نهاية مغامرة حمقاء لخليفة حفتر!

تنتقل ليبيا من جنون القذافي إلى هوس حفتر الذي يريد تكرار التجربة القذافية، وربما هي “عقدة” قديمة مترسخة لديه عندما كان رفيقاً له في انقلاب 1969

 

يسعى الجنرال المتقاعد خليفة حفتر (76 عاماً) لبناء ديكتاتورية عسكرية في ليبيا، لكن مساعيه ستبوء بالفشل، ونذر الفشل تظهر اليوم مع تعثر هجومه على العاصمة طرابلس والغرب الليبي الذي يحاول إخضاعه لسيطرته بقوة السلاح.

 كان حفتر يتصور أنه سينهي حملته في غضون أيام، ثم يقف في الساحة الخضراء في قلب العاصمة معلناً الانتصار وهزيمة ما يسميه “الإرهاب”، ومستعيداً صورة قميئة لديكتاتور راحل مقتول هو القذافي، ومجدداً كيان الدولة الأمنية التي أسسها القذافي ثم انهارت مثل بيت العنكبوت في ربيع ليبيا (ثورة 17 فبراير 2011)، دولة الكتاب الأخضر، واللجان الشعبية والثورية، والجماهيرية العظمى، والحاكم الذي لا يحكم إنما هو قائد الثورة والأب الروحي للشعب، وملك ملوك أفريقيا، وأقدم حكام العرب، إلى آخر هذه الخزعبلات!

من الجنون للهوس

 تنتقل ليبيا من جنون القذافي إلى هوس حفتر الذي يريد تكرار التجربة القذافية، وربما هي “عقدة” قديمة مترسخة لديه عندما كان رفيقاً له في إنقلاب 1969 على الملك إدريس السنوسي، ثم قاد حملة عسكرية على تشاد وأخفق فيها، وتم أسره هناك بعد هزيمته في معركة وادي الدوم 22 من مارس/آذار 1987، وجرى إطلاق سراحه أواخر الثمانينيات، وانتقاله للعيش في أمريكا بترتيبات من المخابرات لصنع معارض للقذافي، وفي هذه أيضاً لم يكن ناجحاً، وهو يستميت منذ سنوات للقفز على ليبيا كلها لينصب نفسه ملكاً عليها ببزته العسكرية ونياشينه ورتبه التي يمنحها لنفسه، إنها أمراض الجنرالات في البلدان العربية والعالم الثالث الذين لا يخوضون معارك عسكرية حقيقية، إنما مواجهاتهم ضد شعوبهم.

 راجعوا مسيرة حكام المنطقة من الجنرالات ستجدونهم هُزموا في الحروب أمام إسرائيل – باستثناء السادات في حرب أكتوبر 1973 – بينما يستأسدون على مواطنيهم، وينزلون الهزيمة بهم، عدد من قتلوهم من الإسرائيليين في حروبهم معها يتضاءل كثيراً أمام الدماء التي يسفكونها من أبناء شعوبهم، تكفي أوسع وأبشع مجزرة بحق الشعب السوري للتدليل على الجرائم الشنعاء.

الربيع العربي كان ثورة ضد الأنظمة الاستبدادية، وكلها عسكرية وأمنية، ورغم ثبوت أن الخلاص النهائي منها ليس سهلاً حيث أسست قواعد عميقة من المصالح والتحالفات المتشعبة مع قوى نفعية كارهة للتغيير والإصلاح الذي يهمش دورها ويجعلها تحت الرقابة والمحاسبة، فإن الأمل لا يزال قائماً في قطع الطريق على هذا النوع من الحكم العنيف غير الشعبي، وتأسيس منظومات الحكم الرشيد في البلدان التي لا تزال نخبها وشعوبها تقاوم.

نادي الديكتاتوريات

  حفتر لا يقاتل من أجل بناء ليبيا جديدة، إنما للانضمام لنادي الديكتاتوريات التي تصادر أحلام الشعوب في الحرية والديمقراطية والرفاهية، وعلى الطرف النقيض منه يقف فائز السراج (59 عاماً) رئيس حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً، فهو الوجه الديمقراطي المدني لليبيا، وهو صورة المستقبل مقابل الصورة الرجعية للجنرال الذي فرض القتال على السراج وقوات الوفاق والجماعات المتحالفة معه عندما قاد هجومه يوم 4 من أبريل/نيسان الماضي معتقداً أنه ذاهب إلى نزهة في طرابلس ومطمئناً إلى دعم عواصم إقليمية تتبناه، وعواصم دولية منافقة تلعب لمصلحتها وتخذل الديمقراطية والسلام في البلد الجريح المنقسم، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي سفن حفتر، فقد تكسرت أشرعتها على شواطئ وأبواب طرابلس لصمود السراج وحلفائه إدراكاً منهم بأن الغازي لا يحارب متطرفين وإرهابيين كما يزعم، إنما يريد إحكام قبضته على ليبيا كلها، ففكرة الديمقراطية غير موجودة عنده، بل العسكرة وحلول القوة وليس حلول السياسة والحوار والتفاوض والتوافق الوطني، وهو جزء من منظومة إقليمية تنتهج نفس المسار في إحتقار الإرادة الشعبية، وفرض السياسات الأمنية، وتدمير أشواق الحرية، لهذا يكافحون للالتفاف على ثورة الشعب السوداني، ويتربصون بالجزائر حتى لا يرسم شعبها مستقبله السياسي الديمقراطي، ويلعبون في تونس خلسة للتأثير على  ديمقراطيتها الناشئة.

 اليوم هو الرابع والتسعون في هجوم حفتر على طرابلس وسكانها وحكومة الوفاق، وهو هجوم أيضاً على العملية السياسية واتفاق الصخيرات بالمغرب في 17 ديسمبر 2015، وعلى كل ما أعقب الاتفاق من تطورات سياسية لحل الأزمة سلمياً، والعدوان استهدف المؤتمر الوطني الجامع للشعب الليبي الذي كانت الأمم المتحدة تجهز لعقده منتصف أبريل في “سبها”، أي قبل عشرة أيام من بدء الهجوم بهدف إفشال المؤتمر، فهو ورعاته يعلمون أن الحل السياسي لن يحقق أملهم في أن يكون حاكماً لليبيا، بل سينتج عنه بناء نظام ديمقراطي دستوري مدني تتنافس من خلاله كل القوى المؤمنة بإقامة دولة ليبية حديثة يكون القرار فيها للشعب، وليس للحاكم الفرد.

الانكسار التام

  استفاد الليبيون من دروس إخفاق الربيع العربي في بعض بلدانه لهذا يقاومون لعدم إتاحة الفرصة لمن يقودهم إلى ممارسات البطش والمعتقلات، وليبيا لن تستقر إلا بحلول سياسية سلمية يتوافق حولها الجميع دون إستثناء أحد من المؤمنين بالديمقراطية، أما الكيانات التي ترفض هذا الطريق وتنتهج العنف أو العسكرة فهى تحكم على نفسها بالخروج من المعادلة الجديدة، والعزل، والمواجهة إذا تطلبت المصلحة الوطنية ذلك.

حملة حفتر في طريقها للانكسار التام بعد انتزاع قاعدة عسكرية مهمة من مدينة غريان منه، وعدم تحقيقه إنجازاً يُذكر على مختلف خطوط القتال طوال أكثر من 3 أشهر من القتال، وبعد الهزيمة المعنوية برضوخه وإطلاقه ستة أتراك كان اعتقالهم تحدياً لأنقرة التي هددت بأن قواته ستكون هدفاً مشروعا لها إن لم يطلق سراح مواطنيها فوراً، كما تحاصره اتهامات بقصف معسكر اللاجئين في تاورجاء.

 والأطراف الخارجية التي تدعمه وتحركه في مأزق وحرج بالغ بعد أن طالت العملية دون جدوى، وهذا فشل كبير لهم أيضاً وإشارة بسقوط خطتهم في ليبيا.

 وسيكون في هذا الهجوم نهاية مغامرة حفترية حمقاء تحاول إعادة عقارب الزمن للوراء، وأحلام الديكتاتورية والعظمة المصطنعة البائسة لن تتحقق في ظل تمسك حكومة السراج الشرعية بالمقاومة السياسية والعسكرية من أجل مدنية الدولة، ووجود قوى ليبية عديدة تشاطرها رفض الدولة الاستبدادية، والإيمان بالديمقراطية، والتوافق الوطني الجامع، واحترام الإرادة الشعبية.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه