محمد سعيد باشا والد الفنان العاشق وجد الملكة المحبوبة

نبدأ بالقول بأن موقف محمد سعيد باشا من الحركة الوطنية موقف ثنائي الطرفين ( ولا أقول ثنائي القطب ) بدأ بالغضب منه ثم انتهى إلى ما يشبه الرضا عنه ،  وهو في هذا يكاد يكون أحسن الساسة المعاصرين له حظا  ، وقد نجا في البداية من أن يتورط في قيادة حزب ملكي (أو سلطاني ) منتم للحزب الوطني ومنافس أو معارض للوفد بقيادة سعد باشا ، ثم نجا من أن يستمر بوزارته التي لم يكن الشعب راضيا عنها و ظهرت استقالته من منصبه على نحو مشرف له فقد طلب الاستقالة علنا ومعللا لها بأن أولي السلطة من الملك والإنجليز لم يستمعوا لنصحه فيما يتعلق بلجنة ملنر والمفاوضات ، ومع أن أحدا لا يستطيع أن يسامح محمد سعيد باشا في قبوله تشكيل أول وزارة إدارية بينما ثورة 1919 مندلعة، فإن المؤرخين الوطنيين يتقبلون منه على مضض ما  كان  من شرحه لوجهة نظر من أنه قبل تشكيل الوزارة  من أجل منع الفوضى أو ضياع الدولة أو ضياع روحها، و بخاصة أن الوزارة لم تكن لتضيف له جديدا، فقد كان بالفعل رئيسا للوزارة من قبل. وفي كل الأحوال فإن وزارته لم تستمر أكثر من ستة أشهر خلفه بعدها يوسف وهبة وزير المالية في وزارته، وفيما بعد هذا فإنه لم يكابر ولم يكن من الجبهة المناوئة لسعد ولا كان من مؤسسي حزب الأحرار الدستوريين، بل إنه انضم لسعد زغلول باشا وأصبح الرجل الثاني في وزارة سعد باشا المعروفة بوزارة الشعب 1924، ولم يتورط في الانقلاب عليها ولا في دعم الثورة المضادة وعاش بقية حياته مكرما ومحترما حتى توفي في العام التالي لوفاة سعد باشا.

حظوظه

 

وعلى مستوى الذرية فإنه لم يحظ رئيس وزراء مصري بالحظ الذي ناله محمد سعيد باشا، فهو والد الفنان العظيم محمود سعيد، الذي هو عميد الفنانين المصورين العرب، ولم ينبغ من أبناء رؤساء الوزارة في الفن أو الأدب أحد بأي قدر يقارن به مع مستوى ذلك الفنان العظيم الذي كان أول الحاصلين على جائزة الدولة التقديرية في الفنون عند منحها والذي يذكر له كل محب للفن إبداعاته الرائعة في لوحاته المشهورة التي صور بها بنات بحري على نحو مذهل في تعبيره وفنيته وقبضه على مكمن الفرادة ولمحة الأصالة.

أما الملكة المحبوبة التي هو جدها فهي الملكة فريدة التي أصبحت ملكة على مصر في 1938 ومن الجدير بالذكر هنا أن الملكة الأم (أو الملكة الأولى تاريخيا) الملكة نازلي كانت أيضا حفيدة لرئيس وزراء سابق هو شريف باشا الملقب بأبو الدستور، وهي كما نعرف بنت عبد الرحيم صبري باشا الذي لم يصبح وزيرا إلا في وزارة محمد سعيد باشا الثانية.

أما الحظ الثالث في ذرية هذا الرجل فهو أن واحدا من أزواج بناته قد أصبح رئيسا للوزراء وهو حسين سري باشا، ومن هذه الزاوية فإن هناك رئيسا للوزراء يشاركه هذا ويتفوق عليه وهو مصطفي فهمي باشا، حيث وصل زوج ابنته سعد زغلول باشا إلى رئاسة الوزارة، وكان هو ـ أي مصطفى فهمي ـ الذي اختاره وزيرا في وزارته، أما حسين سري باشا فإنه لم يدخل الوزارة إلا بعد 18 عاما من ترك حميه لرئاسة الوزارة.

من الطريف أنه هو وحسن رشدي باشا كانا رئيسي وزراء متعاقبين : أصبح هو رئيسا للوزارة في 1910 وحتى 1914 ثم خلفه حسين رشدي باشا من 1914 وحتى 1919 ثم كان هو الذي خلف حسن رشدي باشا ، والطريف في الأمر أنهما ولدا في عام واحد 1863 و وصلا الوزارة في يوم واحد في 1908 وتوفيا في عام واحد 1928 ومن الجدير بالذكر أن أحمد فتحي زغلول باشا الشقيق الأصغر لسعد زغلول باشا ولد معهما في نفس العام  1863 وكانت خطواته في سلك القضاء والحياة الفكرية والعامة لا تقل تفوقا عن خطواتهما ، لكنه ابتلي بموقفه السيء في الاشتراك في محاكمة فلاحي دنشواي فسقطت صورته ومكانته في الوطنية .

 

تعرضه للاغتيال

 

بعد هذه التحقيقات والتوثيقات المهمة لما هو مضطرب في أدبياتنا التاريخية نتناول شخصية محمد سعيد باشا من عدة زوايا كاشفة:

فعلى مستوى النفس السوية أولا يذكر له أنه تعرض للاغتيال بقنبلة ألقاها عليه أحد طلاب الأزهر في 5 سبتمبر 1919 برمل الإسكندرية، فانفجرت ولم يصب بسوء، ولما حوكم هذا الشاب الوطني تقدم محمد سعيد باشا بنفسه للشهادة والتمس الرأفة بالجاني، وكان هذا على النقيض من موقف خلفه محمد توفيق نسيم الذي أصر على طلب الإعدام للوطني الذي حاول اغتياله.

كذلك كان محمد سعيد من الشجاعة والثقة بالنفس، بحيث قبل أن يكون مرشحا في انتخابات البرلمان الأول (1924/1923)، وقد انتخب نائبا عن دائرة الجمرك في الإسكندرية.

وبالإضافة إلى هذا، فإنه من ناحية ثانية يبدو للمتأمل في الأداء التنفيذي أن النظام والترتيب كانا من السمات البارزة في فكر محمد سعيد باشا، فكثير من إنجازاته تنطق بهذا المعني:

ففي عهده تغيرت صورة الحياة البرلمانية، فبدلا من الجمعية العمومية ومجلس شورى القوانين تأسست الجمعية التشريعية 1913 التي كان نظامها يستتبع أن ينتخب أكثرية أعضائها من نوابغ الموظفين، وكما نعرف فقد رأسها أحمد مظلوم باشا وكان وكيلاها سعد زغلول باشا وعدلي يكن باشا.
كان محمد سعيد مع ما نسميه الآن دولة المؤسسات، وهو الذي استطاع في عهد وزارته الأولي أن يعيد إلى الوجود وزارة الأوقاف، بدلا من الديوان، وقد خاض من أجل هذا صراعا مع الخديوي عباس والخاصة الخديوية، لأن عودة وجود هذه الوزارة لم يكن في صالح هؤلاء.
أكثر من هذا، فإن محمد سعيد كان صاحب الفضل في إنشاء وزارة الزراعة في 1913بعد أن كانت مصلحة فحسب.
للمرة الثالثة، كان محمد سعيد مؤمنا بدولة المؤسسات، وكان هو صاحب الفضل في إنشاء وزارة المواصلات في 1919 في أثناء وزارته الثانية، وقد اختير لتوليها أحمد زيور وزير الأوقاف، وعين وزيرا جديدا للأوقاف. وهكذا فإن محمد سعيد باشا هو صاحب الفضل في عودة وإنشاء 3 وزارات هي كل الوزارات التي أنشئت منذ مطلع القرن وحتى تولي على ماهر رئاسة الوزارة فأنشأ وزارتين: وزارة الشئون الاجتماعية ووزارة الصحة.
وفي عهده كذلك عرفت مصر أول توجه واسع النطاق نحو الإدارة المحلية اقتداء بما كانت أوربا قد وصلت إليه، وبدأت فيه، فسّنت القوانين التي ساعدت على توسيع السلطات المحلية المنوطة بجهات الإدارة المحلية والتمثيل الوطني، وتمت زيادة صلاحيات مجالس المديريات في مجالات التعليم، والصحة، وإنشاء الطرق، والمستشفيات.
وفي عهده كذلك بدأ الاهتمام بالصناعة الوطنية وبالطبقة المتوسطة وسن قانون صغار الملاك وحمايتهم. كما منعت وزارة الأشغال الضرر الكبير من انخفاض الفيضان.
ومن ناحية ثالثة، فإنه على مستوى التوجهات السياسية كان محمد سعيد فيما قبل توليه الوزارة في مقدمة أنصار الزعيم مصطفي كامل، لكن كثيرين من أنصار الحزب الوطني حسبوا عليه فيما بعد أنه تورط في إجراءات الحكومة في اضطهاد الزعيم محمد فريد بك، والشيخ عبد العزيز جاويش.

ومن ناحية رابعة، فعلى صعيد العمل الأهلي غير الحكومي يذكر لمحمد سعيد باشا أنه مؤسس جمعية العروة الوثقى بالإسكندرية وهي جمعية عظيمة جيدة التأسيس والوظيفة والنشاط والأثر.

ومن ناحية خامسة، كان محمد سعيد باشا يوصف بأنه من أكبر أنصار الخديوي عباس حلمي، لكن الخديوي نفسه غضب عليه في آخر عهده لمؤازرته للورد كتشنر ضده، بل إن الخديو السابق أقاله من منصبه مصرحا بأنه لا يريد له أن يكون قائمقامه في أثناء غيابه، ويشاء القدر أن يعزل الخديو على يد من اختاره الخديوي خلفا لمحمد سعيد باشا وهو حسين رشدي باشا (!!).

مولده

ولد محمد سعيد باشا 1863-1928 في مدينة الإسكندرية، ودرس القانون، وعمل بالنيابة، وأصبح رئيساً لمحكمة الإسكندرية الكلية، ومستشاراً في محكمة الاستئناف (1905).

بدأ مناصبه الوزارية (1908) وزيراً للداخلية عند تشكيل وزارة بطرس غالي، وكان كما أشرنا واحدا من وزيرين جديدين اختارهما بطرس غالى وتوليا رئاسة الوزارة بعده مباشرة. وقد جاءه الحظ من بداية عهده بالمناصب الوزارية، ذلك أنه اختير وزيرا للداخلية في وزارة بطرس غالى في 1908، وكان أحد أربعة وزراء جدد في هذه الوزارة التي لم تضم من الوزراء القدامى إلا رئيسها بطرس غالي وسعد زغلول باشا وزير المعارف، ولا يعجبّن القارئ، فقد كان حجم الوزارة في ذلك الوقت ستة وزراء بمن فيهم الرئيس. هكذا أتي حسن حظ محمد سعيد من سوء حظ بطرس غالي الذي اغتيل وهو رئيس للوزارة، وقبل أن يمضي عليه في رئاسة الوزارة عامان، ولأن محمد سعيد باشا كان وزيرا للداخلية ، فقد وقع عليه الاختيار ليكون رئيسا للوزارة، مع أن عهده بالوزارة كان حديثا جدا، وبهذا فإنه تخطى الأقدم منه وهو سعد باشا زغلول كما سبق زميله (الذي دخل الوزارة معه في نفس اليوم والذي خلفه فيما بعد في رئاسة الوزارة ) وهو حسين رشدي باشا، ، لكنه كان قد عين وزيرا للحقانية، وهكذا كان تولي محمد سعيد باشا للداخلية سببا بارزا لأن ينال في ذلك اليوم ما لم ينله زميلاه اللذان وصلا بعد هذا إلى رئاسة الوزارة وهما: سعد باشا، ورشدي باشا.

وحين شكل محمد سعيد باشا الوزارة فإنه لم يدخل فيها إلا وزير جديد  فقط ليحل محل بطرس غالي وكان لابد أن يكون هذا الوزير مسيحيا، وهكذا اختير يوسف سابا وزيرا للمالية، ورغم أن الوزارة لم يدخلها يومها إلا وزير جديد واحد فإنها تغيرت بأكملها، إذ أعيد توزيع المناصب الوزارية جميعا بتبديل مواضع كل الوزراء فيها ما عدا وزير واحد هو إسماعيل سري وزير الأشغال والحربية والبحرية. أما سعد باشا زغلول فقد أصبح وزيرا للحقانية محل رشدي باشا الذي أصبح وزيرا للخارجية التي كان يتولاها بطرس غالي، وتولى أحمد حشمت باشا وزير المالية وزارة المعارف بدلا من سعد زغلول باشا، على حين حلّ الوزير الجديد يوسف سابا باشا في وزارة المالية محل أحمد حشمت باشا، أما محمد سعيد باشا نفسه فحل في الرئاسة محل بطرس غالي باشا واحتفظ بالداخلية التي كان يتولاها، وكان رئيس الوزراء السابق يحتفظ بوزارة الخارجية التي حل محله فيها رشدي باشا.. ولم يكن في هذا التبديل كله أية غرابة، فقد كان رشدي باشا على سبيل المثال ينوب عن بطرس غالي باشا في وزارة الخارجية في أثناء تغيبه، بل إن رشدي باشا نفسه تولى الداخلية فيما بعد وهو رئيس للوزارة، وكذلك فعل سعد باشا نفسه حين تولى الداخلية فيما بعد وهو رئيس للوزارة، كما أن محمد سعيد باشا نفسه تولى وزارة المعارف تحت رئاسة سعد باشا زغلول (1924). بل إن سعد زغلول باشا روى أنه عرض على سعيد باشا أن يتولى عنه وزارة الداخلية ليخفف عنه الأعباء.

قلنا إن مقتل بطرس غالي هو الذي هيأ الفرصة لمحمد سعيد ليكون رئيسا للوزارة، فهل اقتصر توليه للرئاسة على هذه المرة؟  ها هو التاريخ يقول إنه عاد لتوليها مرة أخري في ظرف صعب وجاء ليحل محل خلفه رشدي باشا بعد أربع مرات متتالية شكل فيها رشدي باشا وزارته في عهود الخديوي عباس والسلطانين حسين كامل وأحمد فؤاد الأول. بل إن الأستاذ مصطفى أمين روي في كتابه «من واحدة لعشرة» أن سعد زغلول ذكر فيما ذكر أنه في آخر أيام بطرس غالي كان هو ـ أي سعد ـ ومحمد سعيد ذاهبين للخديوي عباس باتفاق للتآمر على بطرس غالي كي يقال من منصبه.. وليخلفه أحدهما بالطبع.

وزارة بطرس غالي

ومن الجدير بالذكر أنه من بين الوزراء الخمسة الذين كانت وزارة بطرس غالي تضمهم فإن ثلاثة وصلوا بالفعل إلى رئاسة الوزارة، وكان منهم اثنان اختارهما بطرس غالي بنفسه كوزراء.

نخلص مما سبق إلى أن محمد سعيد باشا شكل وزارته الأولي في فبراير 1910 عقب اغتيال بطرس غالي، واحتفظ لنفسه فيها بوزارة الداخلية، واستوزر عند تشكيل الوزارة وزيرا واحدا فقط هو يوسف سابا باشا لوزارة المالية، ثم استوزر خمسة آخرين (كان من بينهم يوسف وهبة باشا خلفه في رئاسة الوزارة في وزارته الثانية) في أثناء عهد الوزارة التي استمرت حتى أبريل 1914.

ثم قبل محمد سعيد أن يتولى الوزارة في أثناء ثورة 1919، وكانت وزارته أولى الوزارات الإدارية، واستمرت ستة أشهر (مايو 1919 ـ نوفمبر 1919)، وفيها احتفظ أيضاً بوزارة الداخلية لنفسه، وفيها استوزر أربعة وزراء جدد كان منهم المستشاران الكبيران أحمد ذو الفقار باشا ومحمد توفيق نسيم باشا، وكان منهم عبد الرحيم صبري باشا والد الملكة نازلي.

وفي 2 يونيو 1919 صدر المرسوم السلطاني بإنشاء وزارة للمواصلات، وعين أحمد زيور باشا وزير المعارف وزيرا لها، وعين أحمد طلعت باشا النائب العام وزيرا للمعارف خلفا له، وبهذا صار عدد الوزراء ثمانية بدلا من سبعة. وفي ذلك اليوم نفسه عين عبد الفتاح يحيى بك المستشار بمحكمة الاستئناف المختلطة وكيلا لوزارة الداخلية، (وهو فيما بعد رئيس الوزراء الذي خلف صدقي باشا في 1933) وكان هذا المنصب شاغرا منذ 9 أبريل حيث كان يتولاه جعفر ولي باشا الذي عين وزيرا للأوقاف في وزارة رشدي باشا الرابعة، وعين محمود فخري باشا الأمين الأول محافظا للعاصمة، كما عين حسن عبد الرازق باشا ناظر الخاصة السلطانية محافظا للإسكندرية.

فيما بعد سنوات توالى فيها على رئاسة الوزارة كل من يوسف وهبة باشا ونسيم باشا وعدلي باشا وثروت باشا ويحيى إبراهيم باشا فقد قبل محمد سعيد باشا أن ينضم إلى وزارة سعد زغلول باشا ليكون الرجل الثاني فيها وتولى المعارف من بداية الوزارة وحتى 31 مارس 1924 حيث تولى وزارة الحقانية، وقد بقي إلى نهاية عهد وزارة سعد زغلول، وكان هذا آخر عهده بالمناصب الوزارية.

وقد كان هو الأول بين أربعة وزراء قدامى قبلوا العمل في وزارة سعد زغلول مع أن منهم اثنين عملا رئيسين للوزراء قبل سعد باشا وهما محمد سعيد باشا، ومحمد توفيق نسيم باشا، أما الآخران فهما أحمد زيور باشا وأحمد مظلوم باشا.

والحقيقة أن علاقته بسعد زغلول تحتاج إلى تأمل ودراسة، فقد سبق سعدا إلى رئاسة الوزارة، كما أن سعد باشا استقال أو خرج من وزارته 1912في وسط عهدها، وقد رأينا أنه كان قبل أن يكون رئيسا لوزارة مناهضة للحركة الوطنية، ولكن سعد باشا قد جعل اسمه في مقدمة وزارته التي شكلها في 1924، وأكثر من هذا فقد ناب عن سعد في رئاسة الوزارة لفترات متكررة انشغل فيها سعد أو اعتلت صحته. ولم يكن محمد سعيد استثناء في قبوله العمل تحت رئاسة مَنْ تولى رئاسة الوزارة بعده، فقد كان هؤلاء الرجال يتمتعون بثقة كبيرة في النفس، وقد عمل رشدي باشا نائبا لعدلي باشا في وزارته كما عمل يحيى إبراهيم تحت رئاسة زيور، وكما عمل صدقي وعبد الفتاح يحيى تحت رئاسة محمد محمود، ولم يكن أحد من هؤلاء جميعا مضطرا أو مجبرا للقبول بمثل هذا الوضع.

الاستخفاف بالثورة

هل كان محمد سعيد باشا نفسه يلعب دوره كرئيس للوزراء بنفس القوة التي كان يلعب بها الحظ معه؟ ربما يرجح البعض أن محمد سعيد كان هامشيا في دوره، وهذا غير صحيح على الإطلاق.. وقد ذكرنا بعض الدلائل ونضيف إليها ما يذكره المؤرخون من أنه في وزارته الثانية (1919) تمكن بمرونته من تهدئة الأحوال والصحفيين، وأعاد النظام الداخلي إلى يد السلطة المدنية، وألغى الرقابة على الصحف، وقانون المطبوعات، وحول قضايا الوطنيين من المحاكم العسكرية إلى المحاكم الأهلية، وقد تم له إقناع الإنجليز بهذا التوجه، وتبديل أحكام الإعدام في المحاكم العسكرية بالأشغال الشاقة، وعمل على إرضاء الموظفين، ونجح في تعديل درجاتهم فاستصدر أمرا بلجنة تعديل الدرجات للنظر في حال الموظفين.

ومن الإنصاف بعد هذا كله أن نقرأ تاريخ محمد سعيد باشا في ثورة 1919 من خلال نصوص أستاذنا عبد الرحمن الرافعي، وهو صاحب التعبير الجميل القائل بأن تشكيل سعيد باشا لوزارته كان هو أول مظهر من مظاهر الاستخفاف بالثورة من الوجهة الوزارية».

«…… جاء تأليف وزارة سعيد باشا محاولة جريئة لكسر شوكة الثورة، فلا غرو أن قوبلت بالاستياء والسخط، لأن تشكيلها لم يسبقه تفاهم على برنامجها، بحيث تساير الحركة الوطنية ولا تعرقلها، ولم يخفف تيار الاستياء ما أعلنه سعيد باشا من أن وزارته «إدارية» لا تمت إلى السياسة بسبب، وهو أول من ابتدع فكرة الوزارة الإدارية، وهي بدعة تنطوي على الخداع والمراوغة، ولم تكن هذه التسمية لتحجب الحقيقة الواقعة، وهي أن عمل الوزارة بطبيعته عمل سياسي قبل كل شيء».

«وكان كتاب السلطان إلى محمد سعيد باشا، وجواب سعيد باشا عليه، كلاهما خلو من برنامج يؤيد الحركة الوطنية، فجاء هذا مثيرا لاستياء الرأي العام من ناحية تأليفها، وزاد في شكوك الناس أن سعيد باشا لم يفاتح ممثلي الرأي العام في أمر وزارته، وأنه أدخل فيها من الوزراء الجدد اثنين من مستشاري محكمة الاستئناف كانا يجاهران باستنكارهما لحركة سنة 1919، وهما أحمد ذو الفقار باشا ومحمد توفيق نسيم بك، واثنين من الوزراء السابقين استبعدهما رشدي باشا حين ألف وزارته الأخيرة (الرابعة) لمعارضتهما سياسته التي أدت إلى استقالة وزارته الثالثة، وهما إسماعيل سري باشا وأحمد زيور باشا، فبدا على الوزارة منذ تأليفها طابع العداء للرأي العام، والاستخفاف به، و(مناوأة) الحركة التي كان على رأسها سعد».

«وليس يخفي ما كان بين سعد وسعيد من الجفاء القديم، منذ استقال سعد من وزارة سعيد الأولى، ثم صار زعيما للمعارضة في الجمعية التشريعية، واستمر الجفاء بينهما حين تأليف الوفد، وبعد قيام الثورة، فتشكيل سعيد للوزارة في مايو سنة 1919 كان فيه معنى التحدي لسعد، ومع ذلك فإن سعيد باشا كان أول من مشى في ركاب سعد سنة 1921 لما بدأت النفرة بينه وبين عدلي، ثم انفصل عنه سنة 1925 حينما استهدف سعد لغضب السراي!».

«يخلص من كل هذه الملابسات أن تأليف وزارة سعيد باشا هو أول مظهر من مظاهر الاستخفاف بالثورة من الوجهة الوزارية».

وزارة في مواجهة المظاهرات العدائية

وقد لخص أستاذنا الرافعي موقف وزارته الثانية في الشارع السياسي على نحو جميل ومعبر عن الحقيقة بدقة فقال:

«قوبلت وزارة سعيد باشا بالمظاهرات العدائية في القاهرة والإسكندرية وبعض المدن الأخرى، ورُفعت عرائض الاحتجاج على تأليفها إلى السلطان من مختلف الطبقات».

«وفي يوم الجمعة 23 مايو تألفت ضدها مظاهرة بالإسكندرية (وسعيد باشا من أهلها) عقب صلاة الجمعة بمسجد أبي العباس المرسي وطافت في بعض الشوارع ثم فرقها البوليس. وفي يوم الأحد 25 منه قامت ضدها مظاهرة أخرى أكبر من الأولى، إذ عقد اجتماع كبير في مسجد أبي العباس، وخرج المجتمعون في مظاهرة سارت في الشوارع تهتف ضد الوزارة، وتدخل الجنود البريطانيون، فجرح ضابط بريطاني وقتل أحد المتظاهرين، وقبض على كثير منهم، وشيعت جنازة القتيل في مشهد رهيب».

«وعقد اجتماع كبير في الأزهر ألقيت فيه الخطب العدائية للوزارة، وبالجملة كانت هدفا لتيار كبير من السخط العام، وفي ذلك يقول محمد سعيد باشا في حديث له بجريدة «الطان» الباريسية (عدد 21 يوليو سنة 1919): «إني لا أجهل الطعن الشديد الموجه إلى وزارتي، فإنه لا يمر يوم إلا ويكون زملائي كما أكون أنا نفسي موضع تهديدات توجه إلينا مباشرة، ولا يخفاك أنه قد أطلقت في إحدى الليالي طلقات نارية على “نوافذ”  منزلي، وكان الهياج من الشدة بحيث يستحيل أن يهدأ مرة واحدة، غير أني مع ذلك ممتلئ ثقة بوطنية المصريين وحكمتهم».

والتفت أستاذنا الرافعي إلى قدرة محمد سعيد باشا على إرضاء الموظفين أو رشوتهم ليبعدهم عن الثورة:

«من يوم أن تقلد سعيد باشا الوزارة شغل أذهان الموظفين بدعاية قوامها أن وزارته معنية بتحسين حالتهم، فصرفهم بذلك عن التفكير في المسألة العامة، وقد نفذ ما وعدهم به، فقرر مجلس الوزراء في 26 يونية تخصيص مبلغ 800 ألف  جنيه لمنحهم العلاوات في شكل استبقاء إعانة الحرب مع زيادتها بمقدار خمسين في المائة، هذا إلى جانب تحسين درجات كثير من الموظفين والإغداق عليهم بالرتب والنياشين، وأرادت الوزارة بذلك كله اجتذابهم إلى صفها، وكان لهذه العلاوات أثرها في إبعاد الموظفين عن الحركة الوطنية، وتراخي صلاتهم بها، بل التنكر لها أحيانا، والتفاتهم إلى مصالحهم الشخصية، ومن هنا يمكنك أن تدرك السبب في تغير موقف الموظفين عما كانوا عليه في عهد وزارة رشدي باشا الأخيرة، فقد كانوا يفيضون حماسة ضدها، كما تقدم بيانه، بينما فترت هذه الحماسة، وحل محلها البرود والصمت العميق في عهد وزارة سعيد باشا».

إلغاء الرقابة على الصحف

وفي محور رابع يصف أستاذنا الرافعي المؤرخ ما افتخر به محمد سعيد من إلغاء الرقابة على الصحف بأنه كان إجراء صوريا:

«وألغيت الرقابة على المطبوعات ومنها الصحف ابتداء من أول يوليو 1919، عقب توقيع معاهدة الصلح، ونشرت رئاسة مجلس الوزراء يوم 26 يونية بيانا بهذا المعني، قالت فيه: «إن الهدوء الذي ساد البلاد الآن ساعد الحكومة على الاتفاق مع السلطة العسكرية على أن الرقابة على المطبوعات تلغى عند توقيع معاهدة الصلح، فالمأمول من مديري الجرائد أن يلزموا الاعتدال، ويستخدموا على الدوام حكم إدراكهم كي لا يلجئوا الحكومة إلى العودة لوضع القيود والروابط».

«على أن إلغاء الرقابة إنما كان إلغاء صوريا، ذلك أن إدارة الرقابة أرسلت إلى الصحف مذكرة سرية حظرت عليها نشر الأنباء أو المقالات التي عددتها فيها، وحظرت عليها الإشارة إلى هذه المذكرة، ويكفيك أن تلقي نظرة على محتوياتها لتتبين أن الرقابة بقيت مضروبة على الصحف، بشكل مستتر».

«في 2 سبتمبر سنة 1919 وقع اعتداء على محمد سعيد باشا رئيس الوزارة، وذلك أنه بينما كان راكبا سيارته في طريقه من داره برمل الإسكندرية إلى سراي الوزارة ببولكلى، ألقى عليه سيد على محمد من أهالي كفر الزيات (المحامي الشرعي فيما بعد) قنبلة بالقرب من محطة جناكليس، القريبة من دار الرئيس، فانفجرت القنبلة لكنها لم تصبه، ونجا من الاعتداء».

«وتبين أن المعتدي طالب بمعهد الإسكندرية الديني، وقد حوكم أمام محكمة جنايات الإسكندرية فقضت عليه في فبراير سنة 1920 بالأشغال الشاقة عشر سنوات».

ونأتي إلى نهاية عهد وزارته الثانية، ففي شهر أكتوبر 1919 أعلنت لندن عن عزم الحكومة البريطانية على إرسال لجنة اللورد ملنر للنظر في المسألة المصرية، فاجتمعت كلمة المصريين على عدم مخاطبة هذه اللجنة، وعلى أن الهيئة الوحيدة المختصة بمخاطبتها هي هيئة الوفد المصري في باريس، وانضم محمد سعيد باشا إلى الرأي العام، وطلب من الحكومة الإنجليزية التريث في إرسال هذه اللجنة أو تأجيلها حتى توقع تركيا معاهدة الصلح، ولما لم تصغ الحكومة البريطانية إلى نصيحته استقال من منصبه في 19 نوفمبر 1919:

«لم ير محمد سعيد باشا بدا من الاستقالة بعد نشر بلاغ دار الحماية عن مهمة لجنة ملنر، واشتداد المظاهرات، إذ كان قد طلب تأجيل حضور اللجنة، وصرح في حديث له يوم 13 أكتوبر بأنه إذا حضرت رغم هذا الطلب فإنه مستقيل، فرفع كتاب استقالته إلى السلطان يوم السبت 15 نوفمبر سنة 1919، وأشار فيه إلى عدم موافقته على حضور اللجنة، فجاءت استقالته مسببة تسبيبا سياسيا يلائم ويؤيد اتجاه الحركة الوطنية».

اعتزال السياسة

في سنة 1926 اعتزل محمد سعيد السياسة وظل في عزلته إلى أن أصيب بالمرض الذي توفي به.

توفي محمد سعيد باشا في 20 يوليو سنة 1928 في العام الذي توفي فيه اثنان من رؤساء الوزراء اللاحقين به هما رشدي باشا المولود معه في 1863 وثروت باشا المولود بعده بعشر سنوات وكان سعد زغلول باشا قد سبقهم إلى الوفاة في العام السابق 1927 وهكذا خلت الحياة السياسية من أربعة من رؤساء وزراء عهد الملك فؤاد البالغ عددهم 14 رئيسا للوزارة.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة