“محمد علي” وساعة الصبر

 

 

محمد علي مقاول شاب، قرر الانقلاب على دولة العساكر التي عمل معها وخبر خباياها، وأكد ما كان يترامى إلى آذان المصريين من صور النهب والفساد التي يديرها النظام والدوائر المحيطة به، من خلال شاهد عيان تحول إلى شاهد ملك! ثم سخرته الأسباب لجمع شَتاتٍ تبعثر وإحياء الأمل في نفوس تسرب إليها اليأس أو تمكن منها الكسل.

“محمد علي” ليس عباس العقاد حتى تقف عند نظام جُمله، أو جَمال نظمه، وليس سيد قطب لتنعم بظلال أفكاره، وتسعد بسبر أغواره، وليس الشيخ الشعراوي ولا عبد الحميد كشك فتنتظر خواطره الإيمانية أو خطبه الثورية النارية،

وإنما هو حالة مصرية تشبه واقع مصر، وتصلح للبناء عليها للثورة على خصم في حجم عبد الفتاح السيسي.

كفة محمد علي

وحتى لا نُطفف المكيال، ولا نُخْسر الميزان، فإن كِفة “محمد علي” الأولى ظاهرة للعيان، وهو لا يخفيها ولا يتنكر لها، أما ما وضعه في كِفته الجديدة فيحتاج إلى مزيد إيضاح وبيان:

حيث استطاع أن يسقط الفكرة التي قام عليها مشروع السيسي في الحكم والسيطرة، وهو العبور الثاني بالأمة الفقيرة من مرحلة الاحتياج والعوز إلى مرحلة “أم الدنيا وأد الدنيا” حيث كشف أن حاميها حراميها، وأن الذي يتحدث عن العوز، يرتع هو وجنرالاته في السرف والبذخ، حتى كَتبتْ عن ذلك قبل يومين صحيفة التايمز البريطانية إحدى أكبر الصحف العالمية في تحقيق نشر على صفحاتها!

كما استطاع أن يَكسر حاجز الخوف عند الكثيرين من خلال كتابات الناس على وسائل التواصل الحديثة التي تخطت الملايين، وحلت في مرتبة الصدارة بين الأكثر تداولا…

في الوقت الذي عجزت فيه آلة السيسي الإعلامية التي تعددت أذرعها، وأَنفق عليها الملايين لمثل هذه اللحظة، وغاب أي صوت يعبر عن دعم الجنرال في محنته! مما تطلب استدعاء عواجيز الفرح وبهلونات الفن والرقص ليكرروا نفس الكلمات التي قالوها في نصرة مبارك الذي خلعته ثورة يناير!!

كما أعاد “محمد علي” إلى الأذهان فكرة النزول إلى الشارع، والحشد من أجل التغيير بعدما كانت من معاني الزمن الجميل..

وفي تقديري أن أهم ما أنجزه “محمد علي” إلى الآن هو حالة الارتباك الظاهرة على كل مفاصل النظام، وحالة الاستنفار القصوى التي يعيشها العساكر، وحالة الفزع التي تسيطر على نفسية السيسي الذي بات يشك في كل من حوله، ويتوقع أن تأتيه الخيانة من كل مكان، لأن الخائن يتوقع الخيانة من كل أحد..

النفخ في بوق الثورة

وكما لعب خمر السلطة برأسه، وداعب خياله، فهو لا يأمن من السكرة التي تُغيب الفكرة، وتسحق الولاء، الذي لا يقوم على انتماء.

“محمد علي” نفخ في بوق الثورة فوصل صوته إلى كل المصريين بعدما هدم السيسي المنارة وقتل المؤذن!

والآن ساعة جِد وعمل، وليس وقت فلسفة وتنظير، وكلٌ أدرى بما في يده، وبما يملك أن يساعد به، وحسبك من ذلك أن “محمد علي” حرك الماء الراكد، وفضح النظام الفاسد، بمقاطع هاتفه التي تفوقت على أقدم وأشرس آلة إعلامية في العالم العربي.

يروي التاريخ عن أبي الفوارس عنترة بن شداد أنه سُئل: بماذا كنت تهزم الخصم وتحقق الظفر؟ فقال: بالصبر!

وأذكر أنني في الرابع من فبراير/شباط إبان ثورة يناير على شاشة قناة “العربية” وفي غفلة من حراسها خاطبت جموع الثوار في التحرير وفي ميادين مصر المختلفة قائلا: إنما النصر صبر ساعة، فمن كان في ميدان فليثبت في مكانه، ومن كان في بيته فليهرع إلى الميادين. وإن الساعة في زمن الثورات ليست جملة من الدقائق، وإنما خطوات تتسارع، وضربات تتلاحق، وهزات تتوالى، تخلخل أوتاد الفساد، وتنزع جذور الاستبداد، لذا يطيب لي أن أكررها الآن:

إنما النصر صبر ساعة.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة