مقالات

منظومة السيسي الإعلامية إذ تتعثر

 

على مدى السنوات الخمس الماضية سعى نظام عبد الفتاح السيسي لتأسيس منظومة إعلامية تلبي أحلامه، وتنافس إعلام جمال عبد الناصر الذي حسده السيسي عليه، ولكن هذه المساعي لا تزال متعثرة حتى الآن رغم ضخ المليارات فيها سواء من أموال الدعم الخليجي المباشر أو من الميزانيات السرية للقوات المسلحة، أو حتى من الديون المتتالية.

في كلمته خلال الاحتفال بافتتاح تفريعة قناة السويس يوم 5 أغسطس 2014، أي بعد دخوله قصر الاتحادية بشهرين قال السيسي (يابخت عبد الناصر بإعلامه) وتوضيحا قال إن (عبد الناصر كان محظوظا لأنه كان يتكلم وكان الإعلام معه)، كان السيسي يعبر بذلك بشكل هائم عن رؤيته لما ينبغي أن يكون عليه الإعلام، وتحدث في سياق آخر حين كان وزيرا للدفاع عن صناعة الأذرع الإعلامية وكم تستغرق وكم تكلف إلخ، هكذا رأى السيسي الإعلام مجرد أبواق كما كان حالها في عهد عبد الناصر، يصدر الحاكم قرارا فتتنافس في التطبيل والحشد له، دون مناقشة موضوعية ودون السماح بوجهات نظر معارضة.

دي إم سي ورؤية السيسي

كان تأسيس مجموعة قنوات دي إم سي هو باكورة التطبيق المباشر لرؤية السيسي في تأسيس منظومة إعلامية “على مقاسه ” تكون معبرة عن حكمه وقادرة على تسويق سياساته وقراراته و”هرتلاته”، وقد تضمنت خطة الشبكة إطلاق اكثر من عشر قنوات عامة وترفيهية ومنوعات ورياضية وإخبارية، وكان من المفترض أن تكون القناة الإخبارية هي درة تاج المجموعة التي تنافس بها الجزيرة والعربية وبي بي سي وفرنسا 24 الخ، وخصص عباس كامل الممسك بالملف الإعلامي ( والشريك المؤسس لشركة دي ميديا صاحبة قنوات دي إم سي وفقا لعقد التأسيس) مبالغ طائلة لهذه الشبكة التي أريد لها أن تحل محل قنوات ماسبيرو التي ترهلت وأصبحت عبئا شديدا على ميزانية الدولة دون أن تقدم ما يستحق الإنفاق عليها، وقد اتجهت النية للتخلص منها بصورة تدريجية، للاستفادة بالمبنى الذي تشغله ( مبنى ماسبيرو) الذي يمكن أن يدر عوائد كبيرة لو تم تحويله إلى فندق مثلا، أو تأجيره كمكاتب إدارية على ضفاف النيل.

لم يكن التقدم للعمل في قنوات دي إم سي يشبه غيرها من القنوات التي يتقدم لها راغبوا العمل بمؤهلاتهم الوظيفية وخبراتهم (سي في) ولكنه كان بطريقة مختلفة تماما، حيث تنتقي القناة من تريد أن يعمل معها وتستدعيه للحضور، وكأنه مطلوب للتجنيد، ومع ذلك كان من يقع عليه الإختيار يطير فرحا لأنه سيعمل في قناة المخابرات، هكذا كان وصفها ولا يزال، واستقطبت المجموعة نخبة من كبار الفنانين والإعلاميين ليكونوا رافعة لها لتحقق الغرض الذي أنشأت من أجله وهو “خطف جمهور المشاهدين” من القنوات الأخرى تمهيدا لممارسة أكبر عملية غسيل مخ لهم وفقا للتوجيهات المخابراتية، ليس فقط النقيب أشرف الخولي هو من كان يعطي التوجيهات بل هناك عشرات الضباط الآخرين الذين لا يزالون يقومون بالمهمة.

فالكون والاستحواذ

إضافة إلى مجموعة دي إم سي، سعت المخابرات للاستيلاء على قنوات أخرى قائمة من خلال شركات مدنية تملكها مثل فالكون غروب وهي شركة حراسة وخدمات بالأساس، ولكنها أسست شركتين إعلاميتين هما تواصل وهوم ميديا قامتا بشراء العديد من القنوات والمواقع الخاصة لضمها إلى الإمبراطورية الإعلامية العسكرية.

كان من الواضح أن هذا الاستحوذ الواسع على القنوات ليس بغرض الاستفادة من جماهيريتها، ولكن بهدف إغلاقها لاحقا لتبريد الحالة الإعلامية التي أشعلتها تلك القنوات في فترات سابقة سواء قبل ثورة يناير أو بعدها،ولا يطيق النظام الحالي بقاءها، ومن هنا بدأت عمليات إغلاق العديد من القنوات المملوكة للمخابرات تحت أي شركة من شركاتها، ودمج بعض القنوات مع بعضها، وتبع ذلك التخلص من أعداد كبيرة من الإعلاميين والموظفين والصحفيين في القنوات والمواقع المملوكة للجهة ذاتها الذين لم يستطيعوا ان ينطقوا ببنت شفه.

ورغم أن مجموعة دي إم سي كانت الأكثر تحصينا ضد عمليات تسريح العمالة بحكم طريقة اختيارها لموظفيها، إلا أنها لم تستطع أن تحافظ على هذه الصورة وسرعان مالحقت بشقيقتها، حيث استغنت مؤخرا عن حوالي 150 إعلاميا وموظفا يتقدمهم فتاها الأول في قناتها الاخبارية أسامة كمال، بهدف ترشيد النفقات بعد نضوب “الرز الخليجي”، لم يكن أسامة كمال هو أول الوجوه الإعلامية البارزة الذي يتم اخفاؤه من الشاشات بل سبقه العديد من الوجوه اللامعة التي كانت ملء الشاشات قبل ثورة يناير وبعدها وحتى وقت قريب مثل إبراهيم عيسى ولميس الحديدي وريم ماجد ويسري فودة وبلال فضل وخيري رمضان وعماد أديب ويوسف الحسيني وجابر القرموطي وباسم يوسف ودينا عبد الرحمن، الخ الخ، وعلى الأرجح سيلحق بهم من تبقى من إعلاميي المرحلة الماضية، بمن فيهم أحمد موسى ووائل الإبراشي الخ، ولن يشفع لهم أي نفاق أو تزلف، فالمطلوب التخلص من كل تلك الوجوه التي ظهرت وترعرت في عهد حسني مبارك وبعد ثورة يناير، وهي الوجوه التي تذكر السيسي بماضيه، وتشعره بطريقة غير مباشرة أنهم أصحاب فضل عليه، بينما يريد هو صناعة نخبته الإعلامية التي تشبهه وتدين بالفضل له.

الشكل النهائي:

لم يستقر نظام السيسي على الشكل النهائي لمنظومته الإعلامية حتى الآن، وقد أنفق عليها المليارات لكنها لم تقدم ما يستحق تلك المليارات أو حتى ربعها، بل تزداد تعثرا وفشلا في تحقيق مهامها يوما بعد يوم، مع تنامي الوعي الشعبي، وانصراف المشاهدين عنها إلى قنوات أخرى أكثر مصداقية، أو على الأقل تقدم شيئا مختلفا، وأكثر قربا من هموم الناس ومن ذلك قنوات المعارضة التي تبث من خارج مصر والتي أصبحت مهوى أفئدة الكثيرين الآن داخل مصر.

يجهد القائمون على المنظومة الإعلامية أنفسهم في البحث عن أسباب فشلها في القيام بمهمتها وعدم قدرتها على مواجهة قنوات خارجية مثل الجزيرة أو ال بي بي سي الخ ، ويتوهمون أن السبب في نوع البرامج أو مستوى المقدمين، ويرون أن العلاج هو باقتراح برامج جديدة وضم وجوه جديدة خاصة من الوسط الفني والرياضي، وكل هذا يستدعي انفاق المزيد من الأموال، ومع ذلك يستمر بل يتزايد الفشل والتعثر، ولا يدري القائمون على تلك المنظومة أنهم هم أنفسهم ونظامهم الذي يروجون له هو السبب في الفشل وذلك عبر سياسات خنق الإعلام، وحرمانه من أي مساحة لحرية التعبير وتنوع الآراء، ووضع رقباء عسكريين ومدنيين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على كل كلمة مكتوبة او منطوقة، فأنى يأتي النجاح.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة