شتاء 2016.. أيقونة الدراما البديلة

 

   لم تغادرني فكرة الكتابة عن مسلسل شتاء 2016 وقد مرّ شهران على غمرة التفاعلات مع هذا العمل الدرامي أثناء عرضه في رمضان وبعده، لقناعتي أن هذا النوع من الأعمال الفنية يستحقّ كل الدعم والإشهار. فبعد أن قرأت عنه، استهوتني الفكرة وتابعته بشغف في رمضان على اليوتيوب، رغم أني انقطعت طواعية عن متابعة المسلسلات منذ 2008 مع “بعد الفراق” ولم أندم، وقبله “قضية رأي عام” وكنت مبهورة بآداء بطلته لكني ندمت على ذلك، بل احتقرتها بعد الثورة. شتاء 2016 نجح في أن يجعلني لا مجرد مشاهدة توسّمت خيرا في العمل، بل معجبة جدا بالسيناريو والإخراج وأداء الممثلين.

    هو باختصار مسلسل من إخراج المصري أحمد أبو الفتوح وبطولة جماعية ضمّت هشام عبد الله وهشام عبد الحميد ومحمد شومان من الأسماء المشهورة من “مصريّي الشّتات” في إسطنبول وثلّة من الشباب الواعد الذي أثبت قدرات فنية عالية جعلت المتابعين يشيدون بمواهبهم في كل حلقة على اليوتيوب من خلال تعليقاتهم، رغم أن أغلبهم يؤدي تجربة التمثيل لأول مرة، دون أن ننسى أسماء لامعة أخرى على غرار سيد بدرية وهمام حوت، ودون إغفال أغاني المقدمة والنهاية فائقة الرقة والإحساس.

الهروب

     المسلسل تمّ عرضه على قناة مكملين المصرية من إسطنبول تزامنا مع تسونامي المسلسلات الرمضانية في مصر المدعوم من أعلى هرم السلطة ومن “ممثلي الصف الأول”، ورغم ذلك فإن نسبة مشاهدته على اليوتيوب والفيس بوك فقط، بلغت 15 مليون مشاهدة حينها. وهذا يثبت أن فئة الجمهور الذي تابع شتاء 2016 تمثّل فئة نوعية تحرّرت من إغراءات البروباغندا التي يُغدق عليها أباطرة الإنتاج المصريون للترويج لمسلسلات وممثلين بالغوا في نشر التغييب والتزييف استخفافا بوعي المشاهد.

     في الحقيقة، لن أتحدّث عن المغامرة التي وصلت بمنتج أن يُقدم على المجازفة بميزانية إنتاج مسلسل من إخراج وتمثيل بضع أسماء تجدّف ضد تيّار نظام عسكري متوحش يطاردها بكل ترساناته المخابرتية والإعلامية ويعيش على تشويهها طول الوقت ناهيك عن المراهنة على مجموعة شباب لأول مرة في تجربة بطولة جماعية.

بل سأمرّ الى الحديث عن السيناريو المُتميّز الذي أبدع المخرج في تقديمه بالشكل الذي يجعل المشاهد يعيش قصة “الهاربين الستة” ويجزع لكل أوجاعهم  وأخطار الطريق المحدقة بهم.

وهؤلاء في الحقيقة يمثلون محور المسلسل، فالقصة باختصار تدور حول هروب ستة أشخاص في شاحنة هجرة سرية من مصر إلى السودان، كل منهم له قصّة لا تشبه الثاني، لكنهم جميعا يمثّلون حالات من المجتمع المصري بعد الثورة، أو بالأحرى أبرياء مهدّدون سلّموا مصائرهم إلى شبكة هجرة سرية لأسباب تنكشف عبر تقنية الفلاش باك على مدار الحلقات.

أمّا عن اتجاهاتهم الفكرية فهم يتراوحون بين حسني المواطن المستقر، وعلي المهدد بالسجن بتهمة المشاركة في رابعة، ورامي العالم الفلسطيني الباحث عن طوق نجاة (وليس في الاختيار مبالغة، فلنا في الشهيد محمد الزواري أقرب مثال)، وعمر الأمني الرافض للطغيان، و”الشيخ” السلفي المُطارد بهتانا ونجاة، الصحافية الثائرة الممنوعة من السفر. أمثلة من واقع الثورات تكشف في طيّات رواياتها تفاصيل كثيرة تمتد من أسرار البيوت إلى فضح لعبة النظام القذرة في اللعب بأحلام أجيال.

حسني المستقر

     نجح المخرج وأداء الممثلين في الاستيلاء على تعاطف المشاهد مع الشخصيات الستة والتصالح معها تماما لدرجة أن الجزع يتملّكك على الخطر الذي يداهم الأمني والشيخ السلفي معا، وتبكي قهرا على موت الشاب العشريني البسيط خلال الرحلة، الذي اعتبرته شخصيا مثالا للمواطن المستقر بمفهوم المفكر الفرنسي اتيان دي لا بواسييه، والذي لم يكن اختيار اسم حسني له اعتباطيا (مواطن مستقر أب عن جد).

    إضافة إلى هذا، كان رهان المخرج واضحا على التطور التدريحي في نسق التواصل بين هذه الشخصيات على اختلاف ملامحها، فتجد نفسك كمشاهد مشدودا لذلك الغموض والتكتم والحيطة التي يتوخاها كل واحد فيهم خوفا من الآخر في بداية الرحلة إلى أن تكتشف معهم وتتعرف عليهم مع تقدم الحلقات. ويصل بك الأمر أن تعيش معهم التناحر والتصادم أحيانا إلى التوحّد للوقوف أمام الأخطار الداهمة سواء من المُهرّب القاسي وباقي العصابات أو أمن الحدود.

    سيتّهمني البعض بالإطراء المبالغ فيه لهذا العمل الدرامي، والحقيقة أن لا شيء يجبرني على ذلك. وعلى بعض العيوب الثانوية التي تخللته، أرى أنه من واجبي كمشاهدة الإشادة بالأعمال الهادفة واعتبرها خطوة في مقاومة تيار البذاءة والتزييف الذي استولى على الفن في ممالك الخوف.

وأرى أيضا أن الكتابة عن هذا المسلسل سيغيّر نظرة كثيرين من ذوي المواقف المتحجرة (لو شاهدوه طبعا) من مُبدعينا في إسطنبول لأن تناول القصص التي أثّثته كان على قدر عال من التجرّد. ولا يفوتني أن أشير إلى أنه يمثل خيار الدراما العائلية الخالية من اللقطات أو الرسائل التي من شأنها أن تُشعرنا بالحرج أمام الأبناء، ناهيك عن أنه مسلسل مفعم بالإحساس في جلّ لقطاته.

   أذكر أني كنت في أواخر رمضان على سفر، وصادف أن شاهدت الحلقة الثامنة والعشرين في مطار ما بين رحلتين، واتصلت بي صديقتي في الأثناء لتطمئن عليّ، فلم أقدرعلى مواراة حشرجة صوتي فجزعت قائلة لي: مابك؟ ضيعتي الرحلة؟ ضيعتي حقيبتك؟؟ وطبعا أنا كنت عاجزة على الإجابة لأن صوتي المُثقل بالبكاء خانني، فأجبتها متجنبة تكذيبها لي: لا تخافي، أنا بخير، فقط أشاهد مسلسل شتاء 2016 الذي حدثتك عنه، شاهديه وستصدّقيني عندما تصلين هذه الحلقة وربما قبلها. وستحبّين هشام عبدالله الرائع وعلي ورامي والشيخ وحسني ونجاة، ستحبينهم جدا وتكرهين هشام عبدالحميد إلى حدود لقطته الأخيرة.

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة