مقالات

أعطني حظ محمد صلاح وأرمني البحر!

 

أعطني حظ محمد صلاح وأرمني البحر!

كثير من عشاق كرة القدم ومتابعيها أجدهم يرددون تلك المقولة وهم يراقبون النجاحات التي يحققها اللاعب محمد صلاح (27 سنة) نجم المنتخب المصري والمحترف بنادي ليفربول الإنجليزي، تلك النجاحات التي جعلته يصبح اللاعب رقم واحد في منتخب بلاده وفي ناديه الإنجليزي، بل وأحد أفضل ثلاثة لاعبين على مستوى العالم..

هم يعتقدون أن موهبة صلاح وإمكاناته الفنية لا تتناسب وحجم الإنجازات والأرقام القياسية التي حققها في الفترة الأخيرة، وهو ما كان ليحقق كل تلك الإنجازات لولا مساندة الحظ له.

والكلام على قدر تعارضه مع منطق المنافسة الرياضية العصرية القائمة على العلم وحسابات الأرقام ولا يوجد مجال فيها للحظ، إلا أن مبرراته تبدو منطقية إلى حد ما، ذلك إذا ما تم النظر إلى حالة صلاح بشكل أوسع وأشمل، ليس من خلال التقييم الفني والبدني فحسب، وإنما من حيث المنافسة بينه وبين زملائه من الفريق نفسه، وزملائه من الفرق الأخرى، ومن حيث الإنجازات التي كان يجب أن يضيفها لسجله لتكتمل به عناصر النجاح الحقيقية، لكنه لم يحققها.

ينافس نفسه

هذا الفريق من الناس يرى أنه وعلى صعيد المنتخب الوطني لا خلاف على أن محمد صلاح هو الأفضل بين كل المجموعة الحالية، وهو يستحق من دون جدال أن يكون اللاعب الأول بينهم، لكن وبالنظر إلى مجموعة اللاعبين التي يضمها المنتخب المصري في الفترة الحالية تجد أن صلاح ينافس نفسه، فليس هناك أي لاعب موهوب يمكن أن يدخل مع صلاح في منافسة حقيقية، بل إن معظمهم غير جدير بتمثيل المنتخب أصلا، بما في ذلك اللاعبون المحترفون بالدوريات الأوربية مثل محمد النني وأحمد المحمدي وتريزيغيه وكوكا ووردة وغيرهم، وبروز نجم صلاح وسط هذه المجموعة أمر طبيعي ومنطقي جدا، على عكس ما كان سيحدث في حال وجوده مع مجموعة اللاعبين التي كان يضمها في الجيل السابق لهذا الجيل مثل محمد أبوتريكة وعمرو زكي وأحمد حسام (ميدو) وعماد متعب وغيرهم من النجوم الذين حققوا لمصر أفضل إنجازاتها الكروية على مدار تاريخها، وجوده وسط هذه المجموعة من اللاعبين أصحاب المواهب العالية كان سيصرف عنه الكثير من الأضواء، بل كان سيقلص من دوره ومكانته بالفريق. يعتقدون أيضا أن وجوده وسط المجموعة الحالية من دون أية مزاحمة من نجم أخر أتاح له جذب كل الأضواء حوله والتألق على حسابهم، فأصبح هو المرشح الأول دائما لأية جوائز محلية أو أفريقية.

الإبداع الفردي

وداعمو هذا الرأي يرون أن موهبة صلاح تتوقف عند حد الإبداع على المستوى الفردي، لا على المستوى الجماعي، والدليل على ذلك أنه عاجز عن قيادة المنتخب المصري لأية بطولة، رغم قيادته للفريق في بطولتي كأس أمم أفريقية متتاليتين لم تفز مصر بأي منها، وأقيمت إحداهما في مصر..

هذا على صعيد المنتخب، أما على صعيد الأندية فهم يرون أن الخدمة التي قدمها الحظ لصلاح تمثلت في أن تشهد تلك المرحلة من تاريخ الكرة الإنجليزية نقص حاد في اللاعبين أصحاب المواهب الكبيرة، الأمر الذي جعل صلاح يتنافس مع لاعبين أمثال السنغالي ساديو مانيه زميله بالفريق، والإنجليزي هاري كين نجم توتنهام، والغابوني أوباميانغ نجم الأرسنال، وأوغويرو نجم السيتي، وجميعهم من أصحاب المواهب المتوسطة التي يمكن لصلاح أو غيره أن ينافسها، فسيبقهم أو يسبقوه، سيان، والمؤكد أن الوضع كان سيختلف لو أن منافسي صلاح بالدوري الإنجليزي كانوا من عينة اللاعبين أصحاب المواهب العالية مثل ميسي أو كريستيانو ونيمار ومبابي. يقولون أيضا إن الحظ قدم لصلاح خدمة العمر عندما أهداه لقب هداف الدوري الإنجليزي واللاعب الأفضل به، تلك الخدمة التي جعلته يصبح واحدا من أبرز نجوم الدوري الإنجليزي في تاريخه، وخدمة الحظ تمثلت في أن يتعرض منافسه الوحيد على اللقب وهو المهاجم هاري كين للإصابة قبل نهاية الموسم، فتسببت الإصابة في غياب كين عن الملاعب ثلاثة أشهر كاملة، فترة كانت كافية جدا كي يوسع فيها صلاح فارق الأهداف لصالحه ويتقدم نحو تحقيق لقب هداف الدوري، وهو اللقب الذي كان سببا مباشرا في حصوله على اللقب الثاني الأغلى وهو أحسن لاعب في الدوري.

وطبيعي أن يرى هذا الصنف من الناس أن محمد صلاح لا يملك موهبة فذة في كرة القدم، فهم يعتقدون أن مهاراته تتوقف عند حد سرعته الكبيرة وإجادته التسديد على المرمى، أما باقي المهارات مقارنة بلاعبين أمثال ميسي ورونالدو ونيمار فهي محدودة، ومن هذه المهارات على سبيل مثلا القدرة على المرور من رجل لرجل، والقدرة على بناء الهجمات وصناعة اللعب، والإجادة في أكثر من مركز، أو التهديف من ضربات الرأس.

جوانب ايجابية

وإذا ما وافقنا على هذا الرأي وسلمنا بدور الحظ في مسيرة صلاح الكروية، فالإنصاف يقتضي الإشارة إلى الجوانب الإيجابية في اللاعب وإمكاناته الكروية التي أوصلته لهذه المكانة وجعلته يحظى بتلك الشعبية الجارفة على كافة المستويات المحلية والقارية والدولية. فيكفي صلاح شرفا وفخرا أنه استطاع مزاحمة عتاولة اللعبة بالعالم على الألقاب الكبيرة، كما أنه تمكن من التألق والإجادة والفوز بالألقاب الكبرى في دوري هو الأكبر والأقوى والأشرس على مستوى العالم وهو الدوري الإنجليزي.

والتاريخ لن يذكر لصلاح دور الحظ معه، وإنما سيذكر له الإنجازات فقط، لا سيما وأن مسيرته الكروية على الرغم من قصر مدتها (سبع سنوات فقط)  عامرة بالكفاح والعطاء والأرقام القياسية، والحق نقول إنه ما كان له أن يصل إلى ما وصل إليه من دون أن يكون وراءه مشوار كفاح شاق وعظيم قطعه بكل نجاح. والحقيقة أن الذين يعتقدون في دور الحظ في مشواره هم الذين يقيمونه على أدائه في العامين الأخيرين فقط، ويعتقدون أن ما تحقق فيهما هو كل الإنجازات التي حققها في مسيرته الكروية، وهذا خطأ، لأنهم ولو كلفوا أنفسهم عناء الدخول على صفحة صلاح على الويكيبيديا لربما شعروا بالخجل من حجم الإنجازات التي حققها خلال مع كل الأندية التي لعب لها.. نضيف إلى ذلك أنه وعلى المستوى الفني فإن صلاح يمتلك مهارات خاصة هي التي جعلته يصبح واحدا من أغلى ثلاثة لاعبين على العالم، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، سرعته الفائقة والكرة في حوزته وهي مهارة نادرة لا يملكها إلا القليل من لاعبي الكرة، وكذلك قدرته على التسديد القوي المتقن من الثبات والحركة، فضلا عن قوته الجسمانية التي تمكنه من الالتحام القوي، وإجادته تسجيل الأهداف من الكرات الثابتة وضربات الجزاء، فضلا عن لياقته البدنية العالية، وقدرته على اللعب لمدة تسعين دقيقة بجهد ثابت.. أما الأهم في حدوتة صلاح فهو امتلاكه للطموح الكبير، ذلك الطموح الذي افتقده لاعبون مصريون كثيرون خاضوا نفس تجربته بالاحتراف بأوربا، بل ولعبوا بالدوري الإنجليزي لكنهم لم يحققوا النجاح نفسه ولا بعضه، ومن هؤلاء مثلا لا حصرا أحمد حسام (ميدو) وحسام غالي وعمرو زكي، فمنهم من أغوته حياة الفرنجة فانحرف عن مساره مثل عمرو زكي، ومنهم من لم يتخلص من سلوك الهواية في تعامله مع مدربيه وزملائه  مثل حسام غالي، ومنهم من لم يقع في مثل هذه الأخطاء لكنه افتقد الطموح مثل ميدو، ولو امتلكه لربما فاق صلاح في الإنجازات. وبفضل هذا الطموح نجح صلاح في أن يتعايش مع المجتمعات الغربية بنفس منطقها من دون التخلي عن قيمه الإسلامية وتقاليده الشرقية..

الخلاصة: صلاح دخل التاريخ من أوسع الأبواب، والطعن في جدارته بذلك والتقليل من حجم إنجازاته لن يخرجه من الأبواب الضيفة.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة