مكرم الصحافة المصرية.. خادمها هادمها

ظل مكرم محمد أحمد أحد كهنة الحكم العسكري، وأحد أبرز كتابه الصحفيين، وكان أحد كتاب خطابات مبارك، ,وفيا للحكم العسكري، بل كان أبرز وأكفأ عرابيه.

لم تكن التصريحات الأخيرة لرئيس المجلس الأعلى للإعلام في مصر مكرم محمد أحمد حول عدم وجود سجناء صحفيين في مصر بالمخالفة للواقع الذي يؤكد وجود أكثر من 80 سجينا صحفيا وإعلاميا ومصورا، هي الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة، فطالما ظل للرجل لسان فلن يوقفه عن إطلاق الأكاذيب والضلالات والتبريرات للقمع الذي طال كل شيء في مصر وفي القلب منه حرية الصحافة، كانت هذه مهمته في عهود السادات ومبارك والمجلس العسكري وهي مستمرة في عهد السيسي، لا يستثنى من ذلك إلا عاما واحدا هو حكم الرئيس مرسي، حيث كان مكرم لا يزال يعاني صدمة ثورة يناير التي أخرجته ذليلا من نقابة الصحفيين.

لم ينس مكرم أبدا ذاك الطرد المهين له من النقابة والذي جرى في ظل الغليان الثوري في الأيام الأولى للثورة، وهو ما تكرر مع زملاء آخرين لمكرم كانوا أركانا إعلامية لحكم مبارك مثل: رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير وكالة الأنباء الرسمية (أش أ) عبد الله أبو الحسن، وكذا رئيس مجلس إدارة وتحرير مؤسسسة روز اليوسف كرم جبر( الذي عوضه السيسي أيضا برئاسة الهيئة الوطنية للصحافة)، ورئيس تحرير الأهرام أسامة سرايا. 

 كانت الثورة تعرف طريقها وتحدد أعداءها، وقد رفع المعتصمون في ميدان التحرير إطارا كبيرا ضم صور العديد من الصحفيين والإعلاميين الذين طالب الثوار بتطهير الصحافة منهم، وكان ما حدث مع مكرم وبقية رفاقه هو تطبيق جزئي لشعار الثورة “الشعب يريد تطهير الإعلام”.

تسويق الانقلاب

هذه الحالة الثأرية التي تلبست مكرم محمد أحمد دفعته لاستجماع كل قوته دعما للانقلاب العسكري، وتسويق هذا الانقلاب وتبرير جرائمه بحق الحريات العامة وفي القلب منها حرية الصحافة التي يفترض أنه حارسها وفقا للدستور وقانون المجلس الأعلى للإعلام الذي اعتلى رئاسته بقرار من السيسي شخصيا الذي أراد أن يتيح له الفرصة للثأر.

ظل مكرم محمد أحمد أحد كهنة الحكم العسكري، وأحد أبرز كتابه الصحفيين، وكان أحد كتاب خطابات مبارك، ووفيا للحكم العسكري، بل كان أبرز وأكفأ عرابيه، وكاد يدفع حياته ثمنا لذلك حين تعرض لمحاولة اغتيال في عام 1987، ولكنه مع هذا كان يحتفظ لنفسه بمساحة خاصة في العمل النقابي قبل الثورة جعلته واحدا من أهم من تبوؤوا منصب نقيب الصحفيين ..
صحيح أنه كان بمثابة” النقيب الاستبن” أي الاحتياطي لإبراهيم نافع، حيث يسمح القانون للنقيب بدورتين فقط وحين كانت دورتا نافع تنتهيان، يكون البديل فترة واحدة هو مكرم، لكنه للحقيقة كان نقابيا معقولا في تلك الفترة، دافع عن حقوق الصحفيين، ورفض حبسهم، وكان يزور من يسجن منهم، ويتعهده بالرعاية حتى خروجه، وعلى المستوى السياسي لعب مكرم دورا بارزا في المراجعات التي أجرتها الجماعة الإسلامية في السجن منذ منتصف التسعينات، فقد أجرى بنفسه حوارات عديدة مع قيادات الجماعة داخل السجون، وقدم أكبر هدية لنظام مبارك بصدور تلك المراجعات التي كتبها أولئك القادة وأنهت فترة عصيبة من العمل المسلح ضد النظام، وخرج بموجبها غالبية المنتمين للجماعة الإسلامية من السجون ..
وقد حاول مكرم أن يكرر هذه التجربة مع الإخوان في تلك الفترة ( أواخر التسعينات ) عبر كتابة سلسلة من المقالات التي اعتبرها حوارات مع الإخوان (لم تحدث حوارات فعلية بل كانت مجرد محاكاة) انتهى فيها إلى أن الحوار غير مجد، وأن على الجماعة أن تعلن حل نفسها تماما (رغم أنها كانت جماعة محظورة بالفعل)، وأن يندمج أفرادها في مؤسسات المجتمع الأخرى بصورة فردية.

صعوبات في تسويق التطبيع

ورغم تعرض نظام مبارك لصعوبات كبيرة في تسويق التطبيع مع العدو الصهيوني، ورغم أن نقابة الصحفيين كانت في طليعة النقابات المهنية التي أصدرت جمعيتها العمومية قرارا بتجريم التطبيع، ومعاقبة أي صحفي يخرق هذا القرار  إلا أن مكرم محمد أحمد حاول استخدام مهاراته الإعلامية والسياسية لتمرير التطبيع، وحاول إلغاء قرار الجمعية العمومية ولكن جموع الصحفيين تصدوا لذلك بقوة، وأجبروه على الإبقاء على ذلك القرار، ومع ذلك فقد كان هو شخصيا ممن خرقوا القرار عبر استيراد أجهزة طباعة إسرائيلية حديثة لمؤسسة دار الهلال التي كان يرأس مجلس إدارتها، وبمناسبة الحديث عن دار الهلال فقد ظهر بعد ثوررة يناير أن مكرم حجب التقارير الرقابية التي أعدها الجهاز المركزي للمحاسبات عن المؤسسة لمدة 25 عاما عن المناقشة في الجمعيات العمومية السنوية، وبعد قيام الثورة والإطاحة بمكرم تم إقرار جميع تلك التقارير ( ال 25 سنة) في جلسة واحدة  للجمعية العمومية!!

لم تتوقف دعوات مكرم للتطبيع مع العدو الصهيوني يوما، فقد تجددت بعد الانقلاب العسكري، ووجد مكرم فرصته في قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس ليجدد مكرم دعوته في 13 ديسمبر 2017 للقادرين من المصريين لزيارة القدس، وهي دعوة خبيثة ظاهرها الرد على قرار ترامب وباطنها التطبيع المرفوض مجتمعيا في مصر.

وصلة من الكذب

تولى مكرم منصبه الجديد الذي لطالما حلم به ( رئاسة المجلس الأعلى للإعلام الذي حل بديلا لوزراة الإعلام) عقب خطبة عصماء في حضرة السيسي، كانت وصلة من الكذب والنفاق، ادعى فيها أن ما تشهده مصر من حرية الصحافة لا يوجد في أي بلد عربي آخر، وأنه لا أحد يستطيع أن يخاطب الرئيس بندية سوى في مصر!!!

 كانت تلك الخطبة هي جواز المرور إلى المنصب الجديد، وهي لم تكن منبتة عما سبقها ولحقها من تبرير للقمع الذي بلغ مستوى لم يبلغه من قبل بحق حرية الصحافة حتى وضع مصر في المرتبة 163 عالميا في مؤشر انتهاكات حرية الصحافة لتستقر في ما يعرف بالمنطقة السوداء في ذلك المؤشر، مع تواصل حبس الصحفيين والإعلاميين على خلفية قضايا نشر وقضايا رأي، ومع توالي إغلاق الصحف والمواقع وتأميم القنوات، وفصل الصحفيين والإعلاميين، ومطاردتهم في عملهم الميداني.. إلخ.

تحدد المادة 69 من قانون تنظيم الصحافة والمجلس الأعلى الذي يرأسه مكرم هدف المجلس الأعلى وهو ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام فى إطار المنافسة الحرة، وعلى الأخص ما يأتى:

1- حماية حق المواطن فى التمتع بإعلام وصحافة حرة ونزيهة وعلى قدر رفيع من المهنية وفق معايير الجودة الدولية، وبما يتوافق مع الهوية الثقافية المصرية.

2- ضمان استقلال المؤسسات الصحفية والإعلامية، وحيادها، وتعددها، وتنوعها. (…الخ)

والحقيقة أن المجلس منذ تأسيسه ليست له مهمة سوى تبرير قمع النظام للصحافة، بل ممارسة قمع إضافي من المجلس نفسه، وحين تغول المجلس في ممارسة هذا القمع متجاوزا حدود القمع الممنوحة لجهات أخرى مثل النائب العام حدث صدام نفوذ بين الطرفين، أصدر بموجبه النائب العام أمر ضبط وإحضار لمكرم للتحقيق معه بسبب قراره بحظر النشر في قضية فساد خاصة بمستشفى الأطفال 57357 في 7 يوليو 2018، وقد أصدر مجلس مكرم لائحة جزاءات صحفية تضمنت المزيد من القيود على العمل الصحفي والإعلامي الذي يمر بأسوا أيامه في مصر، وهو ما دعا العديد من كبار الصحفيين والإعلاميين لتوجيه دعوات للطلاب وأولياء الأمور بعدم التقدم لكليات الإعلام حيث الحاضر المظلم والمستقبل الأكثر إظلاما.

يعتبر مكرم حاليا أحد المعمرين في مهنة الصحافة (مواليد 1935)، وآن له أن يتوب عن جرائمه بحق الوطن وبحق حرية الصحافة، فقد ورد في الحديث الشريف “شر الناس من طال عمره وساء عمله”.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه