مقالات

كيف قضت الحركة المباركة على الديمقراطية؟!

 

" اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش وتولى أمره إما جاهل أو خائن أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها ".

قد لا تصدق أن الفقرة السابقة كانت ضمن بيان الجيش المصري للشعب فى 23 من يوليو/تموز 1952، والذي تمت إذاعته فى الإذاعة المصرية فيما سمي بالحركة المباركة للجيش، وصارت فيما بعد على أيدي الضباط الشبان "ثورة يوليو المجيدة " وأصبح لها أهداف لم يتم تحقيق أى هدف منها حتى الآن، ولكن هل تذكرك الفقرة السابقة التى مر عليها 67 عاما بالأحوال الحالية التى تعيش فيها مصر؟ وهل تذكرك بثورة زائفة استولت على إرادة الشعب مؤخرا؟

وهل تعتقد أن الفساد والرشوة انتهت وقضت عليها ثورة يوليو المجيدة، أم أن النظام الذي أسسته تلك الحركة وتلك الفترة صار محميا وطبيعيا يعشش فى كل أرجاء الوطن بعد أن تم تقنينه وأصبح منظما بقوة السلاح والفساد؟ وهل يذكرك هذا البيان ببيان مماثل سمعته مؤخرا فى مصر أو فى دولة عربية أخري؟

الحركة المباركة

لقد كان انقلاب 23 من يوليو/تموز تحركا عسكريا قاده ضباط الجيش ضد الحكم الملكي وعرف في البداية باسم "الحركة المباركة" ثم أطلق عليها ثورة 23 من يوليو/ تموز عقب حل الأحزاب السياسية وإسقاط دستور 1923 في يناير 1953.

وتحدث بيان الجيش عن الخونة والإرهاب المحتمل، حيث جاء فى البيان أنه يطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف لأن هذا ليس في صالح مصر، وأن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، كما لم ينس الجيش العمل على رضا الغرب فقد طمئن البيان الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم واعتبر نفسه مسؤولاً عنهم.

كان قائد الحركة التي سميت فيما بعد بالثورة هو اللواء محمد نجيب والواقع أنه تم اختياره – من قبل الضباط الشبان – كواجهة للثورة لما يتمتع به من سمعة حسنة داخل الجيش ، وكان اللواء الوحيد في التنظيم وسبب انضمام الكثير من ضباط الجيش للتنظيم ، وكان من أسباب نجاح الثورة ، لكن صراعا على السلطة نشأ بينه وبين جمال عبد الناصر بعد أن رأي اللواء محمد نجيب ضرورة تسليم الحكم لسلطة مدنية منتخبة، استطاع جمال أن يحسمه إلى صفه في النهاية وحدد إقامة محمد نجيب في قصر زينب الوكيل ، وتولى جمال عبد الناصر بعد ذلك حكم مصر من 1954 حتى وفاته عام 1970 واستمد شرعية حكمه من "ثورة يوليو" .

القضاء على الحياة السياسية

الغريب بعد هذا الانقلاب أن الضباط الشبان استولوا بحركتهم المباركة على الحكم وصاروا هم الاقطاع والاستعمار والباشوات، ولم يتبق من ثورتهم تلك سوي أهداف الثورة الـ 6 التى يدرسها الطلاب فى مراحل التعليم المختلفة فى مادة التاريخ.

وحتى الآن لم يتم تحقيق أى هدف من أهداف تلك الثورة ، ولكن العكس هو الصحيح فالحياة الديمقراطية تم القضاء عليها منذ الشهور الأولى لها حيث أبقت على دستور سنة 1923 في أيامها الأولى، واستبدلت بملك بالغ ملكاً طفلاً بريئاً تحت الوصاية، إذ أجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش لولي عهده الأمير أحمد فؤاد، وكانت موافقته أخر وثيقة رسمية يوقعها، وهي الأمر الملكي رقم 65 لسنة 1952 الصادر في 26 من يوليو/ تموز ، ثم قام الضباط بحل جميع الأحزاب ، وبدأوا فى اتخاذ حزمة من الإجراءات في مطلع عهد الحركة أدت إلى إنهاء طبيعة النظام القديم، وعملوا منذ اللحظات الأولى على تولية الجيش أو " مجلس قيادة الثورة " شؤون السلطة، ولم تكن حركة الجيش حريصة على الديمقراطية ، وكان إغراء السلطة وضعف المقاومة هو ما سمح لهم بذلك .

وفيما بعد أسقطت حركة الجيش دستور سنة 1923 في10 من ديسمبر/ كانون الأول 1952، فيما أعلنت بعد ستة أشهر تقريباً في 18 من يوليو /تموز 1953، سقوط الملكية وقيام الجمهورية، وأصدرت إعلاناً في 26 من يناير/ كانون الثاني 1953، يقضي بحل كافة الأحزاب السياسية، وترتب على ذلك الإعلان صدور قانون رقم 37 لسنة 1953 يحظر النشاط الحزبي وتكوين أحزاب سياسية جديدة.

من هيئة التحرير للاتحاد الاشتراكي

لقد كان واضحاً أن دستور سنة 1923 لم يعد يتناسب مع الطبقة المتوسطة التي وثبت الى السلطة ، ولكن الضباط حاولوا إنشاء تنظيمات تحت أعينهم فى صورة تابعة للسلطة ، وأعتقدوا أنهم قادرون على ملء الفراغ السياسي الناتج عن حل الأحزاب ووقف نشاطها بتكوين ما عرف بـ "هيئة التحرير" وذلك بعد مرور ستة أشهر على الحركة ، لكنها لم تستطع أن تضم إلى صفوفها أحداً من الذين مارسوا العمل السياسي من قبل عدا قلة محدودة، ويبدو أنها لم تحقق مرامي الضباط ، فأعلنوا عن تشكيل الاتحاد القومي كتنظيم جديد في 28 من مايو/ أيار 1957 على أساس أنه ليس حزباً مثلما كانت هيئة التحرير، وجاء في أهدافه أن الاتحاد القومي ليس حكومة، ولكنه تنظيم يضم الحاكمين والشعب ويتيح الفرصة الحقيقية لتعاونهم على معالجة المشاكل المحلية والقضايا العامة في ظل المجتمع الاشتراكي الديمقراطي التعاوني وهو السبيل إلى الديمقراطية السليمة التي تشعر الشعب أنه يحكم نفسه بنفسه!

ثم بعد ذلك ولد الاتحاد الاشتراكي من رحم الاتحاد القومي، وذلك في 21 من مايو/ أيار 1962، وأصبح الاتحاد الاشتراكي العربي بديل الاتحاد القومي تنظيماً سياسياً، وفتحت الأبواب لدخول التنظيم في أول يناير/ كانون الثاني 1963، وقد بلغ عدد الذين قيدوا أنفسهم خلال 20 يوماً نحو 4.885.932 شخصاً.

 فجاء تكوين التنظيم من مركز السلطة ودفع الجماهير للانضمام إليه بالملايين من دون تفرقة بين المقتنعين بالتغير الاجتماعي وأصحاب المصلحة الحقيقية فيه، وبين المنضمين إليه تملقاً وتقرباً من مراكز النفوذ، وكما كان الاتحاد القومي خاضعاً لنفوذ العسكريين كان الاتحاد الاشتراكي كذلك أيضاً.

وهكذا من تنظيم هيئة التحرير حتى تنظيم الاتحاد الاشتراكي يا وطني لا تحزن، وضاعت الحياة السياسية فى الوطن حتى الآن.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة