(في بيتنا ثانوية عامة).. وجه آخر لأزمة التعليم في مصر!

 

على غرار التوتر والرعب الذي سيطر على أسرة مصرية مسالمة لا علاقة لها بالسياسة وجدت نفسها فجأة في فيلم (في بيتنا رجل) مضطرة لإيواء شاب مطلوب لأجهزة الأمن يناضل ضد الاحتلال الإنجليزي، والمصريين المتعاونين معه، فإنه في كل عام دراسي ترفع مئات آلاف الأسر المصرية شعار (في بيتنا ثانوية عامة).

عدد طلاب الصف الثالث الثانوي الذين أدوا الاختبارات هذا العام 2019 بلغ 730 ألف طالباً وطالبة.

 والفارق مع الفيلم، أن الثانوية، وهي الضيف الثقيل المثير للرعب، لا تأتي فجأة، ولا تفرض نفسها من دون استئذان، فالأسر تعلم تعلم بموعدها وتعيش بسببها عاماً من القلق والعذاب بجانب الإنفاق المالي المرهق على أبنائهم في التعليم الموازي.

التعليم الموازي

إذا كان موسم التعليم الرسمي الجديد سينطلق يوم 21 من هذا الشهر، فإن موسم التعليم الموازي خارج المدارس الحكومية الرسمية بدأ مطلع شهر أغسطس/آب الماضي.

 والتعليم الموازي يكبر ويتسع ويصير تدريجياً صلب التعليم في مرحلة الثانوية العامة المؤهلة للالتحاق بالجامعات، وهو له أماكنه، وجداول مواعيده، وحصصه المنتظمة، وحضوره، وكتبه الخاصة، ومذكراته التي تلخص المناهج، وقواعد عمله التي تجري بشكل دقيق عبر قنوات الدروس الخصوصية سواء في بيوت الطلاب، أو في غرف يستأجرها المدرسون لهذا الغرض، أو في مراكز تعليمية خاصة مهيئة ومنتشرة لاستقبال ألوف الراغبين في الحصول على الخدمات التعليمية في مختلف المواد الدراسية، وفي التقديرات أن كلفة هذا النوع من التعليم تبلغ أكثر من 13 مليار جنيه سنوياً، وفق حسابات قبل تحرير سعر الجنيه، أي أن هذا المبلغ لابد أن يكون قد ارتفع بشكل كبير.

ولهذا، من المحزن أن تكون صفوف الثانوية العامة بالمدارس الرسمية، خاصة الصف الثالث، فارغة من الطلاب، فقد استغنوا عنها حيث لا يرون فائدة من ذهابهم إليها واستهلاك الوقت فيها، بينما هم ينتظمون فعلياً في التعليم الموازي، ولا يتخلفون حصة واحدة عنه، فقد بات تعليمهم الأساسي المعتمد والمؤهل للنجاح رغم أن كلفته المالية عليهم مثل الشيك على بياض.

 والعائلات التي لها أبناء في الثانوية تحرم نفسها من متع الحياة، أو تستقطع من الضروريات، أو تستدين للصرف عليهم في هذا التعليم الذي يتم خارج المدرسة الحكومية، وبالتالي تتراكم على كثير من المصريين مصاعب الحياة، والفواتير اليومية والشهرية تزداد ارتفاعاً وتعقيداً مع الغلاء الفاحش، وضعف القيمة الشرائية للجنيه، وارتفاع نسب الفقر والبطالة والتضخم والركود، وسحب السلطة للدور الاجتماعي للدولة بمواصلة الغاء دعم السلع والخدمات الأساسية.

تعليم وتعذيب و”بلد ضايع”

يمكن وصف عام الثانوية بأنه موسم التعذيب التدريجي البطئ، أو هو استنزاف بالنقاط لمن يصيبهم الدور من العائلات، ومع نهايته تكون الأعصاب احترقت، والروح كادت تصل إلى الحلقوم، والجيوب نضب ما فيها من مال قليل، وإما تنطلق الزغاريد  وتعم الأفراح، أو تنسكب الدموع وتسود الأحزان.

لا أريد أن أكون سوداوياً وأحط من قدر التعليم، يجب أن نحلم ولو بخيط أمل من بعيد، كما نود شطب العبارة التي تقول: “يعمل إيه التعليم في بلد ضايع”، لأن البديل لانهيار التعليم أو التخلي عنه هو تعميق الجهل، وانتشاره في المجتمع أفقياً ورأسياً، وهنا لن ينجو من التجهيل العام إلا أبناء الصفوة فقط القادرين على تعليم أبنائهم وتحمل النفقات، علاوة على أن التعليم قوة الدفع الأساسية في إنقاذ البلد الضائع ووضعه على الطريق الصحيح، علاج البلد الضائع في وصفة التعليم والعلم والعقل والفكر.

رفض سوداوية المشهد يتطلب في نفس الوقت الإقرار بأن منظومة التعليم الأساسي والجامعي في تراجع، فهي لا تخرج أجيالاً ولا تبني شباباً وشابات يمكنهم صنع نهضة، أو دفع تنمية، أو إقامة  حضارة، فلا تجد بين المتخرجين باحثين واعدين مبشرين لخدمة العلم وإفادة البشرية بدراسات وإنجازات تجعل المجتمعات العلمية المتقدمة تتحسب لهم وتتفاعل معهم.

وفي كل عام ينضم للجامعات مئات ألوف الطلاب من الناجحين في الثانوية ويتخرجون حاملين شهادات جامعية، ثم لا يكون لهم أثر يتجاوز البحث عن وظيفة، أي وظيفة في هذه المرحلة خصوصاً، حتى لو لم يكن لها علاقة بتخصصه، ولا بما درسه خلال سنوات طويلة.

غياب إرادة ورؤية تطوير التعليم

المشكلة أن التعليم في عقل الأنظمة المتعاقبة لم يكن  ضمن سياساتها، فلم تهتم بتطويره ونقله من خانة الحفظ والتلقين والحصول على شهادات فقط وانضمام مئات الألوف من أصحاب الشهادات العليا والمتوسطة لصفوف البطالة سنوياً إلى خانة التعليم الجيد القائم على الإبداع والابتكاروالتجديد في مختلف المجالات العلمية والفكرية والإنسانية، منظومة التعليم التي تستهدف تخريج عقول مفكرة تواكب العالم المتحضر غير موجودة بشكل جاد، ولا تشغل القائمين على العملية التعليمية، وصانعي السياسات العامة.

والبلد الذي يريد الفرار من كهف التخلف والخرافة لا يكون ذلك إلا عبر بوابة التعليم، فهو الذي يقوم بالدور الفعال في تنشئة أجيال واعدة، وبناء عقول قادرة على التفكير العلمي والبحثي المنهجي، وعلى امتلاك أدوات الحضارة والخروج من أسر قيم التخلف السلبية المعطلة للتوجه للأمام، وتأسيس العقل النقدي فهو الوحيد القادرة على انتشال المجتمع من هاوية التسطيح والدجل إلى آفاق التفكير العلمي والارتقاء لأعلى.

وحتى لا نظلم الطالب، فالمؤكد أن هناك من بين الـ 700 ألف طالب ثانوي، من لديهم الرغبة والقدرة أن يكونوا باحثين بارعين في مجالات المعرفة الإنسانية، وعندما ينضمون لزملائهم الذين سبقوهم في الدراسة والتخرج فإن المجتمع يكون لديه جيوش من النخب العقلية القادرة على جعله ينتقل إلى الضفة الأخرى من التحديث والتنوير، لكن السياسة وفلسفة الحكم ورؤية السلطة هي المفتاح في بناء تعليم حقيقي وتخريج متعلمين فعالين أو العكس بترك التعليم يتراجع ويهبط حتى يصير عملية موسمية تقليدية تبدأ وتنتهي بلا فاعلية لينضم كل عام مئات الآلاف من أصحاب الشهادات العليا لطوابير البطالة، أو يبحثون عن مهرب للخارج، أو يتظاهر الحاصلون على شهادات الماجستير والدكتوراة  طلباً لوظيفة، أو يحتج أساتذتهم الذين علموهم بسبب تدني رواتبهم.

  التعليم .. والحريات

لم تضع دولة في العالم قدميها على طريق التنمية والتحديث إلا بالتعليم الصحيح، حدث ذلك في اليابان والمانيا، وأمريكا، وبريطانيا وفرنسا، ودول إسكندنافيا، وكندا، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، وفي كل بلدان العالم الأول والناهض، وهذه الأمم كما تركز على التعليم لمزيد من النبوغ فإنها تركز على قيم الحريات والحكم الديمقراطي والعدالة والعيش الكريم كذلك لكي يكون النهوض شاملاً ويقف على ساقين وليس ساقاً واحدة، فالتعليم الإبداعي، وليس التقليدي التلقيني بحاجة للحرية والأمان للمجتمع والبحث العلمي والنقاش العام.

موازنات التعليم بين الفتات والسخاء

التعليم الناجح بحاجة لموازنات مالية سخية، وليس الفتات مما يتساقط من الموازنات الضخمة التي تذهب للوزارات والأجهزة التي تحمي النظم المستبدة لفرض قبضتها الفولاذية في حكم شعوبها، ويلاحظ أنها لا تضع التعليم على رأس أجندتها وكأنها ترغب في تجهيل مواطنيها حتى تقتل الوعي والتفكير لديهم ويسهل لها التحكم فيهم.

 بينما في الحكم الديمقراطي يتم تخصيص أكبر الموازنات للجهات التي تخدم وتبني الإنسان محور التنمية مثل التعليم والبحث العلمي والصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية والبيئة وغيرها.

 والحكم الرشيد لا ينشغل بتوفير المليارات لأجهزة القمع للسيطرة على الشعوب، فهو ليس بحاجة لذلك، فالحاكم الذي يختاره الناس بحرية لن يخشى الانقلاب عليه، أو الثورة ضده، ولن يلجأ إلى تحصين نفسه بسلطات أمنية وعسكرية وقضائية وإعلامية ينفق عليها المال العام الذي يستقطعه من موازنات التعليم ومرافق الخدمات التي ترتقي بالمواطن.

في الأنظمة المصرية المتعاقبة، كانت قضية تطوير التعليم وإزالة كابوس الثانوية العامة مجال تصريحات وخطط ومشاريع، ويأتي وزير ويذهب آخر من دون أن تتوفر إرادة جادة لتطوير جذري لتعليم حداثي حتى صار واحدة من المعضلات التي بلا حل.

 والتماس الحل أخيراً في مشروع تابلت لكل طالب يواجه الإخفاق ويجلب السخرية المريرة.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه