مقالات

مسار الإجهاز المعنوي على أول رئيس ديمقراطي في مصر

 

مات محمد مرسي، أو أُريد له أن يموت بالأحرى، في السابع عشر من يونيو/ حزيران 2019، بعد سنوات مورست فيها بحقِّه أساليب مكثّفة من الفتك الرمزي والاغتيال المعنوي، ابتدأت مع صعوده إلى الرئاسة في عام 2012، ثم الإطاحة به بعد سنة واحدة فقط صار بعدها أبرز سجين سياسي في العالم العربي على مدار سنوات ستّ.

إنه الرئيس المدني الأول في تاريخ مصر الحديث، وجاء انتخابه في اقتراع شعبي حرّ مشهود له بالنزاهة، وهي حقيقة تكفي لأن يتداعى أي نظام استبدادي لمحاولة إطفاء رمزيته وعزله وجدانياً عن شعبه؛ وهو ما جرى حتى قبل دخوله قصر الرئاسة ليمارس صلاحياته.

انتخب المصريون والمصريات الدكتور محمد مرسي رئيساً لبلادهم بعد انتفاضة شعبية عارمة أسقطت حسني مبارك من الرئاسة التي شغلها ثلاثين سنة. سقط مبارك لكنّ النظام لم يتهاوَ تماماً، فالعسكر أعادوا الإمساك بخيوط المشهد المتشابكة، واستنفرت “الدولة العميقة” قدراتها للإسراع في إلصاق وصمة “الفشل” بالرئيس الديمقراطي الأوّل، وربما الأخير، وبدت حريصة على نحره معنوياً على مرأى من شعبه والعالم.

الوصمة الأولى بحق مرشح الرئاسة

تمّ ابتداءً، التشكيك في أهلية الدكتور محمد مرسي لأن يصعد إلى رئاسة مصر والاستخفاف به. ألصق متحدثو الشاشات به نعوتاً وأوصافاً ذميمة منذ ترشّحه، بإظهاره مجرّد بديل احتياطي عن مرشّح آخر هو خيرت الشاطر؛ الذي أسقطت الجهة القضائية المختصّة ترشّحه للرئاسيات. وما إن تعرّف الجمهور على مرسي كأحد الوجوه المرشّحة للمنصب حتى وصمه متحدثو الشاشات بنعت “الاستِبْن”، وهي مفردة شعبية مهينة تعني إطار السيارة الاحتياطي. تعود كلمة “استِبْن” إلى إرث الاستعمار البريطاني، وأصلها من منشأ ابتكار العجلات الاحتياطية في سنة 1904 في ورشة تقع في شارع اسمه استبني Stepney  في منطقة للانيلي في ويلز البريطانية، فارتبط الابتكار باسم الشارع وانتشر عبر المستعمرات أيضاً.

لكنّ الشعب المصري انحاز في التصويت إلى هذا الوجه تحديداً، الذي تجاهلته تغطيات الإعلام في الشوط الانتخابي الأول وتمّ استبعاده حتى من المناظرة المرئية بين أبرز مرشّحي الرئاسة. ثمّ أحرز الأكاديمي صاحب النظّارة فوزاً شاقاً في الشوط الثاني مقابل اللواء أحمد شفيق، مرشّح النظام المستتر أو الدولة العميقة؛ الذي حظي بالأضواء وأخذ يتصرّف قبيل الاقتراع كأنه الرئيس الوشيك لمصر بلا ريْب استناداً إلى التوقعات التي حابته. لكنّ الرهان على شفيق خاب في لحظة الحقيقة، وبفوز مرسي تجنّدت حملات الاستهداف المعنوي للإجهاز على أوّل رئيس ديمقراطي في تاريخ الجمهورية.

كيف سيدخل القصر؟

فاجأت لحظة فوز محمد مرسي بالرئاسة أبواق العهد القديم التي استعجلت التبشير بفوز أحمد شفيق الذي كان على ما يبدو مرشح العسكر والدولة العميقة وعواصم الثورة المضادة.

صار على حملات الاستهداف المعنوي أن تستهدف رئيس الجمهورية المنتخب، حتى قبل أن يدخل قصره في بواكير صيف 2012، فانطلقت موجة تسفيه محبوكة لتبديد أي انطباع بأهلية الدكتور مرسي بالمنصب أو جدارته به. تم في الأيام والأسابيع الأولى افتعال روايات ومشاهد توحي بغربته عن قصر الرئاسة وجهله بكيفية الجلوس الأمثل على مكتب الرئيس مثلاً.

كان مطلوباً نزع الهيبة عن الرئيس الجديد، وهذا في بلد ارتبط به منصب الرئاسة بطقوس الهيبة، في العهد الملكي ثم في جمهورية الضباط. لكن ما العمل ما رئيس ديمقراطي يُبدي حرصاً واضحاً على الالتحام بشعبه والحضور بين جماهيره؟

لم يَكتفِ محمد مرسي بمراسم التنصيب الرسمية حسب الأنظمة، فقرّر التوجّه إلى الميدان واعتلاء منصّته في مشهد استثنائي من التنصيب الشعبي الذي رسم لوحة جماهيرية فريدة. كانت رسالة مرسي واضحة بأنه من الجماهير وإليها، وأنه رئيس من عهد الثورة، وأنّ رئاسة الجمهورية لن تصرفه عن الوفاء للميدان. أقدم مرسي يومها على خطوة مفاجئة فوق المنصّة الجماهيرية، بأن تقدّم مكشوفاً في مواجهة الشعب متجاوزاً فريق الحماية، ثمّ كشف سترته ليظهر دون واقٍ من الرصاص.

اتّضح بعد هذا الموقف الرمزي أنّ منظومة الإعلام الراقدة على النيل لن تحتفي بمبادرات مرسي الرمزية أو بإشاراته الجريئة هذه، بل مضت إلى استعمَال كل خطوة بصفة عكسية ضدّه بهدف الإمعان في نزع الهيبة عنه واعتبارها قائمة على الافتعال والتصنّع، حتى أنّ بعض المتحدثين مثلاً علّقوا على حدث السترة الجماهيري بالسخرية منها واعتبار أنّ مرسي لم يُفلِح في محاكاة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر!.

تفاقم هذا المنحى من التحامل والازدراء، إلى درجة انتقاد خروج الرئيس إلى صلاة الفجر مع مواطنيه في مساجد القاهرة، وزعم بعض المعلِّقين أنّ ذلك يأتي على حساب التفرّغ لحل مشكلات البلاد المستعصية.

ما حرّك هذا التحامل والترصّد خشية واضحة من أن ينجح أول رئيس مدني منتخب في كسب رهان الشعبية، بعد أن اعتاد هذا الشعب وجوهاً مزمنة في الواجهة المُحاطة بطقوس الهيْبة. لأجل هذا تمّ قطع الطريق على فرص تحقيق الأُلفة مع الوجه الجديد الذي يٌفترض أنّه يقود الجمهورية، مع السعي الدؤوب على نزع الهيْبة وتبديد الاحترام عن صاحب الشرعية الانتخابية غير المسبوقة، مع تأويل عكسي لنزوعه الواضح إلى التواضع؛ بإظهاره غير ملائم للمنصب ومتطلّباته، حتى قيل تصريحاً وتلميحاً إنّ مصر تستحق من هو أفضل منه.

كان لدى الدعاية المضادة فرصة معقولة للإطاحة المعنوية بالرئيس تمهيداً للإطاحة الفعلية به. فالإعلام الرسمي لم يمنح أي وجه غير الرئيس المخلوع مبارك وزمرته فرصة الظهور والتمجيد، وتمّ حجب المعارضين جميعاً عن المشهد إلى درجة أنّ وجوههم لم تكن معروفة تقريباً للناس ومنهم محمد مرسي.

صعد مرسي إلى الواجهة الرسمية فجأة؛ قادماً من الهامش القسري أو من السجن السياسي بالأحرى. لم يُسمَح له من قبل بفرص الظهور الإعلامي والحديث إلى الشعب، رغم تدرّجه في مراتب العمل السياسي والمدني ومكابدة سجالات البرلمان سنوات طويلة. من السهل الإمعان في تشويه مَن يجهل الناس اسمه ورسمه، فهذا يتطلّب جهداً أقلّ من تشويه مَن يعرفونه تماماً، ولهذا تمّ صبّ جهود سريعة ومكثفة للإساءة إلى الرئيس مرسي في الأيام والأسابيع الأولى التي أعقبت دخوله القصر خشية أن يُنسَج له حضور رمزي في وعي شعبه الذي انتخبه.

ضربت منظومة التشويه بحجاب من حول مرسي، فلم تُتِح للشعب فرصة معايشة رئيسه، إلى درجة التجاهل الإعلامي المطبِق لبساطة حياته اليومية، وإغفال دلالة تنازل زوج الرئيس “أم أحمد” عن حياة القصر وامتياز “السيدة الأولى”، وهي لفتة لم تحظَ بأي تقدير يُذكَر في الأوساط الإعلامية والسياسية.

خنق الرمزية بدءاً من الاسم

من الأساليب التقليدية في التراشق الدعائي السطو على أسماء الأفراد والهيئات وتحويرها لأجل التشويه أو الحطّ من الكرامة. حرصت الدعاية المضادة لأول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في مصر على التلاعب باسمه، فأحجمت عن استدعاء لقبه العلمي الذي تفرّد به دون ضبّاط تعاقبوا على رئاسة الجمهورية، كي لا يحظى بامتياز الوصف المتوقع: “السيد الرئيس الدكتور محمد مرسي”.

وبعد عقود أربعة من إبراز الرئيسيْن “محمد” أنور السادات، ثم “محمد” حسني مبارك بصفة مفتعلة مشفوعة بالتبجيل والتكريم الذي يرتبط عند المصريين والعرب باسم النبي الكريم؛ حرصت الجوقة على حجب الاسم الأول الأصيل عند ذكر أوّل رئيس ديمقراطي، فهو عندها “مرسي” فقط. ثمة حيلة أخرى جرت لاحقاً باستدعاء اسم العائلة المطوّل بصفة منافية للّياقة ومتجاوزة للعرف السائد والبروتوكول الرسمي، فصار المتحاملون يسمّون رئيس الجمهورية “محمد مرسي العيّاط”.

تفاقم هذا المنحى طوال السنوات التي زُجّ خلالها بمرسي في محاكمات استعراضية بعد سجنه، فكان القضاة المتغطرسون يحرصون على المناداة على اسمه بطريقة توحي بأنه مواطن غير مُعرّف، حتى أعلن أحدهم يوماً عن حكم بمعاقبة “محمد محمد مرسي عيسى العياط” بالإعدام شنقاً.

وصلات التسفيه والتهكم

امتدّ التشكيك بالأهلية إلى الاستغراق في الإسفاف ونسج المزاعم الرخيصة، إلى درجة نشر ادعاءات في صيغة “تسريبات” مزعومة عن “تصرّفات غريبة” تصدر عن رئيس الجمهورية، والإتيان بأقاويل ملفّقة لأطباء نفسيين مزعومين عن سلوك “هذا الرجل” الذي يسكن قصر الرئاسة. وجدت هذه الحكايات الساذجة فرصة واسعة في عناوين هبطت بمستوى بعض الصحف المصرية إلى دركات الاستغفال والحضيض الدعائي.

على مدار سنة كاملة في القصر تمّ استهداف الرئيس مرسي بتقارير ومزاعم دؤوبة، مع تعقّبه في تعبيراته وحركاته وإشاراته وسكناته. فما إن تودّد إلى شعبه بالقول “أهلي وعشيرتي” التي كانت لازمة لخطاباته الأولى، حتى انطلقت حملة ضارية لإساءة تأويل هذا التعبير واعتباره عودة إلى منطق القبيلة والعشيرة. وما إن رفع إصبعه محذِّراً في أحد خطاباته من عنف الشوارع بعد سقوط ضحايا في بورسعيد ضمن تفاعلات قضية “مجزرة الملعب الرياضي”؛ حتى لاحقته النعوت وحاصرته رسوم الكاريكاتير بطرق إيحائية مسيئة. وعندما منحته جامعة باكستانية الدكتوراة الفخرية واعتمر قبّعتها حسب المراسم الأكاديمية التي حتى تعقّبته صور ورسوم ساخرة مشفوعة بتعليقات لاذعة لإظهاره في هيئة غرائبية.

لم تقتصر مساعي التسفيه الدؤوبة على صحف الرصيف، فبرامج الشاشات تجنّدت ضد الرئيس المنتخب بصفة صريحة أو إيحائية وبدا وكأنها ترميه عن قوس واحدة. ظهرت خلال العهد الديمقراطي جوقة من المتحدثين والمتحدثات الذين اختصّوا بمهاجمة مرسي والسخرية منه، علاوة على ممثلين وممثلات ووجوه معروفة سيق بعضهم إلى أداء أدوار موجّهة على هذا النحو. اشتغلت هذه الوجوه في خدمة التعبئة الشاملة لقطاعات الشعب وأوساطه، فمنها من تحدّث لعموم الناس، ومنها من ظهر مخاطباً الأوساط الشعبية والريفية وقاطني العشوائيات، ومنها مَن خاطب الشرائح المدينية الوسطى فما فوقها، ومنها ما أظهر رصانة في الحديث المسدّد في الاتجاه ذاته، مقابل شخصيات مبتذلة من بينها راقصة كرّست إطلالاتها ضد رئيس الجمهورية و”جماعته”.

من بين هذه الجوقة ظهر باسم يوسف مثلاً كأحد مقدِّمي برامج المساء الحوارية الساخرة في سنة الديمقراطية الفريدة تلك، كرّس نجم شاشة التسلية وقتها قسطاً من برنامجه للتهكّم على “مشروع النهضة”، أي البرنامج الانتخابي الذي صعد به مرسي إلى الرئاسة، والذي لاقى كثيراً من التسفيه على هذا النحو دون أي قراءة نقدية منصفة في الشاشات. ويعبِّر توفيق عكاشة عن نمط آخر حظي بمتابعات واسعة في برامج تغترف من التعبيرات الهابطة المسدّدة ضد رموز العهد الديمقراطي وعلى رأسهم مرسي ذاته. أمّا متحدثو “أفضل أوقات البثّ” فخرجوا على الشعب المصري بألسن متعددة ومضامين متطابقة تقريباً حسب التعليمات المتجددة التي يتلقّونها.

على هذا المنوال تضافرت هجمات الانتقاص من المكانة وتقويض الرمزية من منظومة دعائية متكاملة قعدت للرئيس المرسي كلّ مرصَد، مقابل انهماك المنظومة ذاتها في تمجيد المستبدِّين، حتى بلغ الأمر في خواتيم عهد مبارك مبلغ التلاعب المتعسِّف بصور وكالات الأنباء وتحريفها لإبراز مبارك متقدِّماً القادة وفق فضيحة شهيرة في صحيفة “الأهرام” العريقة (سبتمبر/ أيلول 2010).

تعزّز مسار الإجهاز المعنوي على أول رئيس ديمقراطي منتخب في مصر، وكان مطلوباً عزله وجدانياً عن شعبه والإسراع في إلصاق وصمة “الفشل” به، ونحره معنوياً على مرأى من شعبه والعالم، تمهيداً للانقلاب عليه.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة