مصر: في فلسفة الصب وفلسفة الصمت!

 

تبدو حالة الصمت التي يتعامل بها المصريون مع حجم الآلام والمتاعب الاقتصادية التي يواجهونها غريبة؛ فبينما نتوقع جميعا مع كل قرار اقتصادي مؤلم وقاسٍ على الشعب أن ينفجر غضبا ضد هذه القرارات، وبخاصة بعد أن تمادى

النظام في قراراته إلى درجة لم يسبق أن تعرض لها الشعب إلا في عهود الاحتلال وعصر نهايات الدول، حيث تكثر معاناة الناس من الجباية والظلم وسجن الذين يقاومون الظلم سواء بالرأي أو قتل المعارضين والصراع على السلطة فتنهار الدولة، وينتهى عصر دولة لتحل محلها دولة أخرى..

حدث هذا منذ عصر الهكسوس إلى عهود الدولة العباسية، والدولة الأيوبية، وعصر المماليك، وكانت الجملة الشائعة في كتب التاريخ: “وقد مرت البلاد بسنوات من الاضمحلال وانتشر الفساد وارتفعت الأسعار، وانتشرت المظالم حتى ضج الناس وانهارت الدولة”، فهل يقصد النظام المصري أن تصل مصر إلى تلك المرحلة وتنهار الدولة؟! 

خمس سنوات من الصب المستمر!

منذ تولى الجنرال الحكم وهو يعد الناس بالفقر والمعاناة، ولم يدخل أي انتخابات له ببرنامج سواء الأولى في 2014 أو الثانية عام 2018، فكان كل ما وعد به الحاكم بأمره: “انتوا ها تتعبوا معايا اوي”، ثم توالت الوعود الكاذبة: ” مش ها أغلي الأسعار إلا لما أغني كل الناس”، ثم: “اصبروا معايا ست أشهر”، لتتطور إلى “اصبروا معايا سنتين”، ثم بعد مرور السنوات عاد لينفي ما وعد به، لتبدأ نغمة جديدة من أول: “أنا ما وعدتش بحاجة”، إلى: “انتوا ما تعرفوش إننا فقرا قوي” ..
وبين “انتوا ما تعرفوش إنكم نور عنينا” إلى “انتوا فقرا قوي” خمس سنوات من الصب المستمر في “مصلحة محدودي الدخل” (كما يدعي النظام )، وهذا عكس الواقع تماما حتى وصلت الأسعار خلالها إلى أكثر من 400% ووصلت في السلع إلى 1000% مثل تذكرة المترو ..
وفي آخر سنتين تعود الناس على استقبال تلك القرارات بالسخرية والغضب الفردي، ولعلنا نتذكر معتقلي المترو، وكذلك بعض المحاولات الفردية من الغضب والتي قوبلت بعنف شديد من جانب القوات الخاصة أو الداخلية.

في مترو الأنفاق

 
منذ ثلاثة أعوام وعندما تم رفع سعر تذكرة المترو، وكان قبلها مباشرة ارتفاع في أسعار الوقود سهرت ليلة عصيبة جدا فقد كنت أتوقع فورة غضب شديدة صباح اليوم التالي لرفع الأسعار، وتخيلت خلال ساعات الليل أن ميدان التحرير موجود ( عندما لا يعجبنا شيئا كما وعدونا) ..
 وفى الصباح أسرعت إلى محطة المترو متخيلا أنني سأجد غضب الآلاف فنقود مظاهرة إلى ميدان التحرير، ونلتقي بكل الغاضبين من ارتفاع الأسعار، فقد كانت الزيادة أكثر من 300%..
 وفي الصباح دخلت محطة المترو لأجد المئات من جنود الأمن المركزي في مدخل المترو، وكلام بين أعداد محدودة من الناس عن ارتفاع الاسعار ونزلنا إلى المحطة لنجدها قد امتلأت بالجنود والمخبرين!!
وفي تلك اللحظات كان يتم القبض على عدد من الذين أظهروا غضبهم وكذا التعامل العنيف مع بعضهم حتى السيدات، وكانت هذه الحالة جديدة على المصريين؛ فربما حدث مثال لها في وقفة 4 يناير 2011 حدادا على أرواح شهداء كنيسة القديسين بالإسكندرية مع بعض السيدات أمام ضريح سعد في وقفة الشموع؛ لكنها قوبلت باستنكار كبير ولم تتكرر أيضا إلا في ميدان التحرير (فضيحة كشوف العذرية) التي أشرف عليها واعترف بها الجنرال الحاكم..  ثم مره أخرى حينما تم التحرش ببعض السيدات في ميدان التحرير في 25 يناير 2014  قبل بداية حكم السيسي بستة أشهر، وأثناء وجوده كوزير للدفاع في عهد عدلي منصور ..
ولكن هذه المرة في مترو الأنفاق ورغم بشاعة الجريمتين الأخريين، فقد راينا تعاملا ليس مستترا كما في المرتين ، ولكنه تعامل خشن وجديد، فماذا حدث للأجهزة الأمنية الواضحة أو المتخفية (نتذكر جمعا صور تعامل هؤلاء مع بنات الثانوية العامة 2017 ) .. 
إنه تعامل مختلف ليس فيه أخلاق أو شهامة أو قيم المصريين.. وانتهى اليوم ومرت الأيام وتلاشي الغضب أو تعمد المصريون تناسيه وغاب ميدان التحرير الذي يبدو سيغيب طويلا بينما يتوقع الكثير من المحللين انفجارا قد يأتي على الأخضر واليابس.
 

في فلسفة الصمت 

في أحد أسواق القاهرة يجري حوار بين بائعة وجارها البائع: 
 البائع: الدنيا والأسعار بقت نار مش قادرين نستحمل 
البائعة: الناس ما بقتش (لم تعد) بتشترى زي زمان 
           : احنا نستأهل مش احنا انتخبناه 
           : طيب واحنا هنعمل إيه؟ 
   مشترى يقف بجوار البائع والبائعة التي تعدت الستين من عمرها يتدخل في الحوار 
المشترى : نشيله زي  ما شلنا غيره 
البائعة العجوز : هاينزل الجيش يضربنا يا ابني ها يضربوا الناس بالرصاص مش ها يرحمونا .. حالة صمت بين أطراف الحوار، ولم يشتر المشتري شيئا، ولم يبع البائع، وغاب كل منهم في مشاكله وأعبائه!
 
فهل يا ترى هذه هي نظرية المصريين في الصبر والصمت على كل تلك الأعباء الاقتصادية التي يعانون منها.. 
لماذا يعمل النظام بجدية على زيادة حالة الغضب والقهر؟
لم يتخيل أحد منذ عهد الدكتور محمد الرزاز وزير مالية عاطف صدقي والذى لقب بوزير الجباية الذى استمر عشر سنوات كامله من 1986 _1996  أن يأتي عصر على مصر تشهد مثل هذه القرارات الاقتصادية في رفع الدعم عن السلع الغذائية و الخدمات الرئيسية للمصريين كما يحدث خلال السنوات الخمسة الماضية، ولم يجرؤ رئيس ولا حكومة اتخاذ قرارات كهذه حتى حسني مبارك كان حريصا على عدم إغضاب الشعب لدرجة الانفجار.
أما السيسي ومنذ قال مقولته عن انتفاضة الغضب في يناير 77 وأنها كانت البداية الصحيحة، ولكننا لم نستثمرها كما يرى الجنرال الحاكم وهو يلاحق الشعب بقرارات اقتصادية قاسية وعنيفة جدا لدرجة تتخيل معها أنه إصرار على الانفجار ..
فقد تلاشت الطبقة الوسطى تماما ومن كان يحتمل لم يعد يحتمل الآن، ومن كان مستورا صار الآن غير قادر على الستر ماعدا الفئات المستثناة، وهي: الجيش والشرطة والنيابة العامة والقضاء التي يغدق عليها السيسي بالمنح والزيادات في الأجور ..
والآن بعد الارتفاع الأخير في الأسعار الذي جرى مساء الخميس الماضي أصبح الغضب يتملك الجميع وزادت كمية الغضب بين الناس، وكذلك السخرية، وجاء خروج المنتخب المصري من بطولة أمم أفريقيا التي أصر النظام على إقامتها بمصر -رغم ما يدعيه عن الظروف الاقتصادية- ليصبح الناس في مواجهة صريحة مع مصائب الغلاء الأخير، والذى ظهر كذلك في حالات الاشتباك بين الركاب وسائقي المواصلات الخاصة بعد ارتفاع أسعار الوقود، ومن قبله أسعار الكهرباء و المياه للمرة الخامسة أو السادسة خلال خمس سنوات.
والآن أصبح الغضب متمكنا من الطبقة العريضة من الشعب، وفي غياب أي قوه سياسية في مصر  وخاصة مع القبض على من أطلق عليهم تنظيم الأمل، وهم المجموعة التي اتهمت بتكوين تنظيم سياسي يسعى لدخول أي انتخابات قادمة، وكأن النظام يعلن بوضوح أن طريق السياسة أيضا مغلق وغير مقبول 
السير فيه.
إذن فمع تصاعد  الغضب وتلاشي الأمل في خوض انتخابات تغير الأوضاع، ما هو الطريق الذى يمضى فيه الشعب من أجل التغيير؟ 
إنه طريق الانفجار فلم يعد أمام الشعب غيره ويصبح هدف النظام هو فوضى عامة، وفي تلك الحالة نتذكر كلمة البائعة العجوز في سوق الخضار: ها ينزل الجيش يضربنا بالرصاص.. ليتحقق تحذير الجنرال ونبقى زي سوريا والعراق. 

المصريون يدركون الهدف ولذا ينتصرون 

هزيمة أي طرف في المعارك تتحدد بمدى تحقيق الطرف الآخر لأهدافه، واعتقد أن المصريين يدركون هدف النظام الذي تلاشت قواه الحية داخل السجون ومؤسساته التي جرفها السيسي من كل المخلصين فيها أو من كانوا يسعون لإيجاد توازن في حياة الشعب، والأمثلة كثيرة على هذا، والمثل الأكبر كان مؤسسة الأمن القومي التي أقال منها ما يقرب من 400 قيادة وسلمها إلى مدير مكتبه عباس كامل وابنه أيضا المجلس العسكري الذي كان فيه السيسي عضوا في 2013 لم يبق منه إلا ممدوح شاهين، وهكذا في القضاء فأين قضاة الاستقلال؟!
 وأين القوى السياسية؟  لاشيء في الساحة سوى النظام الذي يجدد نفسه بالولاء الكامل التام والطرف الثاني هو الشعب الغاضب الصابر الصامت لذا فنحن على بوابة الانفجار كما يتخيله النظام ومن المحتمل أن يكون هدفه وشعب ربما أدرك هذا الهدف فيحاول هزيمة النظام بإفشال هدفه في الفوضى العارمة .. فالشعب المصري الآن في انتظار من يروض غضبه حتى يصل إلى بر أمان.. فمن يكون يا ترى هذا المروض؟! 
 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة