مقالات

الانفاق السعودي على الدفاع بلا جدوى

 

تعددت صور التهديد للأمن السعودي من قبل الحوثيين، منذ أن بدأت حرب تحالف الخليج عليهم في مارس 2015، فبعد أن نالت صواريخ الحوثيين من المدن السعودية الحدودية مع اليمن، اتجهت لقصور الأمراء، ثم إلى المنشآت المهمة مثل المطارات، ثم كان التطور الأخطر مؤخرًا، باستهداف منشآت النفط السعودي عبر الطائرات المسيرة.

وقد يكون من السهل حصر الخسائر في اليمن من حيث البشر والبنية الأساسية، ولكن العكس في الجانب الآخر وهو السعودية، فثمة تعتيم على الخسائر في ميادين القتال، أو داخل الأراضي السعودية، حتى أن الرقم الحقيقي للإنفاق السعودي على تلك الحرب، لا يُتحدث عنه من قريب أو بعيد، وهو ما يمكن تفسيره بفادحة الخسائر السعودية.

مقومات منقوصة

ثم وظائف رئيسة منوطة بوجود الدولة للقيام بها، منها الدفاع الخارجي، وتحقيق الأمن الداخلي، والقيام بأعمال القضاء، والتمثيل الدبلوماسي الخارجي. ولكن التطورات الأخيرة التي تشهدها السعودية منذ حرب اليمن وحتى الآن، تجعل مقومات قيام الدولة السعودية بوظائفها الرئيسة محل إعادة نظر.

حتى أصبح الوضع في السعودية يشير إلى افتقادها لأهم وظائف الدولة، وهو توفير الدفاع الخارجي، فماذا يعني امتلاك السعودية لأحدث النظم الدفاعية التي كلفتها مليارات الدولارات، ثم تخترقها صواريخ محدودة التكنولوجيا أو طائرات مسيرة؟

ولم يعد الأمر يقتصر على العجز عن الدفاع الخارجي بل امتد للعجز عن توفير الأمن الداخلي، فما نال قصور الأمراء، من شأنه أن ينال بيوت عموم السكان في مدن سعودية أخرى، وما نال المطارات يمكن أن ينال من منشآت حيوية أخرى، وما نال منشآت أرامكو النفطية، من شأنها أن يعرض الاقتصاد السعودي، لأزمة مالية حقيقية تضاف لوضعها المالي المتراجع منذ عام 2015 وحتى الآن.

لقد حلت السعودية في المرتبة الثالثة في واردات التسليح على مستوى العالم، بعد أمريكا والصين، وظلت لسنوات تحتل المرتبة الرابعة وفق هذا المؤشر، وتشير بيانات وزارة المالية السعودية إلى أن مخصصات الدفاع والأمن في الميزانية العامة للدولة بلغت 837 مليار ريال (223 مليار دولار) خلال الفترة من 2016 – 2019.

ووفق وسائل الإعلام البريطانية، فإن السعودية أبرمت صفقة أسلحة مع بريطانيا في يوليو 2019 بلغت قيمتها 650 مليون جنيه استرليني، وهو ما يمثل 10 أضعاف مبيعات بريطانيا من الأسلحة في عام 2018، وفي يوليو 2019 فشل الكونغرس في إيقاف تصدير صفقة أسلحة أمريكية للسعودية قدرت قيمتها بنحو 8 مليارات و100 مليون دولار، بسبب استخدام ترمب حق الفيتو.

ورغم نجاح السعودية في استيراد السلاح من بريطانيا وأمريكا، بتجاوز حكومات البلدين للبرلمانات والأحكام القضائية منتصف عام 2019، إلا أن تهديد الحوثيين للسعودية لم يتوقف، بل ازداد، ليثبت بعد شهور معدودة من هذه الصفقات فشل سياسة البذخ في شراء الأسلحة، وأن مقومات النجاح في الدفاع عن الدول، لها عوامل أخرى بجانب الإنفاق المالي.  

إنفاق بلا عائد

توضح أدبيات المالية العامة، بأن العبرة في الإنفاق، ليست قيمته صغيرًا كان أو كبيرًا، ولكن العبرة بالعائد من الإنفاق، فقد تكون مخصصات الانفاق لا تتعدى 10 دولارات ويكون ذلك إهدارا للمال العام، وقد تكون مخصصات الإنفاق مليارات الدولارات، ولكنها تحقق الغرض منها، ويكون إنفاقا في محله.

ولكن في الحالة السعودية، يلاحظ أن كثيرا من بنود الميزانية العامة، لا تحقق الهدف من قيمة الإنفاق عليها، وبصورة خاصة في حالة الإنفاق على الدفاع والأمن، إذ لا يزال بنك أهداف الحوثيين يضم قائمة كبرى من المنشآت السعودية، بعد أن وصل إلى العمق الاستراتيجي للأمن القومي السعودي، من خلال استهداف منشآت نفطية لشركة أرامكو.

ويمكن أن نشير إلى مظاهر عدم جدوى الإنفاق السعودي على الدفاع والأمن من خلال المظاهر الآتية:

  • كون التحالف الخليجي بقيادة السعودية والإمارات، يفشل في حسم حرب اليمن بعد نحو 4 سنوات ونصف، أمام ما يمكن أن نسميه مجموعات مسلحة، فإن ذلك يعني أن الإنفاق على التسليح السعودي سواء كانت أسلحة هجومية أو دفاعية بلا جدوى. لقد نفذت طائرات التحالف مئات الطلعات الجوية، ولم تستطع من خلالها حسم الحرب على الأرض.
  • لم يعد ميدان الحرب الأراضي اليمنية، التي هاجمتها قوات التحالف، بل امتدت إلى خارجها، لتكون مجموعات الحوثيين المسلحة، هي صاحبة المبادرة وتنفيذ الهجمات في العمق السعودي، مما أدى إلى إخلاء بعض المدن السعودية المتاخمة للحدود اليمنية.
  • سيكون لما بعد ضرب المنشآت النفطية لشركة أرامكو شأن آخر من التأثير السلبي على الاقتصاد السعودي، فأول الرسائل السلبية التي تسكن نفوس المستثمرين السعوديين والأجانب، هي أن المجتمع السعودي غير آمن لممارسة النشاط الاقتصادي أو ضخ استثمارات جديدة.
  • ستكون المشروعات الكبرى التي تبناها محمد بن سلمان ولي العهد أكبر المتضررين، لأنها قد تكون مستهدفة لدى الحوثيين في الخطوة القادمة، وبالتالي ستكون الاستثمارات التي ضُخت فيها، معطلة إلى أجل غير مسمى. وقد يوقف ذلك إقبال أي مستثمرين أجانب على الاستثمار في هذه المشروعات.

في الختام، ثمة عوامل مهمة يتحقق من خلالها الأمن، بجوار القوة الخشنة، ومن أهمها أدوات القوة الناعمة، وهي تتطلب الكثير من الأموال، بل قد يفوق ما تم الإنفاق عليها، ما ينفق على القوة الخشنة، ولكن للأسف السعودية خسرت منذ خوضها لمشروع الثورات المضادة للربيع العربي، كثيرا من قوتها الناعمة، وفي نفس الوقت لم تكن على المستوى المطلوب لاستخدام القوة الخشنة.

وهو الأمر الذي صب في اهتزاز معيار مقومات الدولة في السعودية، بسبب فشلها في تحقيق الدفاع الخارجي، وكذلك الأمن الداخلي.    

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة