تفاصيل الفضيحة التي يتغنى بها الأتراك!

بينما يستعد سكان مدينة إسطنبول للأدلاء بأصواتهم في انتخابات الاعادة على مقعد رئاسة أكبر البلديات التركية، وأكثرها كثافة سكانية، وصاحبة التأثير الأكبر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع التركي، ازدادت حدة المواجهة العلنية بين حزب العدالة والتنمية، وبين المعارضة التركية ممثلة في حزب الشعب الجمهوري، وذلك على خلفية الاستعدادات الجارية على قدم وساق لخوض تلك المعركة الحاسمة التي سيتحدد بناء عليها صاحب اليد الطولى، الذى سيفرض سيطرته على مقدرات المدينة؛ وسيصبغها بمفردات هويته الأيديولوجية خلال السنوات الخمس المقبلة.

المناظرة الأولى في تاريخ تركيا

ساهم في تزايد حدة تلك المواجهة تداعيات المناظرة التي جمعت بين مرشحي الحزبين بن على يلدريم عن العدالة والتنمية، وأكرم إمام أوغلو عن الشعب الجمهوري، بمبادرة من قناة تلفاز فوكس التركية الخاصة وتحت إشرافها، وهي المناظرة التي استحوذت على اهتمام غير مسبوق سواء على صعيد الداخل التركي، أو الصعيدين الاقليمي والدولي، كل لأهداف خاصة به.

 المناظرة التي تعد الاولى في تاريخ الانتخابات البلدية التركية، لاحظ متابعوها حجم وعنف الهجوم  الذى شنه إمام أوغلو ليس فقط على شخص بن على يلدريم كمافس له، ولكن أيضا على حزب العدالة والتنمية، متهما إياه بإهدار المال العام، وإساءة استخدام سلطاته بحكم موقعه كحزب حاكم، إلى جانب اتهامات باستغلال النفوذ، والعمل على تقسيم المجتمع التركي، لتتحول المناظرة إلى فرصة لإمام أوغلو كي يصب جام غضبه ويخرج ما في مكنوناته ضد العدالة والتنمية على الهواء مباشرة، من دون أدنى مراعاة لطبيعة المناظرة، وحجمها، وموضوعها، والسياق الذى يجب أن تدور فيه.

ادعاءات تتجاوز المنطق والواقع

 ورغم تجاوز تلك الاتهامات لحقيقة الأمور على أرض الواقع، وابتعادها عن المنطق والعقل والمقبول، فإن بن على يلدريم مرشح العدالة والتنمية تحلى بالكثير من الصبر وسعة الصدر، والرزانة والعقل، وامتازت إجاباته بالواقعية والمنطق، يدعمه في ذلك خبراته المتراكمة من ممارسة العملين السياسي والعام. مؤكدا بهدوء تام كذب ادعاءات منافسه من معسكر المعارضة، داعما إجاباته وردوده بما حمله معه من وثائق ومسندات دحضت بكل شفافية كافة الافتراءات التي ظل إمام أوغلو يرددها ويحاول عبثاً تثبيتها كحقائق في أذهان المشاهدين.

ومع انتهاء المناظرة حاول كثير من أنصار المعارضة، ومؤيدو أكرم إمام أوغلو القفز على النتائج التي حققتها تلك المواجهة لصالح حزب العدالة والتنمية ومرشحه بن على يلدريم، بالادعاء أن مرشحهم استطاع كشف الكثير من الأمور وتوضيح مدى الفساد الذى تعاني منه بلدية إسطنبول تحت حكم العدالة والتنمية، وأن كل ما ذكره من أرقام تخص إهدار المال العام هى أرقام صحيحة لا تشوبها شائبة، متجاهلين حجم الإنجازات ومدى التغير الذى طرأ على الخريطة الاجتماعية والاقتصادية والخدمية للمدينة خلال الخمسة والعشرين عاما الماضية، التي تولى فيهم حزب العدالة والتنمية إدارة بلديتها.

تهديد الأمن والسلام الاجتماعي

وهو الجدل الذي تطور إلى معارك طاحنة بين أنصار الجانبين على مواقع التواصل الاجتماعي، جدل كاد أن يتطور إلى أزمة داخلية، كان يمكن لها أن تهدد الأمن والسلام الاجتماعي، خصوصا بعد أن انتشر العديد من التحذيرات والتهديدات للسوريين المتجنسين من مغبة مشاركتهم في تلك الانتخابات، بهدف إرهابهم ومنعهم من التصويت.

 إلا أن الامور عادت إلى نصابها في الوقت المناسب، بعد أن خرجت إلى العلن فضيحة خفايا حقيقة ما جرى في كواليس تلك المناظرة التي وصفها القائمون عليها بالحيادية والشفافة، وإنها تهدف فقط إلى إبراز الحقائق وتحقيق مصلحة الوطن والمواطنين من دون انحياز لطرف ضد الطرف الآخر.

 حيث تناولت وسائل الاعلام بالصوت والصورة وقائع لقاء تم بين مقدم المناظرة، وهو بالمناسبة ينتمي لتيار المعارضة ومن أشد مؤيدي حزب الشعب الجمهوري، وبين أكرم إمام أوغلو في أحد الفنادق، مشيرة إلى أن اللقاء بينهما استغرق قرابة الساعة، وذلك قبيل موعد عقد تلك المناظرة بحوالي يومين.

فضيحة سياسية وإعلامية

 وهو ما اعتبر فضيحة سياسية وإعلامية غير مسبوقة على كافة المستويات، لينهال بعدها سيل من التساؤلات حول الأسباب التي جعلت مقدم المناظرة يلتقي أحد طرفيها سرا في فندق بعيدا عن العيون في هذا التوقيت تحديدا، وهل تم خلال ذلك اللقاء الاتفاق على الأسئلة التي سيتم توجيهها لكل من المتنافسين؟ وهل قام أكرم إمام أوغلو شخصيا بوضع الأسئلة التي تم توجيهها لبن على يلدريم؟ ثم أين هي الشفافية والحيادية التي تحدث عنها المقدم المذكور في بداية تقديمه للمناظرة ، في حين أن ما فعله هو ومرشح حزب الشعب الجمهوري يبتعد تماما عن كل ماله علاقة بالشفافية والحيادية وحتى المهنية؟

تلك الأسئلة وغيرها مما تم طرحه سواء من جانب مرشح العدالة والتنمية أوفي وسائل الاعلام أو على مواقع التواصل الاجتماعي، لم تجد من يجيب عنها بكل صراحة، فمقدم المناظرة، الذي لم يستطع إنكار الواقعة، اكتفى بالقول إن قناته الفضائية ستقوم برفع دعوى قضائية ضد الفندق لقيامه بتسريب الفيديو الذي يسجل توقيت دخول أكرم إمام أوغلو إليه بصحبة عدد من أعضاء حزب الشعب الجمهوري، ثم دخول المقدم وتوجهه إلى حيث يوجد إمام أوغلو ومرافقوه، وكذا لحظة خروجهما من الفندق، مع توضيح الفترة الزمنية التي استغرقها لقاؤهما.

 أما أكرم إمام أوغلو نفسه فقد نفى بشدة حدوث مثل ذلك الاجتماع، لكنه عاد بعد بث الفيديو في الفضائيات، ليعترف بأن اللقاء بينهما تم بناء على طلب من مقدم المناظرة، وأن المقابلة بينهما لم تستغرق سوى دقائق قليلة تكاد لا تُذكر.

شكوك حول ادعاءات المعارضة

التأرجح بين النفي والإثبات، والاكتفاء بالحديث عن مقاضاة الفندق من دون توضيح حقيقة تلك الفضيحة، وضعت مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو في موقف حرج أمام القاعدة الشعبية لحزبه، ومن يدعمه من الأحزاب السياسية الأخرى التي تسعى بكل جهدها لإزاحة حزب العدالة والتنمية عن السلطة في تركيا.

الأمر الذي أضفى الكثير من الشكوك حول صحة الادعاءات التي يطلقها الرجل هنا وهناك بهدف تشويه صورة حزب العدالة والتنمية في أذهان المواطنين. بل إن المسألة تعدت ذلك حيث بدأ يسود شعور عام بين مختلف شرائح المواطنين الأتراك بمنطقية ما أكده بن على يلدريم، من أن أكرم إمام أوغلو يردد أكاذيب، ويروج شائعات لا تمت للواقع بأية صلة.

 كما بدأ الحديث حول أن ما حققه العدالة والتنمية بالفعل لإسطنبول خلال فترة حكمه لها إنجازات لا يمكن إنكارها او تجاهل تأثيراتها الايجابية على حياة سكان المدينة المكتظة بالمقيمين فيها والزائرين لها.

انقلاب السحر على الساحر

لينقلب السحر على الساحر، وترتفع شعبية بن على يلدريم، بسبب مناظرة كان الهدف من ورائها، إحراج الرجل ووضعه وحزبه في موضع المتهمين بالفساد وإهدار اموال المواطنين، وهي الاتهامات التي تم دحضها بالأرقام والادلة والمستندات، ويخسر إمام أوغلو جزءا من شعبيته سيؤثر دون شك على نتيجة الانتخابات، بعد أن أصبح في نظر شريحه لابأس بها من مؤيديه، مجرد رجل يكذب من أجل تحقيق مكاسب سياسية شخصية على حساب مصلحة الوطن والمواطنين. 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة