أزمة القنصل المصري في مدريد .. هذا ما نشرته الصحافة الإسبانية!

غير أن الشرطة وبعد أن انطلقت في تحرير محضر في الحادثة اكتشفت أن المُعتدي هو الرجل الثاني في البعثة اليبلوماسية المصرية في مدريد.

نشرت جريدة “ال دياريو” الإسبانية صباح أمس الإثنين العنوان التالي ” الحصانة الدبلوماسية تمنع إيقاف قنصل مصري اعتدى على زوجته بالضرب في فضاء عام”.

وما هي إلا سويعات حتى غزا الخبر بقية مواقع الصحف والقنوات التلفزية؛ لكن الخبر لم يقف عند حدّ وقائعه ونقاشها، بل نشرت الجريدة صاحبة السّبق بعد 24 ساعة بالضبط خبرا آخر يفيد بأن وزارة الخارجية الإسبانية أجبرت السفارة المصرية على إقالة القنصل وترحيله الى مصر. فما هي تفاصيل الحادثة؟

التفاصيل:

 يذكر مقال جريدة “ال دياريو” أن الشرطة الإسبانية تلقّت ظهر يوم 13 يوليو/تموز الجاري نداء على رقم خدمة الطوارئ لإنقاذ امرأة وابنتها البالغة من العمر 14 سنة بسبب تعنيف زوجها لها في فضاء مركز تجاري مشهور في مدريد.

وعند التدخل ونقلهم إلى مركز إيقاف قريب، طلبت الزوجة من الشرطة التقدم بطلب حماية وإبعاد عن زوجها، غير أن الشرطة وبعد أن انطلقت في تحرير محضر في الحادثة اكتشفت أن المُعتدي هو الرجل الثاني في البعثة الدبلوماسية المصرية في مدريد، وهو القنصل طارق أ. كما اشارت له الجريدة لاسمه كاملا والذي (شغل منصب مستشار ثم قنصل عام في عهد مبارك ومرسي في السعودية، وتمت ترقيته في عهد السيسي ونقله إلى إسبانيا). وبالفعل، وصل فريق من السفارة المصرية إلى مركز الإيقاف وأكّد هوية المعتدي، وطلب التحدث إلى الضحية على انفراد، والتي تنازلت على إثرها عن مطالبها بما فيها تحرير المحضر ذاته.

ورغم ثبوت الاعتداء على الزوجة وابنتها (اللتان كانتا في زيارة له بمناسبة العطلة) واكتشاف الشرطة أن المعتدي ذا سوابق في العنف المسلّط على المرأة في التراب الإسباني، إلّا أن الحصانة التي يمنحها له منصبه تقف حاجزا أمام تطبيق العقوبة المناسبة عليه، وأنه بالاستناد إلى الفصل 31 من اتفاقية فيينا، فإن جريمة الدبلوماسي تخضع لعقوبات بلده، لا البلد المضيف.

أزمة السفارة:

    من المتعارف عليه، أنه في حالة وقوع مشاكل قانونية أو حوادث جنائية للدبلوماسيين خارج بلدانهم، فإن الدولة الأم تسحب ممثلها (محلّ التهمة) وتحاسبه على أرضها أو توهم الطرف المقابل بذلك حفاظا على سمعتها. لكن ما حصل في مدريد هو أن السفارة تشبّثت بإطلاق  سراح القنصل وحفظ تفاصيل الحادثة. وهو ما يفسر تأخر تاريخ نشرها.

 الطّريف في الأمر أن السفارة والسيد القنصل استأنفا النشاط كأنّ شيئا لم يكن، بل حضر هو وزوجته وابنته كتمثيل عن السفارة بعد يومين في مباراة ودية جمعت النادي الأهلي بفريق أوكام لكرة القدم في مدينة أليكنتي على ساحل إسبانيا الشرقي.

    لا أحد يجهل في الحقيقة وقع نوعية هذه الحوادث على الضمير الجمعي الأوربي وعلى عواطف مجتمعاته في الوقت الذي يمكن أن تتسبب فيه زلة لسان سياسي أو نجم ما، تقلل من شأن المرأة في خسارة مسيرة كفاح أو نجومية بأكملها، فما بالنا والأمر يتعلّق باعتداء على أم وابنتها، وفي فضاء عام وصادر عن رجل عربي.

وليته كان عربيّا غير مصري، فذاكرة الإسباني والأوربي ما زالت تحتفظ بمقطع فيديو وزيرة الهجرة الطازج الذي تهدد فيه ناقدي زعيمها بقطع الرقبة وهي على أرض كندا، ملجأ الحقوقيين. القنصل طارق سراج لم يستهدفه الإعلام ولم يلفّق له التهمة، بل أجرم حقا وزاد موقف سفارته تجاهه، الأمر سوءا وكأني به وبسفارته تعمل بمبدأ عبد الفتاح السيسي حين قال يوما “اللي مايرضيش ربنا، احنا بندعمه ونأيده”، يبدو أن خرق القوانين والاعتداء على المستضعفين والاستقواء بالحصانة حتى خارج مصر هي منهج حياة لدى هؤلاء.

بعد آخر:

   لم تكتف جريدة “ال دياريو” بنشر الخبر الأول والذي نقلته عنها جرائد عريقة على غرار “البريوديكو” و”لا فانغوارديا” وموقع قناة “لا سكستا” المشهور، بل أضافت الاثنين ليلا تفاصيل جديدة نقلا عن مصادر من وزارة الخارجية أعطت للحادثة بعدا آخر.

    إذ ذكرت أن شرطة مدريد وعند تشبّث السفارة المصرية بحصانة قنصلها ولجوء الضحية لسحب شكواها، اتصلت بوزارة الخارجية وأعلمتها بالأمر.
ويبدو أن نقاشا بشأن المعني بالأمر قد تمّ خلال الأيام الماضية بين ممثلين عن وزارة الخارجية والسفارة المصرية لم يفض الى عقاب القنصل. مما أدّى بوزير الخارجية الإسباني جوزيب بورّاي بنفسه الى إجبار السفارة على إقالة المتهم وترحيله إلى بلده، بل ومحاسبته هناك (بتحريض لجنة اتفاقية فيينا على تتبعه)، وهو ما أكدته السفارة المصرية مساء الإثنين، أي بعد نشر المقال الأول وانتشاره كالنار في الهشيم.

    وزير الخارجية بورّاي الذي ينتمي إلى الحزب الاشتراكي الاجتماعي، تصرّف بحسم مع الحادثة وفاء للمنظومة الأخلاقية المتعارف عليها، وبذكاء وبراغماتية أيضا وفاء لمبادئ حزبه المنتصر لحرية المرأة والدفاع عنها في حوادث العنف المسلط عليها، وفعلا فقد أكّد المتحدث الرسمي باسم قسم الجهاز الديبلوماسي في الوزارة، أن الجانب الإسباني لا يمكن أن يتغاضى عن هذه التجاوزات مهما كان مصدرها، وأن هذا الموقف الحاسم من القنصل المصري يأتي احتراما لسياسة “صفر تسامح” التي يعمل وفقها المجتمع الإسباني للوقوف في وجه العنف الذكوري المسلّط على النساء.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه