حروب الشعوب وحروب الحكام

 

يحاول الإعلام السلطوي المصري في هذه الفترة محاولات مستميتة، لفرض حالة استنفار وطني بين طوائف الشعب تستند إلى أن الوطن يخوض حروبا وطنية تحتاج لتضافر الشعب مع الجيش والوقوف خلف الزعيم الحاكم الذي سيعبر بالوطن لبر الأمان وهو الوضع الذي يفرض فيه المنطق موقفا واحدا يلزم الجميع تأجيل أي خلافات والتغاضي عن أي اختلافات، تحت الشعار الأزلي لدى النظم الحاكمة المصرية المتتابعة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

الأسبوع الماضي داهمتنا حملة ابتزاز منظمة على مواقع التواصل الاجتماعي تتهم كل من لن يقف وراء الجيش المصري في حربه ضد تركيا في ليبيا بالخيانة!، كلام وعبارات أشبه بالنكات السخيفة أو بلغو الحديث الذي لا يستند إلى منطق، وخاصة أننا لا نعلم عن تاريخ أو مقدمات أو أسباب لهذه الحرب، وبصرف النظر عن سخافة هذه الدعوات وتخلفها، إلا أنني متفهم لدوافع النظام المصري في نشر مثل هذه الترهات، فهو يعيش امتداد الحالة التي تعيشها الأنظمة الحاكمة منذ عام 1952 في مصر، والتي تفرض عليه دائما خلق أحداث ومخاطر وكوارث تحيط بالوطن وتجعل من وجوده ضرورة وحتمية، ولكن مأساة النظام الحاكم الحالي، أنه لا توجد أحداث تتحمل المواقف المائعة أو الانحياز المتستر، لهذا فهو لضعف إمكانياته لا يدقق في تصنيع الأحداث التي تجعل من وجوده ضرورة، ودعونا نناقش الأمر بكل محاوره

وطنية زائفة

الأنظمة العسكرية السابقة على النظام الحاكم الآن في مصر، كانت تصنع ضرورة وجودها من تفاصيل لها وجود فعلي في الواقع وهو ما يسهل إقناع الشعب بأهمية وجود النظام الحاكم العسكري وضرورته، حتى لو كانت نية النظام وضع حدود وأسقف لهذه المعارك تتناسب مع مصالحه، مثلما حدث في حرب 1956 حيث فضل نظام ثورة يوليه حسم الحرب بالضغوط الخارجية وهذا لا ينفي دور الشعب المصري في المقاومة، إلا أن النظام فضل وضع حدود وسقف لحرب الشعب بأن حدد تسليح الشعب ووضع فرق المقاومة المدنية تحت قيادة أفراد من الجيش، فقد كان النظام العسكري الحاكم يخشى من حركة الشعب أكثر من حرصه على كسب المعارك مع العدو الخارجي بشكل حاسم، لهذا فضل أن يكون النصر مستندا إلى ضغوط خارجية وليس إلى مقاومة شعبية، فجاء انتصارا منقوصا نتيجتة تثبيتُ قدم إسرائيل في المنطقة وإعطاؤها الفرصة للانقضاض في جولة ثانية على الحدود المصرية عام 1967 وتحقيق تقدم كبير في مشروعها الاستعماري.

ولم تختلف أساليب النظم الحاكمة العسكرية في مصر بعد هزيمة 1967 عن الأسلوب الذي اتبعه النظام في حرب 1956. فقد كانت الأولوية تجنيب الحراك الشعبي لخشية النظام منه حتى ولو على حساب المواجهة مع العدو الصهيوني.

هي طبيعة الأنظمة العسكرية الحاكمة التي تري في الشعوب والمجتمع المدني منافسا لها يهدد وجودها.

نظام بائس

أما عن النظام الحاكم الآن فهو نظام بائس قليل الحظ، فالمؤامرات الاستعمارية والمخططات الصهيونية وصلت لمرحلة مستقرة تجبر الأنظمة الحاكمة العربية على تحديد انحيازها بوضوح ودون أي مؤامة يمكن أن تخدع بها شعوبها، ولقد اختارت معظم الأنظمة الانحياز ضد شعوبها ولصالح المؤامرات الاستعمارية، إلا أن النظام الحاكم المصري لايزال في حاجة لأسباب يقدمها للشعب تبرر وجوده، لهذا لجأ إعلامه القليلُ الحيلة إلى خلق هذه الحالة من الاستنفار الساذج المستند إلى حكايات وحواديت حول عدو وهمي ومخاطر تحيط بالوطن، بعيدة كل البعد عن المخاطر الحقيقية التي تحالف معها النظام، مثل الخطر الصهيوني، فتارة نسمع عن مؤامرات قطرية وتارة تركية، وتارة من الغرب، وطوال الوقت يدعوا الإعلام الرسمي القليل الخبرة والحيلة الشعب المصري للاصطفاف خلف جيشه في مواجهة مؤامرات وعدو غير موجودين، وهي حالة تذكرني بواقع فلكلوري كنا نعيشه ونحن صبيان في أحيائنا فنتذكره ونضحك.

فتوة الدقي وسيد غبارة

وسأذكر من هذا الفلكلور الذي عشناه فترة الصبا من خلال كلمات قليلة حكاية على سبيل التخفيف والخروج من تأثيرات نكد الواقع المحيط بنا، ونستطيع أن نعنونها بحكاية «فتوة الدقي وسيد غبارة»، فقد عشنا هذه الفترة زمن الفتوة «المتصيت» الذي تسبق حكاياته وبطولاته أفعاله، وهي الأفعال التي لم تحدث أبدا، ومنهم بيومي فتوة الدقي وجيشه من البلطجية الذين لم يختبروا أبدا في أي عاركة حقيقية.

وكان بيومي يعلن عن غزواته لتأديب بعض الأشخاص في الأحياء المجاورة لحي الدقي، وتظل التعبئة ويظل الحشد دائرا في تصاعد عدة أيام شاملا كل شوارع الحي، فيزيد الرعب والخوف بين أهل المنطقة من بيومي وجيشه، ومع توالي الأيام وقفز مشكلات محلية داخل الحي ينسى الجميع خبر الغزوة المزعومة، ولا يبقى منها سوى مشاعر الخوف من الفتوة بيومي والتي تولدت وتعاظمت بفعل “التصييت” الناتج عن حكايات وحواديت البطولات الوهمية عن بيومي وجيش بيومي الذي لا يقهر، وفي يوم غير متوقع أساء بيومي التقدير وقرر نزول حينا لتأديب أحد الأشخاص، ومن بين أهل حينا كان فتى يعمل موان(بائع أدوات بناء) اسمه سيد غبارة قوي البنية ويتميز بشجاعة شديدة وغباء أشد عند الغضب، وما أن وصل بيومي بجيشه من الفتوات على حدود منطقتنا حتى خرج له سيد غبارة بوجه غاضب، وحين رآه بيومي وقف متصلبا وكأنه أصيب بصدمة كهربائية، وفجأة صاح: «مين؟ المعلم غبارة؟، أنا كنت جاي أتشرف بيك واشتكي لك من فلان، ما أنت الكبير وما يصحش انزل منطقتك من غير ما أعدي عليك»، وانتهت المعركة والمشكلة على مائدة المفاوضات في قهوة الشيخ وكلنا أهل وأحباب، ولكن النتيجة النهائية أن ظل أهل الدقي يخافون بيومي وجيشه الوهمي، وأهل منطقتنا يعملون مليون حساب لغبارة، وكلاهما لم يدخل معركة.

الدجل الإعلامي

والحقيقة أن الإعلام الذي يستمد وجوده من السلطة الحاكمة على حساب انحيازه ضد الشعب دائما ما يكون إعلاملا ًفاشلاً يستند إلى ثوابت وهمية يروج لها ليصدر صورة وهمية عن مفاهيم الوطنية والخيانة، ومن هذه الثوابت وجوب وقوف الشعب وراء جيشه في أي تحرك عسكري تأمره به القيادة السياسية الحاكمة، وأن عدم مباركة الشعب للجيش في هذه المعركة يعتبر خيانة.

والحقيقة أيضا أن الإعلام الفاسد في تصديره لهذه الصورة لا ينطلق من تقديسه للجيش كما يدعي، وإنما هذا التقديس ذريعة يبرر تبعيته كخادم للحاكم، ولو تعارضت مصلحة الحاكم مع مسار الجيش لتغير موقفه، كما حدث سنة 1882 عندما وقف الجيش  المصري ضد الاحتلال الإنجليزي على غير رغبة الحاكم الخديوي توفيق، فما كان من جريدة الأهرام إلا أن وقفت في صف الخديوي وهاجمت الجيش ووصفت أحمد عرابي بالخائن بل وصل الأمر إلى مباركة الاحتلال الإنجليزي لمصر، وظلت مدرسة الدجل والتبعية الإعلامية للحاكم ممتدة من أهرام 1882 حتى يومنا، إذا فالأمر لا يخص الجيش ولا الشعب ولا المصالح الوطنية بقدر ما يخص العلاقة الفاسدة بين إعلام فاسد ونظام مستبد.

خبرات عالمية

وهناك مواقف عالمية يظهر فيها رفض الشعب لحروب يخوضها وطنه لحساب النظام الحاكم ، لأنها كانت حروباً أسبابها صراعات بين مصالح الأنظمة وليست بين مصالح الشعوب مثلما حدث في روسيا فترة الحرب العالمية الأولى، وكانت روسيا على شفا ثورة ضد حكم القيصر يقودها البلاشفة الروس بقيادة «لينين»، ووقتها أعلنت الأحزاب الشيوعية والاشتراكية في العالم وقوفها في الحرب ليس في صف دول أمام دول وإنما إعلان الحرب على كل الأنظمة الرجعية، بهدف الوصول إلى مكسب تكون نتيجته سقوط كل هذه الأنظمة وليس انتصار دولة على دولة، وهو ما عُرف وقتها بنظرية «الحرب على الحرب»، والشاهد أن المقصود أن الحروب التي تدخلها الجيوش لتحقيق مصالح الحكام، هي حروب ليس للشعوب فيها ناقة ولا جمل، بل إن الانتصار فيها قد يؤدي إلى تقوية النظم المستبدة، الحروب الوطنية الحقيقية هي الحروب أمام العدو الحقيقي الذي يهدد أراضي وكرامة الأوطان مثل العدو الصهيوني.

ليس هذا مقالا بقدر ما هو مناقشة لتصويب مفاهيم فاسدة وتفسيرات معيبة للوطنية والخيانة يحاول الإعلام الفاسد فرضها علينا كثوابت.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة