ليه يا بنفسج.. رحلة بحث المصريين عن بهجة!

فلا عجب أن يقول رئيس الجمهورية للمصريين: “انتوا ها تتعبوا معايا قوى … أو يتمادى فيقول لهم: “الحاجة اللي ترتفع سعرها ما تشتريهاش لا تشتريها”، وفى اللحظة ذاتها يخطط لرفع كل الأسعار

 

رضوان الكاشف مخرج مصري من مخرجي جيل التسعينيات من القرن الماضي، قدّم إلى السنيما أفلاما قليلة جدا قبل أن يدركه الموت وهو في الرابعة والخمسين من عمره، ومن أهم أفلامه: ليه يا بنفسج، وهو أول أفلامه وعُرض في عام ١٩٩٣، وكان الساحر آخرها، وبينهما كان عرق البلح الذي قدمه كمؤلف ومخرج، وهذه كانت كل ما قدمه الكاشف الذى ولد في أغسطس ١٩٥٢ وتخرج من معهد السينما في عام ١٩٨٤ وغاب عن الحياة في يونيو ٢٠٠٢.

البحث عن البهجة

قدم رضوان نفسه للسينما في فيلمه الأول كباحث عن سر البهجة في حياة المصريين، وحاول أن يقدم وهو دارس الفلسفة هذا السر الذى يجعل البسطاء يعيشون الحياة الصعبة والمؤلمة بسعادة وهم يبحثون عن أي منبع لها..
فرغم كل الظروف القاسية التي يمرون بها إلا أنهم بأقل القليل يتعايشون ويجدون متعة في أن تكون الحياة مبهجة.

 رصد رضوان حياه البؤساء في الحارة  المصرية وأحلامهم التي يسعون لتحقيقها وسط ظروف قاهرة للجميع، وعندما  عرض الفيلم على شاشات السينما في 1993 التالي لعام الزلزال الذي ضرب مصر في نفس العام، وتهدمت منازل عديدة رصدها رضوان في فيلمه، وهي مليئة ببهجة حزينة مصورا إياها بزهرة البنفسج التي تبهج وهي في الأصل زهر حزين.
ورغم الأحداث التي مر بها معظم المصريين جراء زلزال ٢ اكتوبر ١٩٩٢ إلا أن البهجة والبحث عن مصدر للسعادة ظل أحد آمال المصريين، وهو ما ظهر في فيلم رضوان الأخير “الساحر” الذي قدمه 2001.

الساحر وبهجة الحياة

عمق رضوان في فيلم الساحر مفهوم البهجة والسعادة عند المصريين البسطاء، وبحث بعلم الفلسفة التي درسها في الجامعة عن هذا السر، والحقيقة ليس رضوان وحده من شغل نفسه عن سر هذه البهجة التي يعيشها المصري رغم ما يعانيه من ظلم اجتماعي وقسوة حياة وقهر واستبداد؛ فحياة المصري عبر تاريخه هي مزيج من البؤس والشقاء والاستبداد إلا في فترات قصيرة جدا في حياته شهدتها مصر في أوائل القرن العشرين على مستوى المدينة فيها، وسنوات قليلة في منتصف القرن مع سلسلة القرارات الاجتماعية التي قدمتها ثوره يوليو لهم.

 وقد استغل رؤساء مصر تلك الميزة أو العيب في المصريين ليبعدوا قليلا بهم عن العدل الاجتماعي والحرية.

فلا عجب أن يقول رئيس الجمهورية للمصريين: “انتوا ها تتعبوا معايا قوى” … أو يتمادى فيقول لهم: “الحاجة اللي ترتفع سعرها ما تشتريهاش لا تشتريها”..
وفي اللحظة ذاتها يخطط لرفع كل الأسعار!

من أين جاء الجنرال الحاكم بكل هذه الجرأة في التعامل مع شعبه؟!
 هل درس حالة المصريين بعناية شديدة؟! أي مركز دراسات اجتماعية اعتمد عليه في كل هذه القسوة والاستبداد والظلم في التعامل مع شعب ثار من أجل العدالة الاجتماعية والحرية؟!

 فإذا بمن يحكم يصب على رأسه مزيدا من الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي حتى صارت الكلمة أو اللافتة أو وضع شعار على وسائل التواصل الاجتماعي أو الملابس طريقا إلى سجن بلا حدود، أم إنه يعتمد على نظرية البهجة التي حاول أن يرصدها المبدع رضوان الكاشف في فيلمين من ثلاثة أفلام قدمها في عمره الفني القصير؟

فرحة كبيرة لأحداث صغيرة

في الأيام القليلة الماضية أثارني بحث المصريين عن أي ملمح من ملامح السعادة.. بدت تلك السعادة أو الفرحة كأنها سعادة مبالغ فيها جدا  ، وربما كانت فرحة كبيرة بلا سبب  ولاحظت من خلال رصد مواقع التواصل الاجتماعي أن المصريين قل تفاعلهم كثيرا مع أحداث كبرى لأنها تسبب لهم اتجاها نحو المسؤولية  الاجتماعية والسياسية، وتضع على رؤوسهم أعباء ربما هم غير مستعدين لها في ظل حالة إغلاق كل منافذ التغيير أو التعبير عن الرأي .

فرحة مبالغ فيها

حاولت أن أجد تفسيرا لتلك الفرحة العارمة التي أظهرها المصريون بفوز وتقدم فريق الجزائر في بطولة الأمم الأفريقية، وخصوصا أن تاريخ مباريات المنتخب المصري مع نظيره الجزائري كان دائما محل مشاحنات وتعصب غير عادي ..
ورغم إيماني بوحدة الأمة العربية، وإننا شعب واحد وفوز أي فريق يعنى فوزا لي، ورغم إنني لم أجد نفسي متلبسا ولو مرة واحدة بتعصب تجاه أي فريق عربي يلعب مع الفريق المصري إلا إنني لم أجد تفسيرا لهذه الفرحة التي انتشرت بشكل مبالغ، اللهم إلا نظرية رضوان الكاشف في البحث عن السعادة ولو كانت بسبب غير موضوعي أو مقنع والتي شهدتها حالة صعود الفريق الجزائري إلى الدور النهائي للبطولة الأفريقية، وقبلها فوز الفريق التونسي في دور ربع النهائي قبل أن يخرج من الدور نصف النهائي.
فهذه حالة تحتاج لرصد اجتماعي ونفسي وتفسير علمي لدى المصريين الذين كانوا منذ فترة وجيزة يفرحون لهزيمة فريق الأهلي أو الزمالك في بطولة أفريقيا؛ فماذا جرى للمصريين كي نرى هذه الفرحة في المقاهي والمنازل وعلى مواقع التواصل بفوز فريق عربي ؟

اين علماء الاجتماع؟

ظاهرة الفرحة الطاغية والتي تجلت أيضا في الاحتفاء بنجاح أبنائنا في الثانوية العامة المصرية والتي أعتقد أنها زادت عن الحد الطبيعي في التعبير عنها..  
ولأن مررت هذا العام بهذا التجربة، فقد تلقيت عددا من التهاني من المعارف والأصدقاء كان مبالغا فيه بالفعل.

فهل هناك تفسير علمي لعلماء الاجتماع وعلماء النفس عن ذلك أم إن ما يحدث طبيعي ولا يحتاج إلى تفسير؟
أميل إلى أننا بحاجة إلى تفسير، والحقيقة منذ اختفاء علماء النفس عن شاشات التليفزيون والمحطات الفضائية خاصة بعد ما حدث مع الدكتورة منال عمر منذ أربع سنوات إثر تحليلها لشخصية الجنرال الحاكم في برنامج تليفزيوني، وباختفائها تماما أصبحنا لا نحلل الظواهر الاجتماعية ولا النفسية في مصر..

فالخوف ألجم الجميع حتى إنه منذ أيام انتشر فيديو قديم للدكتور أحمد عكاشة مستشار السيسي عن الشخصية الديكتاتورية وطريقه حكمها، وأعتقد أن هذا الفيديو يسبب قلقا للدكتور عكاشة نفسه..  فكيف الطريق إلى تحليل ظواهر اجتماعية مصرية في حاجة إلى التحليل لعلنا ندرك … ماذا حدث ويحدث للمصريين؟

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة