ماذا لو أرادت ميركل بناء قصر جديد للحكم؟!

 

فجرت قصور السيسي موجة عارمة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن أقر بها في مؤتمر الشباب الذي أكد فيه على استمرار بناء قصور جديدة، في وقت يعاني فيه المصريون من مشاكل الفقر، وتدني الخدمات، وأزمات الصحة والتعليم، وارتفاع الدين الداخلي والخارجي.

بحكم إقامتي في ألمانيا طرحت على نفسي سؤالا في خضم هذا الجدل الكبير هو: ماذا لو أرادت المستشارة الألمانية بناء قصر جديد للحكم؟!!

أستطيع أن أؤكد أن ميركل أقوى امرأة في العالم، والتي تحكم أقوى اقتصاد في أوربا، والثالث عالميا، لا تستطيع اتخاذ قرار بناء قصر، أو حتى بدروم في شقة دون موافقة البوندستاج “مجلس الشعب” المنتخب من الشعب الألماني، فالمؤسسات الألمانية من القوة والمتانة بحيث لايمكن أبدا اختراقها من قبل الحاكم، أو تسييسها وتطويعها لرغباته ونزواته المجنونة.

تعطل طائرة ميركل

أتذكر في العام الماضي أن طائرة المستشارة الألمانية عانت مشكلة فنية وهي تحلق فوق الأجواء الهولندية أثناء رحلة للمستشارة الألمانية إلى الأرجنتين من أجل أن تلتحق بقمة دول السبع، ولم تكن هي المرة الأولى التي تتعطل فيها الطائرة، فقد سبق وأن تعرضت لسلسلة من الأعطال من قبل: كان إحداها بسبب تآكل بعض الكابلات بسبب الفئران، وبعد أن تم فحص الطائرة من قبل لجنة مختصة أصدرت تقريرا فنيا بعدم صلاحيتها للطيران مجددا.

إن حماية المال العام مهمة مقدسة في الدول الديمقراطية وليس فيها أي لبس، لقد قالت وزيرة الدفاع الألمانية السابقة والتي أصبحت رئيسة للمفوضية الأوربية الآن “اورزولا فون دير لاين” في تعليقها على تعطل طائرة ميركل آنذاك والتي تدخل في نطاق عملها، إن الوزارة هي المسؤولة عن شراء الطائرات الحكومية، وأحيانا يتم شراء طائرات مستعملة بسبب ضغط النفقات.

أي إن الوزراء الألمان، والحكومة الألمانية يستخدمون طائرات مستعملة لضغط النفقات، والحفاظ على أموال دافعي الضرائب، وهذا هو أحد أسباب عظمة تلك البلدان الديمقراطية، في حين نرى أن أي ديكتاتور من دول العالم الثالث قد يصرف ميزانية الدولة كلها، ويقترض الملايين من أجل شراء الطائرات الفارهة، وتشييد القصور الفخمة له ولأولاده من نقود الشعب.

المقارنة الظالمة

المقارنة بين الأنظمة الديكتاتورية والديمقراطية واسعة جدا، فمن واقع أمثلة قصور السيسي وطائرة ميركل،  نجد أنها تحمل في مضمونها معاني كثيرة تنعكس فيها قيمة وطموحات الشعوب لدى حكامها، فالحاكم الديمقراطي الخاضع لحساب الشعب لا ينفصل عنه، ولا يضع نفسه في برج عاجي، وتواضعه هو احترام للشعب، ففي النهاية هو يعرف أنه  مجرد موظف عادي عند شعبه مهمته حماية الدولة،  والصالح العام،  وسط رقابة شعبية وبرلمانية صارمة على عكس حكام الدول الغارقة  في الظلام، والتي تفوح منها رائحة الدم من هول ما يحدث لشعوبها على أيدي حكامها، فهم  أكثر الناس استعلاءً، “وفشخرة”، وبعدا، وانفصالا عن شعوبهم، وحبا لأنفسهم،  ويعتبرون دائما أنفسهم  فوق جنس البشر.

احترام أموال الشعوب، والأموال العامة تأتي في أولوية الحكومات الديمقراطية التي تعرف أنها أتت لحماية أموال الشعب، لقد استقال من قبل وزير الدفاع الألماني الأسبق رادولف شاربنج عندما كشفت إحدى الصحف الألمانية أنه استخدم طائرة من سلاح الجو الألماني في القيام برحلة خاصة إلى فرانكفورت لمقابلة صديقته هناك،  وكان الرئيس الألماني الأسبق كريستيان فولف أيضا قد تعرض للمساءلة بعد أن كشفت صحيفة  بيلد تسايتونج أنه سافر في رحلة خاصة على الدرجة الأولى مستغلا وظيفته وطالبوه برد الفرق الذي لم يزد عن ثلاثة آلاف يورو.

لم تخجل ميركل أن تستقل طائرة تجارية في رحلة عادية إلى اجتماع أغنياء العالم في الأرجنتين من أجل توفير بضعة مئات الآلاف من اليورو لخزينة الدولة، في حين يبرر رئيس الدولة المصرية بناء القصور بأن ذلك يؤكد عظمة مصر.

القصور الخيالية

في التاريخ الألماني قصص كثيرة  ومثيرة على محاسبة المخطئين والمبذرين لأموال الشعب، لكني تذكرت قصة الملك لودفيج الثاني حاكم  ولاية بافاريا الأشهر، ففي عام 1861 بدأ مشروعا كبيرا لبناء عدد من القصور الضخمة التي لم يكن بحاجه لها، لكنه كان خياليا ويعاني  من أزمات نفسية منها جنون العظمة ، فراح يبني القصور الخيالية منها قصر نيو شفان شتاين الفخم في سنة 1861 والذي لم يُستكمل حتى الآن،  وفي عام 1885 كان الملك قد أصبح مديونا ب 15 مليون مارك آنذاك  فطلب منه معاونوه وقف بناء القصور، لكنه رفض واستمر في القروض من كل ملوك أوربا، ولم يستطع أقطاب الحكم احتمال ذلك، فاجتمعوا من أجل الإطاحة بالملك، واستطاعوا استصدار وثيقة طبية بتوقيع أربعة من أطباء البلاط الملكي  بأن الملك يعاني خللا نفسيا ومريض بجنون العظمة، ومن هنا تمت إزاحته من الحكم بطريقة دستورية، مات بعدها غريقا في بحيرة شتارنبرجر زي أو تم اغتياله بمعني أدق.

لم تشهد ألمانيا منذ انتهاء عهد القياصرة والملوك بناء أي قصور لأهل الحكم ومنذ تشييد الدولة الحديثة الديمقراطية تتم إدارة شؤون الحكم في القصور القديمة سواء كان ذلك في الأقاليم أو مقر الحكم في برلين

ومعروف أن المستشارة الألمانية تقيم في شقة عادية بعمارة قديمة وفي الشارع أسفل العمارة يقف شرطيان فقط للمراقبة، وكان المستشار شرودر يقيم في منزل بالإيجار ما زل يقيم به حتى الآن.

هنا تسكن ميركل

 

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة