بين الشعوب من وشائج وعلاقات تمتد لقرون، وتثير عداوات جديدة لا تتناسب مع ما وصلت إليه البشرية من تحضر.

المسلمون حكموا الهند ألف عام لم يفرضوا الإسلام على الهندوس بالإكراه، وحرص السلاطين خلال هذه الفترة الطويلة على حسن معاملة الطوائف الهندية واحترام أتباع الديانات الكثيرة العدد بود واحترام، ولم يحاولوا تغيير الطبيعة الدينية والديموغرافية للسكان حتى جاء الاستقلال وكان عدد المسلمين ربع السكان!

التعصب الهندوسي ازداد مع وصول حزب بهارتيا جاناتا بقيادة ناريندرا مودي إلى السلطة عام 2014، وتكررت الحوادث الطائفية التي أشعلت التعصب إلى ذروته مثل هدم المسجد البابري وقرار ضم كشمير وأخيرا قانون الجنسية الذي يهدف إلى حرمان ملايين المسلمين من حق المواطنة.

نزع جنسية المسلمين

شهدت الهند الأسابيع الأخيرة مظاهرات واحتجاجات في معظم الولايات بسبب قانون الجنسية الجديد، الذي يعطي حق المواطنة لكل الملل والنحل التي تعيش في الهند ماعدا المسلمين، وهدفه الحقيقي تجريد ملايين المسلمين الهنود من جنسيتهم وتحويلهم إلى لاجئين غير شرعيين في بلدهم.

لا يقتصر تأثير القانون على شرق الهند وخاصة ولاية آسام حيث تزداد كثافة السكان المسلمين، وإنما سيشمل القانون عشرات الملايين في الولايات الأخرى، في الشرق والغرب والجنوب، الذين يعيشون في القرى الفقيرة بدون أي أوراق ثبوتية.

 معظم هؤلاء الذين سيحرمهم القانون الجديد من حقهم في المواطنة من الذين نزحوا من ديارهم وأخرجوا من مدنهم وقراهم في عمليات التهجير الطائفي التي تمت في ظل الاحتلال الإنجليزي، وتفاقمت بعد التقسيم وانفصال باكستان، وقد تعمدت السلطات الهندوسية حرمانهم من الأوراق الرسمية التي تعطيهم الحق في العيش كمواطنين رغم أنهم ينتمون للعرق الهندي أبا عن جد.

الحديث عن الملايين في الهند أمر طبيعي فهي شبه قارة يعيش فيها سدس سكان الكرة الأرضية تقريبا، وهي بلد متعدد الثقافات والأعراق والديانات، وكانت في السابق مضرب المثل في التسامح بفضل حكامها المسلمين، لذا فأي قرار يستهدف مجموعة من السكان يكون ضحاياه بالملايين وليس بالآلاف.

الهند قارة، فيها 22 لغة مهمة و22 ألف لهجة موزعة على المناطق، وحتى اللغة الرسمية لا يفهمها إلا 40% من السكان، ومن الإشارات المهمة على هذا التنوع والتعدد أن الإذاعة الهندية بعد الاستقلال كانت تنطق بـ 14 لغة.

تاريخ مجيد للإسلام

دخل الإسلام الهند في الصدر الأول، في زمن الخلفاء الراشدين، وذلك لأن علاقات العرب بالهنود قديمة من خلال حركة التجارة في المحيط الهندي وبحر العرب، حيث نقل التجار المسلمون الدين الى سواحل الهند الشرقية والغربية.

كان الفتح الإسلامي لشبه القارة الهندية من الشمال الغربي في عصر الدولة الأموية بقيادة محمد بن القاسم الثقفي في عهد الوليد بن عبد الملك عام 92هـ -711م، وظل الوجود الإسلامي في بلاد السند حتى قدوم السلطان محمود الغزنوي عام 1050م وفتح “دلهي” وكان اسمها القديم ” دهلي” وأقام الحكم الإسلامي في الهند، واستمر بلا انقطاع حتى سقوطه عام 1857 على يد الإنجليز.

احتفظ المسلمون بحكم الهند بعد الغزنوي، وتم تداول السلطة بين العديد من الأسر، أبرزها الغوريون والمماليك الأتراك الذين تصدوا لجيوش جنكيز خان، والخلجيون، وبلغت قمة مجدها في عصر المغول المسلمين (1526م إلى 1857م) وهم أحفاد تيمورلنك الذين اتسعت مملكتهم حتى شملت معظم الهند، وأسسها ظهير الدين بابر وبلغت أقصى اتساع لها في عهد حفيده الملك جلال الدين أكبر.

الآثار العظيمة في الهند من قلاع وحصون وقصور التي يتباهى بها الهنود الآن بناها الملوك المسلمون، خاصة الملك شهاب الدين شاهجهان الذي تولى الحكم في 1628م باني التحفة المعمارية تاج محل، الذي يعتبر من أعاجيب الدنيا السبع، وبناه كضريح دفن فيه زوجته التي أحبها.

الاحتلال والتقسيم الطائفي

حرص ملوك المسلمين على التعايش بين الطوائف، وحموا التنوع الديني والعرقي، ووفروا المناخ الحافظ لكل الثقافات، ونشروا الرخاء في ربوع البلاد وكانوا كرماء لم يحتكروا الثروات وجعلوا الشعب يعيش في رغد العيش.

ظل المجتمع الهندي متماسكا قرونا طويلة حتى قدوم المستعمرين الأوربيين، وكانت البداية بالحملة البرتغالية في القرن السادس عشر، ثم تبعها الهولنديون والبريطانيون والفرنسيون، وبدأت لعبة نشر التعصب الطائفي ليوسعوا نفوذهم الذي بدأ اقتصاديا ثم تحول إلى احتلال عسكري مستغلا حالة الضعف التي بدأت تضرب الحكم الإسلامي.

كان الهندوس في مجملهم يؤيدون المسلمين في نضالهم ضد الاحتلال الإنجليزي، وشاركوا في التصدي للوجود الأجنبي، وظلوا على عهدهم حتى آخر ثورة في الهند ضد الإنجليز تحت قيادة سراج الدين بهادر شاه آخر امبراطور مسلم عام 1857 والتي لم يكتب لها النجاح بسبب الخيانات وعدم التنسيق بين الولايات الهندية الثائرة.

بعد فشل الثورة استهدف الإنجليز المسلمين الذين كانوا يحكمون بالقتل والإزاحة من السلطة، وبدأت خطة الاحتلال بتمكين الهندوس وتعيينهم في كل المناصب الحكومية وقيادة الجيش وعزل المسلمين، ولكن رغم ذلك ناضل الطرفان معا لنيل الاستقلال، وأيد المسلمون البقاء مع الهندوس في دولة واحدة، لكن ظهور نزعة العداء واستئثار الهندوس بالسلطة وتهميش المسلمين شجع القادة المسلمين في الشمال للانفصال وتشكيل دولة باكستان عام 1947.

النية السيئة للهندوس في سحق المسلمين هي التي أدت إلى التقسيم، فالتعصب والرغبة الجارفة في الانفراد بالسلطة ورفض منح الولايات ذات الأغلبية المسلمة أي سلطة، ورفض التمثيل النيابي للمسلمين بما يناسب نسبتهم السكانية والمذابح الطائفية أطاحت بالوطنية لصالح الطائفية، بل اغتال المتطرفون الهندوس غاندي واتهموه بالتسامح مع المسلمين.

كانت اتفاقية التقسيم تنص على أن تنضم الولايات ذات الأغلبية المسلمة إلى باكستان، وذات الأغلبية الهندوسية تنضم إلى الهند، فتمسك الهندوس بكشمير بسبب موقعها الاستراتيجي وثرواتها وأنهارها، ورفضوا انضمامها إلى باكستان رغم أن 80% من سكانها من المسلمين، ورفضوا قرارات الأمم المتحدة بإجراء استفتاء ليقرر السكان مصيرهم.

كانت دولة باكستان في البداية تضم باكستان الغربية (الحالية) وباكستان الشرقية (بنجلاديش) لكن الهندوس غزوا المنطقة الشرقية عام 1971 بجيش قوامه نصف مليون جندي، ودعموا حركة المعارضة الانفصالية، ومنعوا الوحدة مع باكستان، وأقاموا فيها حكما مواليا من البنغال، مازال حتى الآن تابعا للهند، ورفضوا انفصال مناطق شرقية أغلبيتها من المسلمين أبرزها آسام التي تظهر الخرائط أنها جغرافيا منفصلة عن الهند.

التقسيم أنقذ مسلمي الشمال لكن من بقي في باقي الولايات الهندية ظلوا يعانون من التطرف الهندوسي وسياسات التمييز ضدهم واستضعافهم، ولكن حزب المؤتمر الذي أسسه الإنجليز عام 1885، والذي حكم الهند منذ الاستقلال كان أخف وطأة من القوميين الذين يحكمون الآن، ويريدون تحويل الهند الى دولة دينية هندوسية لا وجود للإسلام فيها.

***

الذي يشجع القوميين الهندوس للسير في طريق العداوة ضد المسلمين الهنود حالة الانهيار الاستراتيجي التي يعيشها العالم العربي، فالهند وغيرها من دول آسيا مثل الصين وبورما تتجرأ وتظلم المسلمين بسبب ضعف القلب العربي، بل هم يشاهدون حكام العرب يحاربون دينهم، وينفذون السياسة الصهيونية والأمريكية التي تحارب الإسلام.

لحين عودة العقل للموقف العربي الرسمي ويدرك الحكام والملوك أن لهم إخوة مسلمون في الهند فإن الشعوب تستطيع أن تقول كلمتها وتناصر المظلومين، وتتبنى الدفاع عنهم، للضغط على الغلاة من القوميين الهندوس، عسى أن يعود التوازن للعلاقات التاريخية، ويحل التعايش بدلا من الحرب، ويسود التفاهم والتسامح لمصلحة الجميع.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة