مقالات

سنوات ضوئية بين هونغ كونغ وتركستان الشرقية

 

سبعة ملايين إنسان في حاضرة حديثة مكتظّة اجتذبوا أنظار العالم شهوراً متواصلة. إنها جماهير هونغ كونغ التي أعلنت الغضب بعد أن حاولت إدارتها المحلية سنّ قانون في إبريل/ نيسان 2019 يسمح بمحاكمة مواطنين في محاكم تسيطر عليها الحكومة الصينية المركزية؛ بما أثار المخاوف من تقويض الحريات والحقوق الديمقراطية في هذه الرقعة. انتفضت البؤرة الواقعة في أقصى شرق الصين في فعاليات جماهيرية دؤوبة ومتعاظمة ضد مشروع القانون، فوضعت بكين في موقف حرج إزاء العالم، حتى دفعت بقوات عسكرية على مقربة من الحاضرة المحظية دون أن تفلح في ترهيب المظاهرات.

حاولت كاري لام، الرئيسة التنفيذية لهونغ كونغ، تهدئة الجماهير الغاضبة بلا جدوى عندما أعلنت في يونيو/ حزيران عن تعليق مشروع القانون الذي أشعل الموقف، ولم تَلْقَ خطوتها قبولاً، ثمّ رضخت أخيراً للضغوط الشعبية معلنة في الرابع من سبتمبر/ أيلول عن سحبه. استجابت لام بهذا لأحد مطالب خمسة يتبنّاها المتظاهرون الساعون إلى حقوق ديمقراطية كاملة في هذه المنطقة الإدارية؛ التي انتقلت تبعيتها من بريطانيا إلى الصين سنة 1997 مع الإبقاء على اقتصادها الحرّ ومنحها إدارة ذاتية داخلية.

الصين ليست واحدة

على بعد آلاف الأميال من البؤرة الغاضبة التي تتصدّر الأغلفة ونشرات الأخبار تتوارى “صين أخرى” تماماً خلف ستار الهدوء والتعتيم. إنه إقليم تركستان الشرقية المسلم الواقع على طريق الحرير التاريخي، الذي تسيطر عليه الصين منذ سنة 1949 ويُعرَف باسم سنجان أو “شينغيانغ”، وفيه تبدو هواجس هونغ كونغ ترفاً مُغالى فيه على أي حال. تُمسِك السلطات الصينية بخناق الحياة اليومية في الإقليم المهمّش الواقع في وسط آسيا، وتستعمل سياسات وإجراءات ظنّ العالم أنه تجاوزها إلى غير رجعة بعد الحرب العالمية الثانية.

صار العالم على معرفة تقريبية بما يجري في هذا الإقليم الذي يشغل سدس مساحة الصين أو خمسة أضعاف مساحة اليابان، فالتقارير المستقلة والشهادات المتضافرة تَصِف سياسات رهيبة وإجراءات مرعبة تُمارَس بتعتيم بالغ مع السكان المسلمين من إثنية الأويغور المهمّشة، التي يفوق تعدادها أحد عشر مليون نسمة يشكِّلون نحو نصف سكان الإقليم الذي يحظى بحكم ذاتي على الورق وبكثير من الاضطهاد في الواقع. تتضافر المؤشرات على أنّ الحرية الدينية لمسلمي الإقليم هبطت إلى دركات واقعة تحت الصفر بمراحل، وأنّ السلطات تجاوزت حدّ اقتحام حياتهم الشخصية إلى درجة وضع سلوكهم اليومي تحت الفحص الدقيق والمراقبة المشدّدة بأساليب عدّة. تتوالى تقارير عن معسكرات اعتقال جماعية مكرّسة لما يُعرَف في منطق السلطات بـ”إعادة التأهيل”، وفيها يُزجّ بمئات الآلاف من المسلمين في عمليات منهجية للإخضاع النفسي والثقافي وغسيل الأدمغة حسب أهواء السلطات، قدّرت منظمة “العفو الدولية” وجهات أخرى مستقلة عددهم بمليون محتجز. فضحت تقارير أخرى سياسة نزع أطفال أويغوريين من أسرهم لفرض تغيير قسري على الأجيال وفق مبادئ النظام الملحد. تنسجم هذه السياسات القهرية مع مسعى تصيين تركستان الشرقية أو “شينغيانغ”، بما في ذلك دفع صينيين من أقاليم أخرى إلى الاستيطان فيه وفرض تغيير ديموغرافي طويل الأمد تميل فيه الكفّة لقومية الهان الصينية المُستجلَبة، وهي سياسة أذكت توتّرات إثنية دامية كما جرى مثلاً في أورومتشي في يوليو/ تموز 2009، ويومها انحازت الرواية الرسمية عن الصدامات، كما هو متوقّع، لصالح الهان على حساب الأويغور.

لا مجال لإطلاق صرخة قهر مسموعة أو صيحة حرية مدوِّية في هذه الرقعة، ففوْق السطح في حواضر الأويغور وبلداتهم، مثل كاشغر العاصمة التاريخية لتركستان الشرقية، وأورومتشي العاصمة الحالية للإقليم، تفرض السطوة المرعبة صمتاً مطبقاً. تخنق السلطات الصينية فرص البوح المتاحة للأويغور في زمن التشبيك الإلكتروني ومنصّات التواصل الحرّة وتأتي بممارسات تستأنف خبرات اضطهاد كانت معهودة في عهد ماو تسي تونغ، لكنها تستعين اليوم بأدوات تقنية لم تنعم بها عهود بائدة.

على الجبهة الأخرى يحظى ناشطو هونغ كونغ بامتياز التقنية الحديثة ويستعملونها بسخاء للإفصاح عن غضبهم وتحدِّي بكين وإحراجها في العالم، بما أعان على وضع حراكهم في بؤرة الاهتمام الإعلامي عبر الكوكب الذي يُعايِش ما يجري يوماً بيوم. للتقنية وجهها الآخر الذي انقلب على الأويغور في إقليمهم المقهور؛ فالسلطات توظِّفها بعناية في مراقبة أنفاسهم وتعقّب سلوكهم وفرض “الانضباط” عليهم. تُسفِر الرقمنة في تركستان الشرقية عن وجهها المرعب، فهي تتجنّد أداة في يد السلطات لتحويل الحياة في الإقليم إلى معسكر اعتقال مفتوح يجعل إنسانها مرصوداً بدقّة، ومنها أنظمة مُدمَجة في المرافق اليومية للتعرّف على الوجوه. وظّفت السلطات الصينية التقنية الشبكية في التلصّص على المواطنين ومراقبتهم بخوارزميات مكرّسة لتعزيز السطوة، وصار تفتيش الهواتف المحمولة للأويغور أسلوباً شائعاً بحثاً عن محتويات لا تروق للسلطات. لا تُتيح هذه الضغوط الهائلة أي فرصة لنضوج عمل مدني مستقلّ عن النظام أو لمظاهرات تطالب بحقوق الأويغور وحرياتهم، ومن المألوف وصم أي تحرّكات في صفوفهم بدمغة الإرهاب و”إثارة الشغب” مع ما تجرّه هذه السبّة من عواقب وخيمة على الحياة والسلامة الشخصية.

بين الأضواء والتعتيم

تبدو هونغ كونغ محظية للغاية إذاً، فهي تقع في دائرة الضوء العالمي، بما شجّع جماهيرها على تطوير أساليب فعّالة في الاعتراض وطرائق مؤثِّرة في التظاهر شهراً بشهر وأسبوعاً بأسبوع مع استشعار حالة من الحماية في ظلال ذلك. جسّدت مظاهرات هونغ كونغ حالة تضامن داخلية مذهلة في وجه الاعتقالات والسلوك القمعي، فما أنْ تستفرد عناصر الشرطة بمتظاهر حتى يتدخّل زملاؤه فوراً للحماية والردع، وما إنْ تصيب  الشرطة متظاهرة سلمية في عينها اليمنى حتى تتدفّق الحشود في المرافق العامة والمشافي وقطارات الأنفاق وقد حجبت عيونها اليمنى بأياديها أو بإلصاق قطن مصبوغ بالأحمر القاني. تلقّف أهالي هونغ كونغ، في فضاء الحرية النسبية الممنوحة لهم، خلاصة الخبرات المعولمة في فعاليات الحشد والتعبئة والتعبير الجماهيري عن مواقفهم الضاغطة، وأبدعوا في تطوير مبادرات وتحرّكات فاجأت السلطات وأربكتها. صارت مراكز التسوّق الحديثة موئلاً لحشود افترشت فضاءاتها وأوقفت عجلة الحياة الاعتيادية. وتحوّل مطار المدينة إلى محطة للتظاهر الهادئ المنسجم مع طبيعة السكان، بما أدّى إلى تعليق العمل به أحياناً وأذكى تدويل الاهتمام بالمظاهرات ومنحها حصانة من السحق الذي مارسته الآليات العسكرية مع معتصمي ميدان تيان آن مين في بكين سنة 1989.

ما كان لهذا كلّه أن يحدث في هونغ كونغ لولا الحضور المُسبَق لمجتمع مدني على الأرض معزّز بمجتمع شبكي فاعل للغاية يملك أدوات الضغط ويجرِّبها. وممّا شجّع جماهير هونغ كونغ على تحدِّي السلطات على هذا النحو ما تحظى به هذه الرقعة من امتيازات خاصّة ضمن الفضاء الصيني الكبير، فالإدارة الذاتية تقيِّد تدخّلات بكين في شؤون هونغ كونغ الداخلية.

يقف متظاهرو هونغ كونغ، إذاً، في بقعة مَُضاءة بعناية في الوعي العالمي، فهنا بقيّة من بريطانيا التي كانت سيدة المكان حتى أواخر القرن العشرين، حتى إنّ بعض المتظاهرين اجترؤوا على رفع العلم البريطاني في رسالة تحدِّ واضحة تعلن التذمّر من التبعية للصين وتشي بالخشية من الإلحاق الناعم بسلطاتها. يمسك مواطنو هذه الحاضرة المحظية بالهواتف الذكية في أيديهم التي تضعهم على مسارات الحضور النشط عبر العالم، فالصور والمقاطع والتعليقات تتدفّق من أناملهم عبر المعمورة فتتلقّفها الشاشات الغربية التي تواكب ما يجري يوماً بيوم.

تفاوت القيمة الإعلامية للبشر

بين هونغ كونغ الواقعة في أقصى الشرق وتركستان الشرقية الواقعة في أقصى الغرب فجوة هائلة أبعد من المسافات المتراخية ضمن دولة واحدة. لا يُخطئ الزعم بأنّ لإنسان هونغ كونغ قيمة مضاعفة في التداول الإعلامي العالمي عن إنسان كاشغر أو أورومتشي الذي يحيط به تعتيم مُطبِق رغم التقارير المتزايدة عن سياسات الاضطهاد والتغيير الثقافي القسري. تَحضُر وجوه الجماهير في المدينة المحظية وتتجلّى انفعالاتها على نحو مرئي في الشاشات، بينما تتوارى حقائق القهر تحت السطح الهادئ في إقليم مسلم واقع في النطاق المعتم من الوعي الأممي رغم التسريبات المتلاحقة عن سياسات وممارسات رهيبة تتفاقم فيه. لا بواكي لضحايا الأويغور، فعذاباتهم لا تتردّد أصداؤها في الخارج إلا قليلا وقد تتسرّب بعض أنبائها بعد آماد زمنية بمعزل عن الصور والمقاطع والتغطيات الإعلامية المباشرة. ما زالت وجوه الأويغور وأسماؤهم محجوبة عن الوعي الأممي، بما يُغري السلطات الصينية بالتمادي في سياسات القهر والسطوة المفروضة على الشعب الأويغوري.

لدى بكين ما تتسلّح به من ذخائر دعائية لتبرير حملاتها القمعية وسياساتها “الثقافية” في “شينغيانغ”، حتى أنها لم تتقاعس عن استغلال تطورات الخطاب الدولي المتوتِّر بعد منعطف 11 سبتمبر/ أيلول 2001 فاغترفت من قاموس “مكافحة الإرهاب” ومواجهة “التطرف” ما حاولت به تبرير حملاتها ضد الأويغور التي لا تقف عند حدود مطاردة منظّمات تنادي بالاستقلال. دخلت سياسات القهر والتغيير الديني والثقافي طوراً متفاقماً منذ مارس/ آذار 2017 باعتماد “القوانين المتعلقة بإزالة التطرّف”. تقضي هذه القوانين بمطاردة أي مظاهر تدلّ على الانتماء الديني والثقافي للأويغور مثل إطلاق اللحى أو ستر الشعر أو صوم رمضان أو تجنّب شرب الخمر أو حيازة كتب دينية. يتزايد منسوب الاشتباه بمقتضى هذه التشريعات لدى سفر الأويغور إلى الخارج للدراسة أو العمل خاصة في بلدان وأقاليم مسلمة، وهو ما يشير إلى حرص السلطات على قطع وشائج الصلة بين الأويغور والعالم الإسلامي, ويتوسّع الاشتباه مع تلقِّي اتصالات خارجية من الأقارب بما يضطرّ الأهالي إلى قطع علاقاتهم مع ذويهم المقيمين خارج الصين. تخدم هذه الأساليب المروِّعة تمزيق النسيج الاجتماعي للأويغور، بما يشمل أيضاً احتجاز البالغين في معسكرات اعتقال وسلب الأطفال للتربية خارج أسرهم في أماكن بعيدة واضطرار أعداد أخرى إلى مغادرة بلادها فراراً من الضغوط القاهرة.

الاضطهاد في ذروته

يبلغ الاضطهاد ذروته مع الزجّ بمئات الآلاف من الأويغور في معسكرات اعتقال جماعية مكرّسة للتغيير الديني والثقافي وغسيل الأدمغة. تحتجز السلطات نحو مليون من هؤلاء المسلمين في ما تسمِّيها “مراكز تأهيل مهني في سبيل مكافحة الإرهاب”. تسرّبت في سنة 2018 تفاصيل عن ممارسات تفوق الوصف في هذه المعسكرات التي لا تلتزم بأيّ من معايير الحقوق والعدالة، وفيها يًُمارَس التنكيل والإذلال والتعذيب مع المحتجزين ويُفرَض عليهم ترديد شعارات السلطة وحفظ المقولات الأيديولوجية للحزب الشيوعي الصيني، مع إخضاعهم لعمليات غسيل أدمغة تشمل الإبعاد عن الدين وهوية الأويغور.

ليست “الجمهورية الشعبية” بلداً واحداً في واقعها الداخلي، فعوالمها متفاوتة الطبقات ومُتباينة المراتب، وتبدو الفوارق الماثلة للعيان بين هونغ كونغ وإقليم الأويغور تجسيداً نموذجياً لفجوات الوعي والاكتراث ولتبايُنات القدرة والحظوة بين جماعات البشر. إنه عالم لا تتساوى فيه الحقوق ولا تتكافأ لديه الفرص إلاّ في بعض الشعارات، وتشهد الصين في داخلها على شيء من هذا.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة