مقالات

معركة محمد علي والسيسي: شريط سينما ممتد

ها هو الشعب المصري ينتظر بشغف فيديوهات محمد علي ويستدعي من الذاكرة "أقلام لبلب" الذكي على وجه عنتر وعصابته وتتحول مقاطع الفيديو وأقلام لبلب إلى كومكيس على صفحات التواصل الاجتماعي.

 

يعشق الشعب المصري فن السينما، وهذا الشريط الساحر الذي يمر أمامهم محملا بأحداث وروايات وشخوص، ومنذ أول عرض سينمائي بالإسكندرية في بدايات القرن العشرين، والمصريون مغرمون أيضا بما يحدث أمامهم على الشاشة الفضية ويتخيلون حياتهم، بينما يتقمص الأطفال الصغار في شوارع مصر ما يشاهدونه على السينما، ويندمج الشعب المصري مع أبطال الأفلام ويتغنون بأسمائهم، وخاصة هذا البطل الشعبي الذي يواجه الظلم ويهزم العصابة، وينتصر للحق.

لهذا لم يكن غريبا أن تستدعي ذاكرة المصريين في المعركة الدائرة على الساحة السياسية بمصر بين فرد واحد هو محمد علي والسيسي ونظامه (كما يبدو حتى الآن) صورا لأبطال سينما وأحداث وأفلام سينمائية شاهدها على الشاشة ليسقط عليها أحداث هذه المعركة، وتحول محمد علي إلى بطل خيالي من أبطال السينما التي مرت على الشعب المصري.

محمد علي ومعركة فيلم عنتر ولبلب

كانت الصورة التي تمثلت أمام المصريين وهم يتابعون بشغف شديد فيديوهات محمد علي التي هزت عرش الديكتاتور الساكن في قصور الرئاسة، ولاقت نجاحا جماهيريا، وأصبح المصريون وبعض العرب يتابعونها وينتظرون موعد بثها؛ فاستدعت الذاكرة الشعبية من شريط السينما فيلم عنتر ولبلب، وهو الفيلم الذي عرض في أبريل/نيسان ١٩٥٢، ويتناول شخصية لبلب ابن الحارة البسيط (الفنان محمود شكوكو) الذي يحلم بالزواج من حبيبته، فيظهر أمامه عنتر (الفنان سراج منير) الذي يتمتع بالقوة والعضلات والثراء ويسكن في قصر! لينافسه على حبيبته ويكون الرهان على ٧ صفعات يوجهها لبلب الضعيف لهذا القوى الغبي، وينجح لبلب بذكاء كبير في مهمته وسط دهشة الحارة.. ها هو الشعب المصري ينتظر بشغف فيديوهات محمد علي ويستدعي من الذاكرة "أقلام لبلب" الذكي على وجه عنتر وعصابته وتتحول الفيديوهات وأقلام لبلب إلى كومكيس على صفحات التواصل الاجتماعي.

محمد علي ضد الحكومة 

شخصيه محمد علي المقاول ( الفنان) الذي يعمل مع المؤسسة العسكرية في مصر، ويتأقلم مع فساد الحياة في مصر بما فيها من رشاوى ثم ينتفض عليها في لحظه درامية (لا نعلم تفاصيلها حتى الآن)، ويبدأ في عمل خطة ذكيه ليهرب من براثن نظام فاسد مستبد لا يتوانى عن فعل أي شيء، ويذهب بمن يعارضه إلى السجون يخفيهم قسريا ولا ندري أين هم؟ ( مصطفى النجار والآلاف من قبله مثلا ) ..
استطاع محمد علي أن يخدعهم ويخرج من بين أياديهم إلى خارج البلاد، ويبدأ في هز عرش السيسي حتى بدأ الأخير هزيلا متوترا في مؤتمره للرد على فيديوهات محمد علي، ويعترف بكل الحقائق التي رصدها الفنان المقاول.
هذا التحول الدرامي في شخصية محمد علي ووقوفه ضد النظام استدعت في ذاكرتي فيلم (ضد الحكومة) عن محامي تعويضات (الفنان أحمد زكي) انكسرت أحلامه في منتصف السبعينيات فاندمج مع الحكومة والفساد فيها، وقال بطل الفيلم: "أدركت قانون السبعينيات ولعبت به"، وعند لحظة تطهره جرى تهديده من قبل محامي الحكومة وأستاذه السابق بالجامعة: " أنت نسيت نفسك.. ها نطلع لك تاريخك السيئ".
وهي الطريقةنفسها لإعلام السيسي الفاسد في تشويه المعارضين، وهو ما حدث مع الفنان المقاول.

ويصرخ بطل الفيلم: "كلنا فاسدون حتى المواطن قليل الحيلة فاسد بالصمت العاجز"، ويلوذ بالمحكمة عندما كان في مصر محاكم تستطيع إنصاف مواطن..
وحاليا يلجأ محمد علي لليوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي، ويصرخ أيضا في مواجهة إعلام السيسي: "يعني أنا لو حياتي الشخصية اتعدلت مصر ها تتعدل". جاء ذلك في آخر فيديو له معلقا على المؤتمر الشباب الذي عقده السيسي للرد عليه.

 قصة فيلم الفرح

استدعت مقاطع فيديو محمد على التي حققت ملايين المشاهدات، ولم تستطع أية مواجهة إعلامية أن تحد من تلك المشاهدات، وفشل السيسي وإعلامه ونظامه في أن يبعدوا الشعب المصري عنها ..
ولعل كشف محمد علي عن إخفاء السيسي لخبر وفاة أمه لمدة أسبوعين حتى يمر الاحتفال بتفريعة قناة السويس، فاستدعى الشعب فيلما حديثا أنتج في عام ٢٠٠٩ قبل ثوره يناير بعامين، هو فيلم الفرح من ويحكي عن رجل (الفنان خالد الصاوي) يتعثر في ديونه (عكس السيسي الذي ينفق أموال الشعب بسفه وقصور يسكن فيها)، فيقرر عمل فرح بالحارة ليجمع النقطة التي شارك بها أفراح الناس سابقا، وأثناء التجهيزات للفرح المزعوم تموت أمه فيتخيل الرجل وهو نائم بجوار أمه أنه استمر في عمل الفرح دون أن يعلن وفاه أمه، وينتفض من الحلم رافضا إكمال الفرح، ويعلن عن وفاه والدته (حتى الفيلم الخيالي لم يستطع مؤلفه ومخرجه أن يتغافل عن القيمة الحقيقية للأم).

أخيرا: هل يكسب ظاظا  المعركة؟

بينما تعكس السينما أحداثا كثيرة مرت علينا في سنوات الديكتاتور الحاكم الذي يعلن دون خجل ويعترف بكل ما قاله المقاول الفنان محمد علي من أسرار لها علاقه بالبذخ والفساد الذى تتم به الأمور في مصر فيعلن: "آه بنيت قصور وهابنى قصور تانية أمال ها نعيش على قصور محمد علي بس" ..

وكأن القصور الملكية البالغ عددها ٣٠ قصرا، لا تكفي لكى يسكن فيها هذا الديكتاتور المستبد، ويرد محمد علي عليه بأنه فاشل وخائب ..
 يذكرني محمد علي وصراعه الذي يحاول دائما أن يجعل الشعب المصري داخله بفيلم حديث آخر أُنتج في عام ٢٠٠٦ هو فيلم "ظاظا" الذي يحكى عن استدعاء النظام لمواطن بسيط (الفنان هاني رمزي) يلعب دورا في انتخابات الرئاسة أمام الرئيس الذي يحكم ليوهموا الشعب بمسرحية انتخابية، وينقلب السحر على الساحر ويتحول المواطن البسيط بتلقائيته، وكلامه البسيط إلى بطل شعبي لدى الناس وينجح في الوصول لكرسي الرئاسة ولكن أحلامه العادلة والتي تحقق أهداف الشعب لاتروق لمن جاءوا به وخصوصا القوى الخارجية فيخططون لقتله ..
وبينما أشاهد مؤتمر السيسي الأخير واعترافه بفساد مؤسساته واعترافه بكل ما جاء في فيديوهات محمد علي تذكرت كلمه الحناوي (الفنان كمال الشناوي) في فيلم ظاظا، وهو يقول لوزرائه: "الواد ها يأكلني بشويه الكلام الحلو.. والناس مصدقاه.. أنا لازم أعمل حاجة.. اعملوا حاجه الرئاسة هتروح مني)..

"عملوا" للسيسي مؤتمرا، وحشدوا شبابا وخبراء في حروب الجيل الرابع وغيرها، لكنه بغباء شديد اعترف بما يقوله المقاول في مقاطع الفيديو الخاصة به.

فهل يكسب الفنان المقاول معركته في مواجهة نظام فاسد مستبد لا يتوانى عن التخلص من معارضيه بكل السبل سواء القتل أو السجن أو الأحكام الظالمة أو الاختفاء القسري؟، وهل يستمر الشعب المصري في لعب دور المتفرج والتعامل مع محمد علي كأنه بطل على شاشة السينما أو من الأساطير الشعبية القديمة كعلى الزئبق أو أدهم الشرقاوي أو حتى لبلب بطل فيلم عنتر ولبلب؟

هذا ما ستكشفه الأيام ولكنها أيام حبلى بالأحداث، وعندما يتخلص أبناء يناير من معاركهم الداخلية ومن إحباط واكتئاب السنوات الست الماضية، فإننا على موعد جديد مع يناير جديد ولكن هذه المرة من دون خداع من مؤسسات كنا نعتقد أنها غير فاسدة ومخلصة للوطن!

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة