ليبيا وخليفة القذافي

 

أثبت العسكر أنهم الأجدر بمنصب الرئاسة في الدول الوظيفية التي رحل عنها الاستعمار وترك لهم فيها مهمة إدارة شؤون البلاد، بل أثبتوا أنهم أقدر من زملائهم شيوخ القبائل والعشائر الذين يشغلون الوظيفة نفسها لتحللهم من القيود والمبادئ حيث لا أصل يمنع، ولا عرف يردع.

لذا لم يقبل معسكر الثورة المضادة المناورة ببديل مدني يدين لهم بالولاء ويُحركونه من وراء حجاب، وأصروا على حاكم عسكري صريح كما حدث في مصر التي أخذت على عاتقها استنساخ تجربتها في ليبيا.

ليبيا التي غدت حلبة صراع مكشوف بين رغبة شعب في استكمال ثورته وامتلاك حريته والانعتاق من قيود الفساد والاستبداد، وبين الأعداء التقليديين الذين يرون هذه البلاد وسكانها حدائق خلفية لبلدانهم، ومخازن ثروات يجب أن تبقى تحت أيديهم، ويديرها من يوظفونه لذلك من رعاياهم.

لذا وجدنا واحات الديمقراطية الغربية تدافع وتنافح، بل تدعم وتشارك في الحفاظ على الديكتاتوريات التي تحكم بالحديد والنار، والتصفية والاعتقال!

دور خليفة حفتر

في أثناء انتظار الناس اكتمال فرحة الجزائر ونجاحها في إزاحة العصابة الفاسدة، وأن بلدا شقيقا سيذوق حلاوة التغيير وينعم بحق تقرير المصير، إذا بخليفة حفتر قائد مليشيات التمرد في ليبيا يتحرك تجاه العاصمة طرابلس ويقصف تجمعات المدنيين والسكان الوادعين، وأحدث ربكة على الحدود مع الجارة التي تنتظر مولودها الجديد!

وقد كان آخر عهده بالجيش والحرب في نهايات الثمانينيات حيث وقع في الأسر أثناء حربه على تشاد وسجن فيها حتى أعلن انشقاقه عن الجيش الليبي وأعلن معارضته للقذافي فأخذته أمريكا وبقي فيها من بعد الهزيمة والأسر حتى بدأت ثورات الربيع العربي التي امتطى صهوتها وركب في سفينتها.

في البداية كان الدعم السعودي المصري الإماراتي له غير معلن أو من وراء ستار، أما الآن فهم أصحاب القرار ويديرون غرفة القيادة، كذلك أثبتت الوقائع تورط فرنسا ومؤازرتها لحفتر برا وجوا، في الوقت الذي يظهر فيه الرئيس ماكرون في صورة راعي الصلح وحامل لواء السلام والوئام!

كما يحلو للإدارة الأمريكية بمؤسساتها المختلفة ممارسة لعبتها المفضلة في الخداع الاستراتيجي، وأنها مع الحكومة الشرعية والسلطة القائمة، ثم يتصل ترمب مباشرة بخليفة حفتر ليطمئن منه على سير المعارك! فهو الرئيس الذي لا يقيم وزنا للرأي العام، ولا يرى داعيا للتفريق بين السر والعلن فهو يعمل بعقلية رجل الأعمال وقاعدة (كله على عينك يا تاجر) مادامت الصفقة رابحة ونتيجتها في النهاية لصالح البيت الأبيض.

عرت المداخلة وكشفت الجامية

ومن أعظم تجليات ثورة ليبيا وضوحا وفضوحا أنها عرت سوأة المداخلة وكشفت ما كان مستورا من حقيقة الجامية الذين يقاتلون إلى جوار عصابات حفتر تحت شعار “السلفية” مخالفين بذلك المنهج الذي قامت عليه بدعتهم، والأصل الذي وضع لهم في مذكرات المخابرات، المتمثل في طاعة الحاكم ولي الأمر ومتابعته على كل حال، وسوق الناس لذلك طوعا وكرها!

لكن العار والعوار لزمهم من ناحيتين:

الأولى: لو كنتم أصحاب منهج صحيح، وطريقة مستقيمة لكنتم في صفوف الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا فهي الحاكم وبها يناط الأمر.

الثانية: تقولون إن خليفة حفتر هو قائد الجيش وبقية ولي الأمر، وهذا معناه أنكم على عقيدة القذافي وطريقته! حتى لو أقررتم بذلك وقعتم في تناقض ثالث وهو أن حفتر من الخوارج الذين خرجوا على القذافي وانحازوا لأعدائه فكيف يكون الخارجي ظل الحاكم وبقيته؟

ليس لهؤلاء عقول يمكن إقناعها أو إقامة الحجة عليها، لأنهم كتيبة أمنية لا علاقة لهم بالعلم ولا بالسلفية، أعدتهم السعودية في أجهزة المباحث لهذه المرحلة، وهم خطر على كل بلد حلوا بها أو نزلوا فيها، لأنهم لا يرون حاكما واجب الطاعة، وهو وحده ولي الأمر إلا ملك السعودية أو من يحدده أو يحالفه!

معركة الربيع العربي

إن المعركة الدائرة الآن في ليبيا ليست معركة الليبيين وحدهم، وإنما معركة الحرية ضد الاستبداد، ومعركة الربيع العربي ضد الثورة المضادة وأذنابها، ومعركة التحرر الوطني ورفض الهيمنة ضد الاحتلال العسكري والغزو الثقافي.

وهذا ما أدركه الرئيس التركي أردوغان وجسده بقوله: “لن نترك شعب ليبيا فريسة للعصابات والمليشيات” وأمر بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع الحكومة الشرعية.

إنها جولة حاسمة لها ما بعدها في معركة الأمة الكبرى.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة