ساكنو الغرف المكيفة والوصاية على المعتقلين!

 

خرجت مبادرة منذ أيام قليلة، تنسب للمعتقلين في بعض سجون مصر، مفادها: أن ترجع جماعة الإخوان المسلمين خطوة للوراء لأجل الإفراج عن المعتقلين، إلى آخر ما ذكرته المبادرة، وبغض النظر عن صحة المبادرة، أو البيان، من عدم صحته، وعن جدواها من عدم جدواها، فطبيعي أن نظام مجرم كنظام السيسي لا يسعى لأي تهدئة مع الإخوان، ولا مراعاة أي حقوق إنسان مع المعتقلين جميعا، إسلاميين وغير إسلاميين، لأن كل عوامل الضغط التي تجعله يخفف وطأته عنهم، قد انتهت حاليا، فلا حراك في الشوارع، ولا قضايا دولية تذكر، ولا ضغط من الخارج في ملف حقوق الإنسان، ما دام المقابل هو تنفيذ كل أجندة غربية وإسرائيلية.

ولذا يظل الكلام هنا في دائرة مهمة، وهي دائرة كيف نتعامل مع مثل هذه المواقف التي تصدر عن معتقلين، هم في البداية والنهاية بشر، تتحكم فيهم طبائع البشر، ليسوا حجارة صماء، وليسوا ملائكة، وليسوا رسلا معصومة، تدور حياتهم بين الأمل واليأس، بين الرجاء والخيبة، فإذا كان من خارج السجن يتقلب حاله بين هذه الأحوال كلها، فكيف بمن في سجن، يسام فيه سوء العذاب.

تصريحات غير موفقة

ولكن ما ساءني هو رد فعل البعض تجاه ما صدر من المعتقلين، بل كانت هناك تصريحات غير موفقة، ومواد إعلامية خرجت لبعض آخر يزايد عليهم، ويعطي توجيهاته من دون تقدير للموقف، ولا مراعاة للحال، وهو ما يستدعي منا وقفات مع ردود أفعالنا تجاه مثل هذه المبادرات، فلن تكون الأولى، ولا الأخيرة.

أولا: إن البعض ينفي المبادرة، وكأن المعتقلين ملائكة ترفرف بأجنحتها في السماء، ولا هم لهم في المعتقلات، إلا تلاوة القرآن، والذكر، والرياضة، وأسرهم يصل إليهم ما يكفيهم وزيادة، وهو كلام يجافي الحقيقة من دون شك، فمنذ أكثر من سنتين، شكت محافظات من أن بعض القيادات منعت عنهم المال، لأنهم عارضوها، وفي بداية الأمر تم النفي، ثم بعد ذلك تم الاعتراف وأنه خطأ ويستدرك، واكتشف في النهاية أن المال كان سلاحا استخدم في كسب الولاءات لقيادات بعينها، ولم يتورع هؤلاء عن استخدام ورقة كهذه.

وإذا كتب أحد الأشخاص المعروفين، ابن قيادي كبير؛ عن دكتور جامعي مصري في إسطنبول، يقف أمام أحد المولات التجارية يبيع (جوارب وفانلات) ليكسب قوت يومه، وذلك لمعارضته لقيادة في الخارج، مجرد رأي قاله في الجلسات السرية، فكيف سيكون حال من في السجون والمعتقلات، والشكوى متكررة، من طلاب ضاع مستقبلهم، ولم يجد أي عون له، بينما يرى آخرين تفتح لهم الأبواب المغلقة، وكل التسهيلات الحياتية من إقامة لعمل، لتفاصيل أخرى، فكل هذه الملابسات والظروف لا بد أن يتفهمها الناس، لا أن نصبح سكاكين مسنونة جاهزة لذبح كل من يعارض، ومن يتنفس.

ثانيا: يطالب من في الخارج في تصريحاتهم، وفي تسجيلاتهم، وتعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، يطالبون المعتقلين بالصبر والثبات، والسؤال الأهم هنا: لماذا يصبر المعتقلون في السجون، ما القضية التي يصبرون لأجلها؟ أهو الأجر على المحنة؟ بالطبع هم يعلمون ذلك، وهم يبتغونه من الله، ولكن السؤال هنا: هل هناك من يتحرك لأجلهم، ويسعى لفك أسرهم، فهل هذا حدث من القيادات أو الأفراد الذين شككوا في الرسالة، أو نالوا من ثبات وإيمان أصحابها، بأنه ضعف، وخذلان، وأنه رسالة أمنية بامتياز؟  الحقيقة، وبملء فيّ أقول: لا، بل إن كثيرا من هؤلاء القيادات كانوا سببا في إفشال كل كيان يعمل على السعي لذلك، من (تحالف دعم الشرعية) إلى أية مبادرة أو كيان يخرج، أو دعوة للتوحد، تجد من يرفضها ويلفظها، ويحاربها، هم أنفسهم من يشككون في الرسالة، أو يرفضون مضمونها.

ثالثا: إن بعض من هاجموا الرسالة، والشباب، تكلموا وهم في أمان، بينما أصحاب الرسالة في خطر، وتكلموا وهم في بحبوحة من العيش ورغده، بينما أصحاب الرسالة في حالة كبرى من الضنك، بل إن أحد من هاجموا الرسالة والشباب في مادة مرئية، أمّن بقاءه بأكثر من إقامة في أكثر من بلد، حتى إذا ما ضيق عليه في بلد ذهب إلى أخرى، والبعض أمّن حياته ماديا، فلماذا يقوم بالتبكيت والهجوم على أصحاب الرسالة؟ هل هذا معقول؟ أن يتكلم عمن في السجون، ومن ضاعت حياتهم، من أمّن حياته وحياة أبنائه، بل مستقبلهم، وربما مستقبل أحفاده، ليتحدث عمن يريد فقط أن يخرج للحياة يتنفس كما يتنفس البشر، ليخرج من سجن صغير، إلى سجن كبير في مصر؟

رابعا: العجيب أن من هاجموا هؤلاء الشباب، أو هذه المبادرة، كانوا دوما يرفعون شعار ومبدأ: لا يفتي قاعد لمجاهد، أي لا يفتي من هو في الرحرحة والبحبوحة من الحياة، لمن هو في السجن، أو في ميدان النضال، فلما خرج من بعض أهل النضال رأي يمثلهم، ولا يمثل غيرهم، خرج أهل القعود ليمارسوا سلطتهم عليهم، بأنهم على خطأ، وهم وحدهم الصواب المطلق، لا أدري متى تستدعى المبادئ لتطبق، ومتى تسحب؟ وهو ما يذكرنا بأن بعض الشباب كان ينادي بأنه لا ولاية لأسير، في إشارة لمرشد الجماعة، فيهاجم من هذه القيادات، ولما أرسل المرشد رسالة من داخل السجن، أن يتولى أمر الجماعة ثلاثة أشخاص، غير من يتصدر لها، كان التعليق من نفس القيادات: لا ولاية لأسير!

خامسا: كنت أتمنى ممن علقوا سواء من قيادات الجماعة، أو غيرهم، أن يقرأوا سير التاريخ، والجماعة نفسها، الموقف من مثل هذه المبادرات، والموقف من حال من يضعف في السجن، وهو أمر وارد، بدليل أن من خرج إلى مهجره لماذا خرج؟ لو كان الضعف في السجن رذيلة، فكل من خرج من مصر قد مارسها وزيادة، لا يليق بأحد أن يدعي الفروسية والبطولة على من صمد وبقي في مصر، بينما يأكل الشاورما والبقلاوه التركي، أو يشرب الشاي الإنجليزي، داخل الغرف المكيفة، ليمارس دور العظمة والصمود على مساكين ضعفوا في السجن. بينما قال لنا ذات مرة قيادي: لو استدعتني المخابرات البريطانية فسأقول كل ما لدي. لأني مش حمل بهدلة! يعني من في الخارج يجد لنفسه الرخصة، ولا يقبل بها لمن في سجون مصر، رغم أنه لا مقارنة بينها وسجون أوربا!

السوابق

هل سبق في الجماعة أن فعل أفراد منها ذلك؟ نعم، حدث، وأسماء كبيرة، ذكرت بعض تفاصيلها في دراسة موسعة لي بعنوان: (الخارجون عن الإخوان.. متى وكيف ولماذا؟) و(العلاقة بين المفكر والتنظيم)، كثيرون رأوا ضررا في وجودهم في السجن، وأن مكانهم الطبيعي خارجه، لأداء دورهم الدعوي والرسالي، كان من هؤلاء: الأزهريون، ولذا كان هناك موقف من بعض المتعصبين من الجماعة بعد عودة التنظيم في عهد السادات، من الأزهريين، لأن كثيرا منهم أخذ بهذه الرخصة، وكتب رسالة للإفراج عنه لعبد الناصر. ولذلك لما سئل المستشار حسن الهضيبي رحمه الله مرشد الجماعة الثاني، عن موقفه ممن ضعف واستجاب وكتب تأييدا لعبد الناصر ليخرج، فقال: تقوم الدعوة على أكتاف أصحاب العزائم، ولأهل الرُخَص في دعوتنا مكان).

أخيرا: كان بإمكان القيادة الإخوانية، أن تتعامل مع الأمر بحنكة، ولا أقول بمنطق تدين فقط، بل بالذكاء السياسي، فالأفضل لها أن تترك للأفراد حرية التصرف، كل حسبما يمليه عليه دينه وضميره، ما لم يتعارض ذلك مع ثوابت الدين، والطبيعي أنه سيتقدم أشخاص بطلب العفو، وسيرفض النظام، لأنه لا حاجة له بأي صفقة مع الجماعة، عندئذ لو ترك القيادة الأفراد لفعل ما يمليه عليه مصلحتهم وتدينهم، ورفض النظام، لن يجدوا إلا الالتفاف حول قيادتهم، أما أن تخرج القيادة بكلام لا يجعلهم يشعرون بما يعانون منه، فهو سيؤدي إلى زيادة الجفاء الموجود طبيعي بينه وبينهم. فهل من عقلاء يتعاملون بهذه الروح؟ نتمنى.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة