رابعة … قراءة متأخرة في شهادة د.محسوب

السيسي تخلص تقريبا من كل الأيادي القذرة التي ساعدته في مهمتة غير الآدمية ضد المعتصمين السلميين واسألوا التاريخ عن محمد ابراهيم وزير الداخلية الشريك الأول في الجريمة

 

يحاول أنصار الانقلاب ومؤيدوه من اللجان الالكترونية المعروفة إعلاميا باسم الذباب الإلكتروني الالتفاف حول مسؤولية السيسي ومجموعة من الجنرالات والسياسيين عن مجزرة رابعة وأخواتها من المجازر التي لم تعرف طريقها للإعلام ربما بسبب ضخامة عدد الشهداء والجرحى والمعتقلين في رابعة، هذه المسؤولية التي اتفق عليها الجميع بدءا من الإعلام الذي قام بنقل المجزرة على الهواء مباشرة وانتهاء بشهادة الشهود الناجين ومرورا بمنظمات حقوق الإنسان الدولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية وغيرهما الكثير.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها النظام تشويه ذكرى المجزرة والتشويش عليها كلما اقترب موعدها، فقد حاول على مدار ست سنوات خلت؛ ولكنه باء بالفشل وبقيت الذكرى موثقة بالصور والفيديوهات وبشهادة الشهود الأحياء أو أولئك الذين سجلوا شهاداتهم قبل رحيلهم.

الإبعاد

محاولة النظام لم تقتصر على الجوانب الإعلامية فقط وإن كانت هي الأهم بل إن السيسي تخلص تقريبا من كل الأيادي القذرة التي ساعدته في مهمتة غير الآدمية ضد المعتصمين السلميين واسألوا التاريخ عن محمد ابراهيم  وزير الداخلية الشريك الأول في الجريمة والذي أقنعه السيسي بالقيام بالمهمة تحت غطاء الداخلية لأنه ما يصحش نلوث سمعة الجيش كما عبر “عبد الغفار شكر” عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، وأحد كتاب التقرير الخاصة بالمجرزة والذي صرح في مقابلة متلفزة ” لقد حذفنا حتى النص الذي يقول إن قوات الجيش انتشرت حول المنطقة حتى لا يتخذ ذلك ذريعة لاتهام الجيش “

أبعد وزير الداخلية كما أبعد رئيس الأركان الذي كان رئيسا للمخابرات الحربية وأبعد وزير الدفاع الذي كان رئيسا لأركان الجيش وتم إبعاد معظم قادة الداخلية الذين أوكلت إليهم مهمة إنفاذ المجزرة وعلى رأسهم مدحت المنشاوي والذي تفاخر بقيامه بالمهمة القذرة عبر تسجيلات مصورة وأحاديث مسجلة نشرتها الصحف، هذا ناهيك عن عدد كبير جدا من قيادات الأمن الوطني وجهاز المخابرات العامة وحتى الاستخبارات الحربية نالها نصيب من عملية التطهير.

جزء من إدارة المعركة مع الانقلاب هو الإبقاء على وعي الشارع تجاه المجازر التي ارتكبها السيسي أو أمر بها بنفسه قبل مجزرة رابعة ومنها مذبحة الحرس الجمهوري ومذبحة المنصة ورمسيس الأولى والمنصورة، ثم ما تلا رابعة من مجازر مثل رمسيس الثانية وسموحة ومسجد القائد ابراهيم والعريش وغيرها، كل هذه المجازر والمذابح لم تكن عشوائية بل بقرار من السيسي نفسه ليس لفض الاعتصام بل ليكون هؤلاء عبرة لمن يعتبر.

 الملاحظ والذي يرد على فكرة إدانة المعتصمين في رابعة واعتبارهم انتحاريين لم يقدروا حجم القوة الغاشمة التي ستستخدم ضدهم حق التقدير، هؤلاء لا يدركون حقيقة مهمة جدا في الصراعات وقد تجلت بعد مجزرة رابعة بيومين حيث انتفض مئات الألوف من البشر في مظاهرات جمعة الغضب 16 اغسطس 2013 وهي مظاهرات لو أحسن توظيفها لربما تغيرت خريطة الوضع الثوري والسياسي الراهن. بالمناسبة في ذات نفس اليوم انطلقت مظاهرات حاشدة في سموحة والعريش والسويس ودمياط والجيزة وسقط شهداء نتيجة إطلاق النار عليها من الجيش والشرطة والبلطجية.

فمن كان يتصور حجم الغضب الهائل الكامن في الصدور رغم آلة القتل الهائلة والتي لم تشهد لها مصر مثيلا بالصوت والصورة في تاريخها المعاصر والذي عبر عنه المتظاهرون بالخروج غير مبالين ولا عابئين بتلك القوة التي قتلت الآلوف في رابعة؟

من كان يعتقد أن بمقدور هؤلاء الذين أعملت فيهم آلة القتل العودة ومواجهة النظام في قلب العاصمة القاهرة؟

من كان يتصور أن النظام سوف يستخدم الطائرات في قصف الشعب وابادة المتظاهرين؟

في كل ميادين مصر

إن خروج الناس في يوم الجمعة 16 اغسطس لهو أكبر دليل على أن القصة لم تكن في ميدان رابعة بل في كل ميادين مصر فالغضب كان هائلا والرغبة في المواجهة للتخلص من النظام كانت موجودة واكرر مرة أخرة لو اديرت بشكل أفضل.

وبعيدا عن ورقة الاعلام والقوة المفرطة فقد استخدم النظام ورقة مشايخ السلطة الذين سقطوا في اختبار النزاهة والمروءة حين قرروا الانحياز للقاتل على حساب القتيل، ولم يكتفوا بذلك بل إنهم أدانوا القتيل وقاموا بسرد رواية ثبت أنها مكذوبة ومفضوحة والسبب أن الشهود لا زالوا أحياء، ورغم ذلك لا يزال بعض هؤلاء يطلون برؤوسهم ليكرروا روايتهم المكذوبة والتي ثبت للجميع أنها رواية السيسي الذي وضعها في أفواههم وبالتالي يرددونها كالببغاوات.

بقيت نقطة مهمة جدا وهي موقف الرئيس والمفاوضين من التدخلات والوساطات الخارجية وقبول قيادات الإخوان والسلطة حينئذ بإجراء الانتخابات المبكرة وتشكيل حكومة انتقالية، وقد أكد د. محمد محسوب في شهادته المنشورة عبر الفيسبوك في 16 أغسطس 2016 حقيقة موافقة ممثل الإخوان المسلمين على ذلك، وكان من المقرر أن يعلن البرادعي عن ذلك بنفسه في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع أشتون وهو أهم وأخطر مؤتمر لأنه كشف عن حقيقة البرادعي الذي جبن أن يعلن عن الاتفاق بعد أن تم تهديده (عليه أن يعلن عكس ذلك ويبرئ ساحته).

وهذه وللتاريخ أهم ما جاء في شهادة ه د. محمد محسوب المنشورة في موقع عربي 21  نقلا عن صفحته على الفيس بوك في نفس اليوم “الحل الوحيد الذي جرى طرحه هو أن يفوض الدكتور مرسي رئيسا للوزراء، وفقا للدستور، يدير مرحلة تجري فيها انتخابات مع الاحتفاظ بالدستور وعودة الجيش لثكناته، وتساءلت آشتون عن موقف الإخوان، فأكد لها الدكتور محمد علي بشر أنه يمثل الإخوان في اللقاء، وأنه يقبله”.

“كان من ضمن المقترح الإفراج عن المعتقلين والقيادات، ليكونوا شركاء في الحل، وإنهاء الحملات الإعلامية التي تبيح دماء المعتصمين، وتطالب فض الاعتصامات السلمية بقوة السلاح، وقدمنا دعوة علنية لوسائل الإعلام ولهيئات المجتمع المدني والأحزاب للذهاب لأماكن الاعتصامات للتأكد من خلوها من أي سلاح .”

 “هذا الحل هو نفسه الذي أشار له الدكتور محمد البرادعي وقبله، لكنه رفض أن يُبشر به الشعب المصري في مؤتمره الصحفي مع آشتون، ما دعاها للانسحاب، وتفسير ذلك أن زعيم الانقلاب (السيسي) لم يرض عن ذلك الحل، لأنه يعيق مسعاه الشخصي للاستيلاء على السلطة، لكنه لم يكن في مركز يُمكنه أن يرفضه علانية، فينكشف عنه الغطاء السياسي الذي تدثر به في وقت كان لا يزال يحتاج إليه”.

تأجيل الاعلان

“زعيم الانقلاب (السيسي) طلب من الدكتور البرادعي تأجيل الإعلان عن الحل متذرعا برفض غالبية ضباط الجيش، وأنه يحتاج وقتا لإقناعهم، واستغل الانقلاب الوقت في التجهيز والإعداد للمجزرة التي ستقطع كل تواصل، وتُغلق كل باب للحلول السياسية، وتضع البلاد أمام انقسام مجتمعي تاريخي وكارثة وطنية، لا سابق لها”.

هذه الشهادة المسكوت عنها في الاعلام والسياسة هي شهادة براءة للمعتصمين من أنهم ألقوا بأنفسهم الى التهلكة بل إن في ذلك تأكيد على أن الاعتصام  كان قد أوشك  على أن يؤتي أكله لولا إداراك السيسي أن في ذلك نهاية لطموحه ومشروعه الشخصي الذي استخدم فيه جميع خصوم الرئيس مرسي للوصول إلى سدة الحكم وقد صدقت الروايات التي شككت في نية السيسي للوصول إلى حل سياسي للأزمة قبل الفض وكان قرار الفض هو قرار السيسي بإنهاء المرحلة والبدء في مرحلة (أنا الحكومة ) و (أنا الدولة ) و (أنا السلطة )  على النحو الذي نعيشه ويعيشه منكروا هذه الحقيقة قبل ست سنوات .

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة