صندوق الدنيا واشتغالة الفساد

 

سألني صديق يعيش خارج مصر عن الأوضاع، فكانت إجابتي التلقائية «صندوق الدنيا»، ولا أعلم سر السرعة التي أجبت بها على سؤاله، غير أنني بعد التفكير أدركت أنني نقلت حالي وحال الملايين الذين يعيشون في مصر وسط أحداث متداخلة ومشاهد متنوعة ومغامرات متشابكة وكأنهم جالسون على «دكة» المشاهد أمام صندوق الدنيا ورأسهم مغطى بالقماشة السوداء يتابعون من خلال عدسة الصندوق الأحداث والحكايات، بعدها يصبحون أسرى لها ليس لساعات أو أيام بل لسنوات طويلة.

هكذا نحن أسرى لما يفرض علينا من موضوعات في هذا الدنيا تماما مثل التي فرضها علينا صندوق الدنيا في طفولتنا.

كان القائم على تشغيل حكايات صندوق الدنيا يسلب منا القروش القليلة التي نحصل عليها من الأهل كمصروف مستغلا لهفتنا لمتابعة المشاهد البانرامية داخل الصندوق، فنعود مفلسين دون تحقيق المستهدف الرئيسي من المصروف وهو شراء الحلوى والتمتع بها، وربما كان الصندوق أيضا سببا في فقدان البعض لمداسهم أو قطعة من ملابسهم تٌسلب منهم وهم مشغولون بمتابعة سيرة أبو زيد والزناتي خليفة وقطر الندي، وهذا ما يحدث معنا في الدنيا الآن ومن خلال صندوقها الأكبر الذي يتنوع بتنوع وسائل التواصل الاجتماعي، وتبدلت عدسة صندوق الدنيا بشاشات الكومبيوتر والتليفونات المحمولة.

ما علينا، قد يرى البعض في صندوق الدنيا اشتغالة (إلهاء) للمشاهد المستهدف لكي تجرده من نقوده القليلة، أو تسلبه دون أن يدري قطعة من ملابسه أو أي مقتنيات يحملها، أو تسلبه إرادته، أو وعيه، أو تفرض عليه قناعات معلبة، ولكن في الحقيقة كانت لحكايات الصندوق تأثيرا على المشاهد جعلته يدرك حقائق كانت سببا في تنمية وعيه ومعرفته بواقعه وتحولت اشتغالة صاحب الصندوق للمشاهد إلى اشتغالة مضادة من المشاهد ضد صاحب الصندوق أدت إلى كثير من المواقف والمشاهد بدأت منذ عهد الطفولة، ومن هذه المشاهد الأطفال وهم يطاردون صاحب الصندوق، الذي سلبهم أموالهم القليلة، بالطوب والسيوف المصنوعة من جريد الأقفاص مدفوعين بخبرات اكتسبوها من مشاهد عبر صندوق الدنيا لبطولات أبوزيد الهلالي وعنتر بن شداد الذي كان يطارد اللصوص والنصابين، وهي نفس المشاهد التي كانت تستخدم لابتزاز قروشهم القليلة.

ومن خلال اشتغالة صندوق الدنيا كانت بدايات معرفتنا بقصة قطر الندى ابنة خماوريه والي مصر وفرحها الأسطوري الذي كان يسير على طريق مفروش من الذهب من مصر للعراق حيث عريسها الخليفة العباسي، وبقدر ما كان انبهارنا ونحن صغار بالمشاهد وروايات الثروة المهولة التي أنفقت في حفل الزواج، بقدر ما كانت ثورتنا عندما كبرنا وعلمنا أن القصة حقيقية، وأن الأموال التي أنفقت كانت من ضرائب المصريين وكان هذا البذخ سببا في استيلاء الأتراك والمماليك على حكم مصر فيما بعد.

وفي زمننا اشتغالات الاستغلال من دوائر الحكم للشعب كثيرة ومتنوعة، وأيضا انقلبت معظم هذه الاشتغالات على أصحابها مثل انقلاب السحر على الساحر، إلا أن هذا الانقلاب المضاد والتعامل الواعي مع هذه السياسات المتأمرة كان دائما يعكس لحظة وعي متقدمة من الشعب بمصالحه.

إذن وقوع الشعب تحت تأثير هذه المخططات والحكايات المتأمرة أو عدم تفاعله معها يرتبط بلحظات وعي متقدمة.

اشتغالات الستينيات

في عام 1965 ظهر خبر في الصفحة الأولى من جريدة الأهرام يبشر بمكافأة للنقاش الذي وجد 5000 جنيه داخل علبة في شقة موظف بشركة حكومية كان يدهن له الشقة، وإحالة الموظف للتحقيق بتهمة التربح، الخبر لا يتعلق بأمانة النقاش، ولا بضخامة المبلغ ولكنه كان اشتغالة الغرض منها بث رسالة غير مباشرة عن نزاهة المرحلة وانضباطها، وكفاءة وأمانة الدولة في الحفاظ على أموال الشعب، وبدأت الدعاية الإعلامية الرسمية تبث الخبر بأنغام وألحان متنوعة، والحقيقة أن الشعب الذي يعيش الواقع بالفعل استقبل الرسالة بأنها كشف بالصدفة عن حالة واحدة للفساد تشير إلى أن المنظومة بها فساد يمكن أن يتجاوز هذه الحالة التي تم كشفها بالصدفة أوتدبيرها للقيام بالدعاية حولها، بما يعني أن هناك أمورا أخرى مخفية يجب إبعاد النظر عنها، وهوما تأكد بعد ذلك بسنوات حيث تكشف أن هذه الفترة كانت أكثر فترة بها فساد وانحرافات داخل شركات الدولة، واستطاع كبار الموظفين خلالها تكوين ثروات طائلة هربوها للخارج.

بعد ذلك بسنوات وتحديدا عام 1980 أصدر أنور السادات رئيس مصر قراره بمنع بيع اللحوم لمدة شهرين للحد من جشع التجار، وأصدر قراره في شكل استعراضي يظهره مقاتلا شرسا ومدافعا عن حقوق الفقراء وانحيازه لمعسكرهم، وبدأ الإعلام الرسمي في التلحين على هذا الوتر وبغض النظر عن أى قضايا أخرى، والحقيقة أن أنور السادات كان يضرب دستة عصافير بحجر واحد آنذاك، فقد كانت هناك بعض البنود السرية الخاصة باتفاقية السلام مع إسرائيل حان وقت تطبيقها، وأراد السادات أن يشغل الرأي العام عنها، وفي نفس الوقت كان يريد أن يربك الرأي العام فيما يخص الأزمة الاقتصادية التي كانت تمر بها البلاد نتيجة التطبيق المختل لسياسة الانفتاح الاقتصادي، ولهذا نشر رؤية أن ارتفاع الأسعار سببه جشع التجار وليس فشل السياسة الاقتصادية، متجنبا ما حدث معه قبل ثلاث سنوات في عام 1977 عندما انتفض الشعب المصري ضد ارتفاع الأسعار وكادت هذه الانتفاضة أن تطيح بحكمه، ومرت الاشتغالة ولكن هل بسلام؟، الإجابة هي أن السادات تم اغتياله بعد هذه الاشتغالة بعدة شهور لكل الأسباب السابقة.

أما حسني مبارك فكانت اشتغالات حكوماته متعدد ومتشابكة، ما بين كوارث مصنوعة، ومشكلات طائفية، وتحرشات جنسية، وكان يقودها ويخرجها جهاز الأمن المصري ببراعة شديدة، وكانت تتميز بأنها مكشوفة، ورغم ذلك كان الشعب يتجرعها لأسباب كثيرة أهمها تواطؤ حركة المعارضة الرسمية مع الحكم، وضعف المعارضة الشعبية، وشكل كل هذا تراكما ثوريا، أدي إلى ثورة 2011 التي انفجرت بفعل الضغط دون تخطيط مدروس، فوقعت في شرك مؤامرة العسكر وتم استيعابها بل إجهاضها.

اشتغالات مكشوفة

واشتغالات عهد العسكر كثيرة ومتنوعة ومعقدة وتدار بخبرات أمنية ومخابراتية تتناسب مع التطور التكنولوجي في وسائل التواصل الاجتماعي، وتتناسب أيضا مع الكم الكبير من الانهيارات الاقتصادية والمجتمعية الحادثة وتفشي الفساد بين رجال الأعمال وقطاع الإعلام ودوائر الحكم، لهذا فهي اشتغالات متنوعة ما بين اشتغالات أمنية تتعلق بالتلويح المستمر بسيف الاعتقالات والمطاردات دون أسباب منطقية أو مقنعة، مما ينشر حالة ارتباك وتساؤلات وخوف وقلق تشغل الجميع عن الأزمات الحادثة، ومنها اشتغالات المنوعات مثل مشاهد أو تصريحات صادمة لفنانين ومشاهير والتركيز الإعلامي على موضوعات صراعات الفنانين وعلاقات المشاهير في الرياضة والسياسة ولا مانع من بعض الاشتباكات القضائية والأمنية مع هذه الموضوعات.
إلا أن الإيجابي في هذه المرحلة هو حالة اليقظة الشعبية لهذه الألاعيب، وأكبر مثل هو الاشتغالة التي حاول النظام القيام بها فيما يخص الجدل الذي آثاره فيديو المقاول الفنان محمد علي من فساد بالمليارات في قطاع الهندسة العسكرية والمقاولات تحت الإشراف المباشر لرئيس الدولة، وكانت الاشتغالة الحكومية في هذا الموضوع هي فتح تساؤلات جانبية حول شخصية مثير هذه القضية ودوافعه وأهدافه لتحويل اهتمام الرأي العام بعيدا عن موضوع الفساد وإهدار مليارات الجنيهات، وتحويل الصراع إلى جدل شخصي حول الأطراف المتصارعة، بالإضافة إلى فتح مشاهد جانبية أخرى مثل الظهور المريب لوائل غنيم في مظهر غريب ليتحدث بطريقة مريبة، والإكثار من موضوعات فضائح المشاهير، إلا أنه كما قلت لم يبلع الشعب الطعم، فقد تحصن بفعل ما مر به من مؤامرات واشتغالات، وفي حادثتنا الأخيرة المتعلقة بالمقاول والجيش تمسك الرأي العام بسؤال واحد أين ذهبت هذه المليارات المقطوعة من لحوم ودماء الفقراء، في دولة يعلن رئيسها كل ساعة أنها دولة فقيرة ولا يحق لشعبها المطالبة بأي حقوق حتى توفير وسائل الأمان في الطرق والمواصلات؟

انتهى عهد الاشتغالات وتخدير الناس بحكايات صندوق الدنيا، وحان وقت اليقظة الشعبية والإدراك الواعي والتفاعل الإيجابي، أين أموالنا التي سلبتوها لتبنوا بها قصور ومدن متميزة لتعيشوا فيها حياة الأساطير ونموت نحن من الجوع والمرض والفقر؟!

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة