مقالات

السوق الدولية للنفط.. محاولة للفهم

                           

تضمنت قائمة الدول العشر الأوائل بإنتاج النفط الخام بالعام الماضي حسب أوبك، الولايات المتحدة الأمريكية بالصدارة تليها روسيا والسعودية والعراق، والصين وإيران والإمارات العربية والكويت والبرازيل والمكسيك.

وبما يشير الى أن نصف الدول العشرة ليست أعضاء في منظمة أوبك، والأهم أن تلك الدول العشر تستحوذ على نسبة 71 % من إنتاج النفط الخام بالعالم، فإذا أضيفت إليها قائمة العشر التالية والتي تتضمن: نيجيريا وكازاخستان وفنزويلا والنرويج وأنجولا وكندا والجزائر وإنجلترا وليبيا وسلطنة عُمان.

 فإن نصيب العشرين الكبار بإنتاج النفط يصل الى نسبة 88 % من الإنتاج الدولي، مع ملاحظة أن قائمة العشر الثانية لم تتضمن سوى خمس دول أعضاء في أوبك، أي أن هناك عشر دول ضمن قائمة العشرين الأوائل ليسوا أعضاء في أوبك.

 وهو ما يفسر جزئيا لجوء أوبك للتعاون مع عدد من المنتجين للنفط من غير أعضاءها لخفض الإنتاج منذ بداية عام 2017 وحتى الآن، لتحسين الأسعار المنخفضة له، إلا أنه يظل هناك منتجين كبار للنفط خارج أوبك وكذلك خارج قائمة الدول المتعاونة معها لخفض الإنتاج، مثل الولايات المتحدة والصين والبرازيل والنرويج وكندا وإنجلترا.

وهو ما يشير من ناحية أخرى الى تعارض المصالح بين كبار المنتجين، من حيث الاتجاه لرفع سعر الخام، وذلك لأن من بين العشرين الكبار بالإنتاج دولا لا تكتفى ذاتيا من النفط الخام، حيث أن نسبة الاكتفاء الذاتي بالعام الماضي بلغت 30 % بالصين و52.5 % بكندا، و54 % بالولايات المتحدة و61 % بإنجلترا و80 % بالبرازيل و92 % بالمكسيك. 

فليس من مصلحة تلك الدول ارتفاع سعر الخام نظرا لاستيرادها كميات كبيرة منه، كما أن عدم الاكتفاء الذاتي لدى عدد من كبار المنتجين للنفط الخام، يعنى من ناحية أخرى اختلاف قائمة كبار المُصدرين للنفط الخام عن قائمة الكبار بالإنتاج.

   3 دول لأوبك بكبار مصدري المشتقات

فنظرا للاستهلاك الكبير للنفط بالولايات المتحدة البالغ سكانها 329 مليون نسمه، وروسيا البالغ عدد سكانها 140 مليون نسمه، فقد تصدرت السعودية البالغ عدد سكانها 33 مليون نسمه قائمة الدول المصدرة للنفط الخام، تليها روسيا والعراق وكندا والإمارات والكويت والولايات المتحدة ونيجيريا وإيران وكازاخستان.

 لتستحوذ الدول العشر على نسبة 68 % من الصادرات الدولية للخام، مع ملاحظة ارتفاع نصيب أوبك الى ست دول من العشر الكبار بصادرات النفط، وبإضافة العشر الثانية الأوائل بصادرات النفط الخام.

 والتي تضم: أنجولا والمكسيك وفنزويلا والنرويج والبرازيل وليبيا وسلطنة عُمان وانجلترا وأذربيجان وكولومبيا، يصل نصيب الدول العشرين الأوائل 90 % من الصادرات الدولية للخام، مع ملاحظة ارتفاع عدد الدول أعضاء أوبك الى تسع دول من بين العشرين الأوائل بصادرات النفط.

كما يبدو ضعف تأثير دول أوبك أكثر في سوق صادرات المنتجات البترولية، حيث لا تتضمن قائمة العشر الأوائل بصادرات المشتقات البترولية، سوى السعودية بالمركز الرابع والإمارات بالمركز التاسع، من بين قائمة العشر التي تصدرها الولايات المتحدة الأمريكية تليها روسيا وهولندا والسعودية وسنغافورة وكوريا الجنوبية والهند والصين والإمارات وماليزيا.

وتستحوذ الدول الأوائل بصادرات المنتجات البترولية على نسبة 63 % من الصادرات الدولية، وتضم قائمة العشر الثانية بصادرات المشتقات البترولية، الكويت وبلجيكا وإيطاليا وقطر واليابان والجزائر وانجلترا وألمانيا وإسبانيا وكندا، وبما يشير الى وجود ثلاث دول بأوبك ضمن العشرين الأوائل بصادرات المشتقات بإضافة الجزائر صاحبة المركز السادس عشر.

 استفادة الدول الصناعية بتصدير المشتقات                

وتبدو المفارقة هنا بالبون الشاسع بين أسعار النفط الخام الذي يمثل النسبة الأكبر من صادرات أوبك والدول المتعاونة معها، وبين أسعار المنتجات البترولية التي تصدر الدول الصناعية النصيب الأكبر منها.

 ففي شهر يونيو من العام الحالي كان سعر برميل برنت 63 دولار، بينما كان سعر برميل البنزين في الثامن من يوليو من العام الحالي في هونج كونج 351 دولار للبرميل، والنرويج 309.5 دولار وإيطاليا 284 دولار وفرنسا 270 دولار، مع الأخذ في الاعتبار نسب الاكتفاء الذاتي المتدنية من النفط في معظم البلدان الصناعية.

 حيث بلغت النسبة بالعام الماضي صفر بالمائة بكوريا الجنوبية، وواحد بالألف باليابان وإثنين بالألف في إسبانيا، و1 % بفرنسا وأقل من 2 % بألمانيا و2 % بهولندا و7 % بإيطاليا، وبما يشير الى استيراد تلك الدول كميات كبيرة من الخام، ليس بغرض تكريره للاستهلاك المحلى فقط، ولكن لا عاده تصدير تلك المنتجات البترولية الى دول العالم والاستفادة بفارق السعر الكبير.

الأمر الذي يثير الشك في إعلان كثير من تلك الدول من تضررها من أسعار النفط المرتفعة، حيث يظل الفارق كبيرا بين سعر الخام الذي تستورده وسعر المنتجات التي تصدرها، حتى الى البلدان المنتجة للنفط الخام، حيث تشير بيانات أوبك لاستيراد 2.6 مليون برميل من المنتجات البترولية يوميا.

  العوامل السياسية تتحكم بأسعار النفط

ويتصل بذلك السؤال السائد بسوق النفط، من يتحكم أكثر بأسعار النفط المنتجون أم المستهلكون؟ الإجابة التقليدية أنهم المنتجون كما حدث في بداية السبعينات من الماضي، إلا أن الأكثر واقعية أن ظروف العرض والطلب هى التي تتحكم أكثر، فلو كان الطلب أكبر من العرض لكان دور المنتجون أكبر في تحديد الأسعار، ولو كان العرض أكثر من الطلب لكان دور المستهلكين أكبر في توجيه السعر.

إلا أن العوامل السياسية تنسف مقولة تأثير العرض والطلب، فهاهى الولايات المتحدة الأمريكية تطلب من الدول المنتجة خفض سعر النفط، وتهدد أنظمة الحكم الاستبدادية بالدول المنتجة أنها بدون الحماية الأمريكية لن تستطيع البقاء في كراسيها أكثر من أسبوعين، فتضطر تلك الدول للإذعان بزيادة المعروض مما يتسبب في تراجع الأسعار، وهاهى الاجراءات العقابية الأمريكية تجاه إيران وفنزويلا تدفعها للبحث عن زبائن بأسعار أقل.

أما ما يقال عن دور أوبك في تحديد الأسعار فقد أصبح أمرا تاريخيا من الماضي، حتى بعد الاتفاق بين أوبك وبين عدد من الدول المنتجة لخفض الإنتاج للحفاظ على سعر مناسب للوفاء باحتياجات موارد موازناتها وصادراتها المعتمدة عليه، فقد ظلت الاتصالات المعلنة وغير المعلنة بين وزراء النفط بدول أوبك وعلى رأسهم السعودية، وبين المسؤولين الأمريكيين للاتفاق على سعر مناسب.

 لتمتطي السعودية حصان النفط الصخري الأمريكي الذي يحتاج استمرار إنتاجه سعرا غير منخفض، فتسعى للوصول لسعر يكفل استمرار تدفق النفط الصخري الأمريكي للأسواق، وفى إطار ذلك تحقيق جانبا من مصالح تحسين عجز موازنتها المستمر منذ سنوات.

ويتسق ذلك مع مصالح كبار المستهلكين، ولعل التعرف عليهم يوضح الصورة أكثر، حيث تضم قائمة الأوائل بالاستهلاك للنفط بالعام الماضي حسب الإحصاء السنوي لشركة البترول البريطانية.

 الولايات المتحدة الأمريكية بالصدارة بنسبة حوالي 21 % من الاستهلاك العالمي، والصين 13.5 % والهند 5 % واليابان 4 % ثم السعودية، وروسيا والبرازيل وكوريا الجنوبية وكندا وألمانيا، لتستحوذ الدول العشر على نسبة 61 % من الاستهلاك العالمي.

وهكذا معظمها بلدانا صناعية تحتل مراكز متقدمة بالناتج الإجمالي المحلى الدولي وبالتجارة الدولية، وجاءت السعودية بالقائمة لأسباب تتعلق بالإسراف في استهلاك الطاقة نظرا لرخصها النسبي، بينما ارتبط تواجد البلدان الأخرى بالقائمة بكبر الحجم السكاني لها ونشاطها الصناعي الكبير.

لكن غالبيتها بلدانا غربية تنسق مصالحها مع الولايات المتحدة لتحديد المناسب لسعر النفط، بصرف النظر عن مدى مناسبته للدول المنتجة، بل لقد ترددت مقولة بين تلك الدول قبل سنوات، أن كبر إنتاج كلا من إيران وفنزويلا وروسيا من النفط مع ارتفاع السعر. يحقق لها إيرادات تدعم بها نظمها السياسية واستقرار اقتصادها، وتساعدها في الإنفاق على الكيانات التابعة لها بدول أخرى والتعاون مع أنظمة لا ترضى عنها دول الغرب، ولذا فإن إجراءات تقليم أظافرها محليا ودوليا تتطلب سعرا منخفضا للنفط المُنتج الرئيسي لاقتصاداتها!

 

 

 

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة