دولة الإلهاء والاحتراب الداخلي

 

  أدوات الهيمنة للحكام الفاشيين ثابتة منذ آلاف السنين، ربما تغيرت من ناحية الشكل أو تطورت أو تحدثت، ولكنها ثابتة من ناحية الهدف والمضمون، ونستطيع أن نجملها في توصيف تفسيري وهو “فن إلهاء الشعوب عن مواجهة استبداد الديكتاتورية والفاشية وعن التفاعل الإيجابي مع المشكلات”، هو نوع من أنواع التخدير بتحويل اهتمام الجماعات من المشكلات الحياتية المصيرية إلى الانشغال بجواذب من موضوعات تهدر طاقاتهم وتحولهم لكائنات مستسلمة للأقدار الفاشية باعتبارها أفضل الأقدار.

والإعلام هو الجهاز الرئيسي الذي يدير هذه المنظومة والتي تظهر بوضوح في الدول النامية أو الدول التي فقدت إرادتها الشعبية عبر ملابسات تاريخية، ولا يمكن علاجها إلا بصدمة ثورية حضارية، ومنها مصر التي تجاوز سلاح الإلهاء الفاشي فيها من الموضوعات الجاذبة الشاغلة إلى الاحتراب الداخلي والعداء، حتى إننا في ظل سنوات تجرع الهزيمة بعد 5 يونيه 1967، أعلن الشعب عبر المؤسسات السياسية الرسمية التمسك بالقيادة المهزومة، وباركوا الإجراءات القمعية تجاه المعارضين، بحجة الوحدة وتجنب مصير مجهول مرعب قد يصيب الوطن ويدمره أكثر قسوة من مصير الهزيمة، وهي نظرية “قضاء أفضل من قضاء”.

وأصبح شعار دولة الستينيات “تحالف قوى الشعب العاملة” مجرد وعاء وهمي يحمل مضمونا فارغا، بينما الحقيقة أن التحالف الوحيد هو تحالف قوى الفاشية يحكم بالحديد والنار شعبا مهموما بالمجهول ومشغولا بومضات الموضوعات والقضايا التي يفرضها الإعلام التابع عليه، ومتحفز لكراهية الآخر من نفس معسكره أكثر من تحفزه لمواجهة المستبد!

الدين والظواهر الغيبية

ومن عاش الفترة التالية لهزيمة 5 يونيو 1967، حتما سيتذكر العديد من الموضوعات التي فرضت نفسها بحرفية شديدة على المجتمع وجذبت اهتمامه من مشكلات الوطن وآثار الهزيمة، وبدلا من أن يدرس المصريون بكل طوائفهم أسباب الهزيمة ويضعوا رؤية جديدة لمرحلة جديدة تركوا هذه المهمة للقيادة المهزومة وتفرغوا لتأكيد صلابتهم وصمودهم كشعب بقبول الهزيمة والتحدي، كما لو كانت الهزيمة كارثة طبيعية أصابهم بها الله، وانشغل الشعب بظواهر غريبة وغيبيات تم فرضها عليهم واستقبلوها وتعاملوا معها بصدر رحب واهتموا بها، مثل شعرة الرسول ﷺ في المصحف، حيث أشيع أن من يقرأ المصحف ويجد شعرة بين أوراق المصحف فهي شعرة من رأس رسول الله ﷺ، وإشارة إلى رضاء الله ورسوله، وبالطبع احتمال وجود أي شعرة داخل المصحف احتمال كبير، فدائما ما يحدث وقوع شعر من أي قارئ داخل المصحف، والغريب أن الإعلام لم يقم بدوره في مراجعة هذه الأوهام بل أسهم في نشرها، وتجلى دور الإعلام في أبريل 1968 عندما أسهم في ترويج ظهور العذراء في كنيسة الزيتون وانشغل الرأي العام المصري شهورا طويلة بقصة ظهور العذراء، ومن الملاحظ أن بركة العذراء وظهورها لم يَحْلُ على الشعب المصري إلا في فترة ملتهبة شهدت احتجاجات طلاب الجامعة على الأحكام الصادرة على الضباط المسؤولين عن الهزيمة، ورغبتهم في تحميل المسئولية للقيادة السياسية ووجود لغط مستمر على القرار 242 الصادر من الأمم المتحدة في نوفمبر 1967  بعد هزيمة 5 يونيو 1967 وتضمن مجموعة من الحلول والالتزامات بين مصر وإسرائيل، أهمها الاعتراف بدولة إسرائيل، فكان الضروري وجود معجزة سماوية تلهي الشعب عن متابعة هذه الأحداث فكانت معجزة ظهور العذراء في الزيتون.

أدوات الإلهاء وأهدافه

نتيجة الحروب الكثيرة والصراع على السلطة كان الرومان يعانون من مشكلات داخلية متراكمة، فلجؤوا إلى تعظيم عروض المصارعة والقتل بين المحاربين لإلهاء الشعب عن المشكلات الداخلية، وظل هذا الأسلوب هو الأسلوب المعتمد في العالم لإلهاء الشعوب ولكنه لم يستمر إلا في الدول التي تعاني شعوبها قصورا في الوعي أو انهيارات اجتماعية وثقافية، ولهذا فالعلاقة بين تعاظم الاهتمام بدوري كرة القدم في مصر في بعض السنوات، والحفلات الغنائية لمشاهير الفنانين أو الصراعات بين الشخصيات المشهورة حتى لو كانت بغير حيثية مثل صراع المغمورة سما المصري ورئيس نادي الزمالك مرتضى منصور، أو قصص الزواج والطلاق التي يفرضها الإعلام علينا من يوميا من خلال المواقع الإلكترونية أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو خلق أزمات ذات نعرة وطنية مثل أزمة تصريحات المغنية شيرين عبد الوهاب، أو تصريحات المذيعة ريهام سعيد التي تثير اللغط، أو مشاهد صراعات مرتضى منصور التي أصبحت بمثابة مسلسل دوري، كل هذه الإلهاءات تتم بينما قرارات مصيرية تتعلق بالظروف المعيشية أو بدقة بتضييق الظروف المعيشية تمر بهدوء مثل قرارات رفع الأسعار الدوري، وإلغاء الدعم، ورفع أسعار الخدمات، وتحميل الطبقات الأكثر فقرا أعباء زيادة موارد الدولة، وتسهيل الربح المبالغ فيه لرجال الأعمال ورجال السلطة، ووصل الأمر إلى إصدار قوانين لمحاصرة أصحاب المعاشات وعرقلتهم عن الحصول على حقوقهم التأمينية التي سددوها طوال فترة عملهم، وأيضا من أهم أدوات الإلهاء هو فتح حروب تعتمد على الحماسة الوهمية تجاه شعوب أو فئات أو جماعات يتم فيها التشدق بالوطنية وإلهاب مشاعر غير واعية مثلما يحدث الآن من فتح معركة مع المهاجرين السوريين في مصر بادعاء أنهم يضيقوا سوق العمل على المصريين، واستخدام مصطلحات ساخنة ليس لها علاقة بالموضوع مثل كرامة المصريين وتاريخهم، ويتم كل هذا في نفس توقيت اتجاه الحكومة لإصدار قوانين جديدة خاصة بفرض ضرائب.

الإلهاء بالخوف من المجهول

نعوم تشومسكي الفيلسوف الأمريكي المعاصر والناشط السياسي يشير إلى وثيقة سرية يعود تاريخها لعام 1979 وتم العثور عليها عام 1986 بالصدفة، وعنوانها “الأسلحة الصامتة لخوض حرب هادئة”.

والوثيقة، كما يرجح المختصون، تعود إلى بعض دوائر النفوذ العالمي التي عادة ما تجمع كبار الساسة والرأسماليين والخبراء في مختلف المجالات.

وتحدث “تشومسكي” عن عشر استراتيجيات للتحكم في الشعوب منها الإلهاء، وخلق المشكلة لتوفير الحل، والتدرج، والتأجيل، واستخدام الخطاب العاطفي.

وما يهمني في هذا المقال هو استراتيجية الإلهاء والتأجيل والخطاب العاطفي، فالإلهاء يعتمد على تحويل انتباه الرأي العام بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، ويقول “تشومسكي” إن عنصرًا أساسيًا في التحكم الاجتماعي هو إلهاء انتباه العامة للقضايا والتغييرات الاجتماعية المهمة التي تحددها النخب السياسية والاقتصادية، من خلال تصدير كم كبير من الإلهاءات والمعلومات التافهة، وتتضمن تلك الاستراتيجة أيضا منع العامة من الاطلاع والمعرفة الأساسية بمجالات العلوم والاقتصاد وعلم النفس والعلوم البيولوجية.

لكن أهم ما تحدث عنه الفيلسوف الأمريكي ونعيشه الآن هو استراتيجية التأجيل أي دفع الشعوب إلى قبول تأجيل أمور مهمة بالنسبة لها ولظروفها المعيشية وقبول قرارات مؤلمة بالنسبة لها باعتبارها قرارات ضامنة للمستقبل وعلينا التضحية بالواقع من أجل ضمان المستقبل، أو كما يحدث مثل الخوف من شبح إرهاب تظهر ملامحة كل فترة، وأعتقد ليس مصادفة أن الفترات التي يظهر فيها  شبح الإرهاب في مصر تكون في نفس الوقت الذي يتم فيها اتخاذ قرارات مؤلمة على الشعب يضطر لقبولها تحت ضغط تجنب الأسوأ المجهول، وليس مصادفة أيضا أن تكون هذه الحالة أو الأسلوب منصوص عليها ضمن وثيقة التحكم في الشعرب السرية والمرجح أنها صادرة  من دوائر النفوذ العالمي والتي من المؤكد من بينها اللوبي الصهيوني.

أما استراتيجية الخطاب العاطفي، فهي الاستراتيجية التي برع فيها الجنرال وشكلت الضلع الثالث للهيمنة والسيطرة بجانب الضلعين الإلهاء والتأجيل.

  الخلاصة، إن كل هذا غير مجدٍ وغير مؤثر على الشعوب التي تمتلك وعيا ثوريا متماسكا ومنطقيا، وهذا ليس بعيدا عن مصر التي يسير الوعي الشعبي فيها في اتجاه إيجابي نتيجة الدروس المستفادة من كل المراحل السابقة.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة