لماذا إسطنبول؟ هل لأن من يحكم إسطنبول يحكم تركيا؟

حزب العدالة والتنمية فقد 10 بلديات كبرى أخرى لا تقل في أهميتها عن إسطنبول مثل أنقرة، وأنطاليا، وأضنة، إلا ان سعيه لاستراد المفقود من تلك البلديات لم يكن بالحماسة والاندفاع نفسه.

 

 

لماذا إسطنبول؟ سؤال يتردد دائما كلما حملت إلينا الأخبار جديد تطورات المعركة القانونية التي يخوضها حزب العدالة والتنمية أملا في استعادة سيطرته على المدينة التي فقدها نتيجة الانتخابات البلدية الاخيرة، وتسلمها بالفعل حزب الشعب الجمهوري المعارض بعد اعتماد اللجنة العليا للانتخابات نتيجة فوزه بها، واستحقاقه لها.

لماذا إسطنبول تحديدا؟

حزب العدالة والتنمية فقد 10 بلديات كبرى أخرى لا تقل في أهميتها عن إسطنبول مثل أنقرة، وأنطاليا، وأضنة، إلا ان سعيه لاستراد المفقود من تلك البلديات لم يكن بالحماسة والاندفاع نفسه الحاصل بالنسبة لإسطنبول، فلماذا إسطنبول؟ وما أهمية رئاسة بلديتها طالما لا تزال أحد معاقل الحزب التقليدية والتاريخية، وهو الأمر الذي يؤكده سيطرته شبه الكاملة على مجلس بلديتها، وما يتمتع به بين أحيائها ومناطقها من شعبية لا يمكن إنكارها؟ ولماذا لم يتحرك الحزب على المستوى نفسه فيما يخص أنقرة مثلا رغم أنها العاصمة السياسية والرسمية للجمهورية التركية؟

قد يعتقد البعض أن السبب وراء ذلك يكمن في المقولة التي أطلقها الرئيس أردوغان حول أن من يحكم إسطنبول يحكم تركيا، وهى مقولة صحيحة على وجه اليقين، لكنها لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تكون السبب الوحيد الكامن وراء ذلك الإصرار العجيب على استعادتها بكافة السبل والوسائل، حتى وإن اضطر الحزب إلى السعي لإعادة الانتخابات بها مرة أخرى مهما كلفه ذلك من ثمن، في محاولة تستهدف – على ما يبدو – تلافي الأخطاء التي حدثت وأثارت حفيظة القاعدة الشعبية التي يرتكز عليها الحزب، والتي قررت بدورها معاقبته على طريقتها الخاصة عبر حرمانه من رئاسة بلديتها الكبرى، التي تدرك أهميتها في المشروع السياسي للحزب، في رسالة واضحة مفادها أنه إذا أراد استعادتها مجددا، فعليه بذل المزيد من الجهد والعمل الدؤوب .

درة التاج

وإن كان البعض يرى أن إصرار العدالة والتنمية على استرداد إسطنبول يعود إلى أنها كانت الركيزة الاولى لمراحل طريق النجاح الذى حققه الرئيس أردوغان منذ تولى رئاسة بلدية إسطنبول في العام 1994، خصوصا وأنه منذ ذلك الحين لم يخسر أية انتخابات خاضها، وظلت البلديات الكبرى كأنقرة وأضنة وأنطاليا إلى جانب إسطنبول تحت حكم الإسلاميين، لذا فإن خسارتهم الآن تعنى ضمن ماتعني خسارة الحزب لحوالي 40% من إجمالي أصوات مؤيديه، الذين تحولوا باتجاه تأييد حزب الشعب الجمهوري المعارض، وهو ما اعٌتبِر مؤشرا قويا على خسارة الإسلاميين لقطاع كبير من مؤيديهم، لذا يسعون الان بكل قوتهم لاستعادة تلك الشريحة مرة أخرى، وهذا أيضا طرحا يبدو مقبولا إلى حد ما.

الحقيقة لا تكمن في مجرد خسارة شريحة من المؤيدين، والرغبة في استمالتهم مجددا، ولا في مقولة “من يحكم إسطنبول يحكم تركيا”. الحقيقة تكمن في أن إسطنبول هي درة تاج الخلافة الإسلامية، ورمز أمجاد الامبراطورية العثمانية، والتي ينتظر الملايين في لهفة استعادتها لدورها التاريخي ضمن المشروع السياسي الذى يتبناه حزب العدالة والتنمية، ويعمل بكل جدية من أجل تنفيذه، عبر استعادة الدولة التركية لهويتها الاسلامية، وإحياء أمجاد الامبراطورية العثمانية، واسترداد ما تم انتزاعه غصبا من أملاكها بموجب معاهدة لوزان، التي أجبرت المفاوضين الأتراك آنذاك على التنازل عنها، ويطالب الرئيس أردوغان حاليا بضرورة مراجعة كافة بنود تلك المعاهدة مع حلول العام 2023 تاريخ انتهاء العمل بها.

وهو ما يدركه الغرب جيدا، ويخشى من حدوثه، خصوصا بعد التصريحات التي أدلى بها أردوغان خلال جولاته الانتخابية حول أن إسطنبول لن تكون القسطنطينية مرة أخرى أبدا، وأنها ستظل أرض الإسلام، وسيصدح الأذان مجددا في أركان جامع آيا صوفيا، الامر الذى منح مساحة لابأس بها لظهور العداء الغربي الخفي له ولخططه وتوجهاته المستقبلية التي أصبحت واضحة للعيان، ذلك الهلع الذى بدا واضحا فيما نشرته صحيفة سيوسروس اليونانية مؤخرا، في مقال افتتاحي لها داعية أوربا إلى العمل على إنهاء السيطرة الخطيرة لاردوغان على مصير تركيا، وإلى إغراق السفينة الإسلامية التي يقودها، ومقاومة الخطر المتنامي القادم من دولة السلاطين القديمة، الذى أصبح يحيط بأوربا ويهدد استقرارها.

تصريحات أردوغان الحماسية، ومشروعه الرامي لعودة الدولة الإسلامية القوية التي لديها القدرة والقوة على مواجه الغرور والصلف الأوربيين، أيقظ أحلام الملايين من شعوب العالم الإسلامي، الذين يتوقون إلى الخلاص من الاضطهاد والتهميش والملاحقات تحت زعم الإرهاب، ويسعون لإنهاء معاناتهم تحت حكم أنظمة ديكتاتورية عميلة.

آخر عاصمة للخلافة

إسطنبول إذا ليست مجرد مدينة مكتظة بالسكان، يقطنها حوالي 20% من مجموع سكان تركيا (18مليون نسمة تقريبا)، ولا ترتكز أهميتها على كونها فقط العاصمة الاقتصادية التي تنتج 55% من حجم التجارة في تركيا، وتوفر فرص عمل لـحوالي 30% من الأيدي العاملة، وتسهم بـ 25% من إجمالي الناتج القومي، ويؤخذ منها 40% من مجموع الضرائب التي تحصلها الدولة سنويا.

إسطنبول في فكر حزب العدالة والتنمية، والتيار الاسلامي عموما تمثل المدينة الرمز، رمز عزة الاسلام والمسلمين، المدينة التي انطلقت منها حملات الفتوحات الاسلامية شرقا وغربا، وسيطر المسلمون من خلالها على أكثر من ثلث المساحة الجغرافية للكرة الارضية، هى المدينة التي حكمت باسم الاسلام لمدة 400 عاما كاملة، وأخيرا وليس آخرا، هي آخر عاصمة عرفتها الخلافة الاسلامية، التي انهارت تحت وقع ضربات المؤامرات اليهودية والتحالفات الأورو- صهيونية ضدها، وكان من أهم وأبرز شروط سماح الحلفاء بعد الحرب العالمية الاولى بإقامة الجمهورية التركية على أنقاض الامبراطورية العثمانية، تغيير عاصمة الدولة الجديدة من إسطنبول إلى أنقرة، وضمان ألا تعود إسطنبول عاصمة مرة أخرى على الإطلاق، واستجابة لذلك المطلب ينص الدستور التركي حتى الآن على أن أنقرة هى العاصمة الأبدية للجمهورية التركية.

إسطنبول وخسارة المشروع الاسلامي

عودة إسطنبول لقوتها وازدهارها ستكون  القوة الحقيقية والدافع الفعلي لعودة الإسلام، واستعادة مجده، بكل ما يحمله من آمال في مستقبل مفعم بالفخر والعزة، يعلق عليه الملايين من المسلمين طموحاتهم وآمالهم وأحلامهم، وقدرته على أن يتبوأ مكانته الحقيقية في هذا العالم الذي غابت عنه العدالة والتسامح حينما غابت شمس الأمة الإسلامية.

أما خسارتها وخروجها من تحت سيطرة التيار الإسلامي، لصالح التيار العلماني الكمالي، فيعني العودة مجددا لمرارة مرحلة انهيار الخلافة الإسلامية، وإخراج إسطنبول من المعادلة السياسية للدولة التركية، وتسليمها للعلمانيين، الذين منعوا الأذان باللغة العربية، وجرموه داخل أيا صوفيا. خسارة إسطنبول هى خسارة المشروع الإسلامي لركيزته الأساسية وقاعدته الشعبية التي من المقرر له أن ينطلق منها، والتي سوف تتحول إلى خيبة أمل وانتكاسة حقيقية سيكون من الصعب تلافي سلبياتها على كل ماله علاقة بالإسلام السياسي لفترة طويلة لا يعلم مداها إلا الله سبحانه وتعالى، وهو ما يدركه ويعيه جيدا حزب العدالة والتنمية، ولذا يخوض غمار تلك المعركة القانونية التي قد تتحول في مرحلة ما إلى معركة سياسية، ومواجهة علنية بين الإسلام والعلمانية.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة