السودان: العسكري يخسر معركة حافة الهاوية مع الشعب

آثار فض السلطات السودانية لمقر الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش في يونيو/حزيران الماضي
آثار فض السلطات السودانية لمقر الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش في يونيو/حزيران الماضي

عاش نضال كل الشعوب الواعية الساعية لكسر قيودها، وفرض إرادتها، وتغيير قواعد لعبة تحاول قوى النفاق فرضها وتثبيتها كأمر واقع.

 

المجلس العسكري الانتقالي الحاكم في السودان دفع الأوضاع في هذا البلد إلى حافة الهاوية، المجلس كان في غنى عن دفع قوى الثورة لإعلان تنظيم عصيان مدني وإضراب سياسي واسع أصاب الحياة بالشلل التام لمدة ثلاثة أيام، إذا كان استجاب طائعاً للمطالب المشروعة حول كيفية إدارة المرحلة الانتقالية، وتشكيل أجهزة مدنية، وليست عسكرية، لإدارة الدولة، وعلى رأسها مجلس الحكم السيادي، والحكومة.

المجلس أصر أن يكون الحاكم المهيمن على مفاصل السلطة، وسعى لتهميش قوى الثورة ليكون وجودها في الحكم رمزياً وغير مؤثر إلى جواره رغم أنها هي التي ناضلت طويلاً، وقدمت التضحيات حتى أطاحت بـ البشير رأس سلطة الاستبداد، ووطنية الثوار بمختلف أطيافهم نموذجاً في الإخلاص للسودان وشعبه، ولا يمكن الانتقاص منها، وزيادتها في العسكريين، وفكرة الوطنية الحصرية أو اللصيقة بالعسكر تفقد وزنها وقيمتها من كثرة ترديد هذه المبالغات.
 الوطنية الحقة هي لمن يريد أن يرتقي ببلاده ويضعها على الطريق الصحيح في الحكم الرشيد، وليس لمن يكافح للسيطرة على الحكم وتكريس الاستبداد.

بدون الحراك كان البشير لا يزال في قصر الرئاسة، وهؤلاء الجنرالات كانوا لا يزالون منزوين في مواقعهم يتلقون التعليمات منه، لا أن يصيروا اليوم أصحاب القرار، ويصدرون التعليمات، ويجوبون العواصم، ليس لتجنيب السودان صراعات المحاور العربية، إنما لجعله في قلب لعبة المحاور، وتلقى أسوأ الاستشارات لقمع التغيير، وكانت محصلة ذلك المجزرة الدموية في فض اعتصام القيادة العامة.
 

العسكري يخسر رهان التصعيد

خسر المجلس رهان التصعيد، وفقد كثيراً جداً من جدارته للحكم، كما بدد رصيد الثقة الشعبية والثورية الممنوح له، وقد ورط نفسه في قرارات متسرعة؛ إما حماقة وجهلاً منه بكيفية الإدارة الحكيمة المتجردة للمرحلة الانتقالية حتى تسليم السلطة كاملة للمدنيين المنتخبين، أو بانصياعه لتوجيهات قوى خارجية دفعته إلى مسار مضاد معروف منذ البداية أنه خاطئ، وأنه لن ينجح إذ أخذ السودانيون علماً به من تجارب بلدان أخرى.

كرر المجلس الانتقالي غير مرة أنه غير راغب في السلطة، ثم تأتي كل تصرفاته لتؤكد سعيه لابتلاع الثورة، والبقاء في السلطة، وقيادة ثورة مضادة تحت نفس العناوين الخادعة بأنه يحافظ على البلاد من الفوضى، ويحمي الدولة من التهديد، ويسعى لنشر الأمن، وترسيخ الاستقرار، ومواجهة مخططات ومؤامرات قوى خارجية وداخلية تعبث بالأمن القومي، والتذكير الدائم بوجود قوى شعبية أخرى لها مطالب مشروعة، وأنه لا يجب أن تحتكر قوى ثورية معينة الشارع وتتحدث وحدها باسمه وتفرض شروطها ومطالبها!

 

الاستفادة من “خيبات” موجة الربيع الأولى

كل هذه الادعاءات وغيرها تم تجريبها في موجة الربيع العربي الأولى، ومن عجب أن يتم تكرارها اليوم في الموجة الثانية في الجزائر والسودان، وإذا كانت هذه المزاعم انطلت على فئات شعبية ونخبوية في بلدان أخرى، فإن الشعبين الجزائري والسوداني استفادا كثيراً من خيبات ومراهقات السابقين والتلاعب بهم، وقد حالت اليقظة دون السقوط في الفخ المرتب جيداً لتشويه حراكيهما، وتفتيت قواهما، ثم الانتهاء بإزاحة الثوار من المشهد والتنكيل بهم.

 في الجزائر لم يترشح أحد للرئاسة في الموعد الذي حددته القوى العسكرية الحاكمة لأن الشعب رفض الذهاب إلى انتخابات متعجلة لن تنتج نظاماً ديمقراطياً سليماً، ولن تصنع بيئة سياسية حقيقية، وستطيح بكل جهود وأهداف الحراك في الانعتاق النهائي من منظومة حكم الفرد والفساد والفقر، إنما لا بد من وضع أسس النظام الديمقراطي أولاً، والتيقن من اقتلاع جذور الاستبداد، وبناء دولة مدنية عادلة.

 

درس بليغ من الشعب السوداني

المجلس العسكري السوداني أثبت أنه لا يقرأ الواقع حوله، لأن اصطفافه في محور مضاد للثورات جلب عليه نكبة كبرى إذ فضح أهدافه ونواياه الدفينة وأسقط مزاعمه بزهده في السلطة وانحيازه للجماهير وأنه خير معبر عن الثورة، كل هذا تدليس، فقد انكشف أمام الشعب الذي لقنه درساً بليغاً خلال أيام العصيان المدني السلمي الناجح حيث ظهرت العاصمة الخرطوم والمدن الأخرى خاوية وخالية تماماً من أي نشاط أو حركة، مما جعل المجلس في حالة هياج فأخذ يهدد ويتوعد وكأنه يحكم أطفالاً أو سذجاً وليس شعباً خاض ثورة طويلة حتى أسقط الديكتاتور، وهو شعب له تاريخ سابق في تفجير ثورتين في أكتوبر 1964 وأبريل  1985 أطاح فيهما بديكتاتوريات عتيدة.

إذا الشعب أراد يوماً الحياة فلابد أن يستجيب القدر، والشعب وحده، وليس العواصم الخارجية، هو القادر على صنع التاريخ، وإفشال أعتى المخططات الشريرة التي تستهدف هزيمة أحلام التغيير والإصلاح، والشعب اليقظ أثبت أن قوى الدولة القديمة مهما كان تمكنها وعدوانيتها لن تكون قادرة على مواجهة حركة جماهيرية متضامنة وموحدة، وتلك كانت مصيبة قوى الثورات في بلدان الموجة الأولى فقد انقسمت وتفرقت بنوازع ذاتية وبتفاعلات خارجية حتى وهنت ولم تعد قادرة على لملمة أشلائها ونجحت القوى الكارهة للديمقراطية والحريات في الفوز بالجولة بالنقاط، قبل لوم الخارج يجب لوم الداخل وتحميله القدر الأكبر من مسؤولية الفشل.

 

وحدة الثوار صخرة تنكسر عليها المؤامرات

مهما كان حجم الضخ المالي الخارجي والدعم السياسي والأمني والتحشيد الدولي لصالح قوى الحكم العسكرية المستبدة فإنها لا تنجح طالما اتحدت القوى الثورية والسياسية ولم يشذ عن الصف أحد منها، وطالما تم كشف القوى العميلة ذات الوجه المزدوج التي تدعي أنها ثورية، ثم تكون معول هدم في حائط الثورة من الداخل وتقوم بنشر الفتن في صفوفها، فالأساس في إفشال كل المخططات الخارجية والداخلية هو الوعي الشعبي والوحدة الوطنية المتينة التي تتفتت على صخرتها المؤامرات الخبيثة كما حدث في السودان حيث كان الجميع على قلب رجل واحد نخباً وجمهوراً واعياً مدركاً لمصالحه ومضحياً من أجل مستقبله ومنع سرقة ثورته.

ناضل السودانيون ما يقرب من أربعة أشهر حتى أسقطوا الديكتاتور البشير، وواصلوا نضالهم حتى أسقطوا نائبه الديكتاتور الصغير عوض بن عوف الذي تصدر المشهد بلباسه العسكري مُنصّباً نفسه رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي، ولم يهلل ويفرح السودانيون ويذهبون إلى بيوتهم بعد كنس الشوارع والميادين وتنظيفها مطمئنين إلى أن ثورتهم في أيد أمينة مثل البرهان وحميدتي، إنما كانوا يتوقعون مخطط الانقلاب الثالث، وهو هذه المرة ليس على واحد منهم مثل البشير، وابن عوف، إنما على الحراك الثوري وعلى الشباب و”الكنداكات” حيث كان سيتم الإطاحة بالجميع، ولهذا رابطوا أمام القيادة العامة، ثم جاء الفض الدموي للاعتصام السلمي ليكون برهاناً دامغاً من البرهان وحميدتي على حقيقة ما يدور في عقل الجنرالات من كراهية لفكرة التغيير الديمقراطي.

ووساطة أبي أحمد علي رئيس الوزراء الإثيوبي مقدرة، وكان فيها حفظ بعض ماء الوجه للجنرالات، وقد رضخوا بعد أن كسرهم الشعب السوداني في العصيان، وقبلوا التفاوض دون قيد أو شرط، والتراجع عن الاستعلاء، والعودة للرشد، ولذلك وافقت قوى الحرية والتغيير على تعليق الاعتصام والدخول في مفاوضات يُفترض أن تكون جادة وحاسمة ونهائية هذه المرة لتشكيل مجلس سيادي بأغلبية مدنية، وحكومة تدير شؤون البلاد، أي يتسلم المدنيون السلطة فعلياً.
 

الثورة يجب أن تحكم
 

الثورات التي حكمت فور إسقاطها للطغاة هي التي نجحت ونجت من الدسائس وانقلابات الثورات المضادة عليها، والثورات التي بالغت في الحلم والرومانسية ووثقت في قوى أخرى نصبت نفسها في مواقع الحكم الانتقالي كان مآلها الفشل واسترجاع الاستبداد بأشد وأقسى مما كان.

الثورة لا تغادر الميدان حتى تتولى الحكم كما فعل البلاشفة في روسيا عام 1917، وكما حصل في الثورة الإيرانية عام 1979 التي قادها الخميني، وكما جرى في جورجيا وأوكرانيا، وفي دول أوربا الوسطى عندما تحررت من الشمولية في أوائل التسعينيات من القرن الماضي بعد سقوط الاحتلال السوفيتي.

عاش نضال كل الشعوب الواعية الساعية لكسر قيودها، وفرض إرادتها، وتغيير قواعد لعبة تحاول قوى النفاق فرضها وتثبيتها كأمر واقع، قدم الشعب السوداني مع نخبه المتحررة من الأنانية مثلاً يُحتذى في مواجهة القوى الرجعية، وإخضاعها لإرادته الصلبة.  

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة