فارس الخوري الذي نجح في كل شيء إلا في منع عبد الناصر من إعدام الإخوان

 

نبدأ بداية لغوية مهمة فلقب الخوري يعني رجل الدين، وهو بالتالي يدل على أن أصول أية عائلة تتسمى به كانت تتصل بهذه المهنة ولم تكن متعلمة فحسب، ويتصل بهذه الجزئية اللغوية أن نفرق بين سياسيين بارزين يحملان هذا اللقب وعملا في الصفوف الأولى من السياسة العربية في وقت في عهدين متعاصرين:

  • رئيس الوزراء رئيس مجلس النواب السوري الأستاذ فارس الخوري (1873 ـ 1962)
  • الرئيس اللبناني بشارة الخوري، واسمه الثلاثي (غير المشهور بالطبع): بشارة خليل الخوري (1890 ـ 1964) أما الشاعر اللبناني الذي يحمل نفس الاسم والملقب بالأخطل الصغير فاسمه الثلاثي (غير المشهور بالطبع) بشارة عبد الله الخوري (1884 ـ 1968)

وهكذا فإن فارس الخوري رئيس الوزراء السوري هو أول الثلاثة مولدا كما أنه هو أطولهم عمرا يليه الشاعر الذي عاش 84 عاما وولد عام 1884 ثم الرئيس اللبناني الذي هو آخرهم مولدا وأقصرهم عمرا وقد عاش 74 عاما فقط

تولى الأستاذ فارس الخوري رئاسة وزراء سوريا مرتين الأولى كان فيها بمثابة ثاني رؤساء الوزارة في العهد الأول من رئاسة شكري القوتلي الذي بدأ في 1943 وقد رأس هو الوزارة في 14 أكتوبر 1944 وحتى 1 أكتوبر 1945 حيث خلفه سعد الله الجابري الذي كان سلفه كما أصبح خلفه أي أن وزارة الأستاذ فارس الخوري الأولى وقعت بين وزارتي سعد الله الجابري الأولى والثانية، وقد استمرت هذه الوزارة قرابة عام.

أما المرة الثانية التي رأس فيها الوزارة فكانت في العهد الثاني للرئيس هاشم الأتاسي وكانت لمدة 100 يوم ما بين 3 نوفمبر 1954 و13 فبراير 1955، خلفا في هذا المنصب للرئيس محمد سعيد الغزي أما الذي خلفه فكان صبري العسلي، ومن الجدير بالذكر أن العسلي نفسه كان قد أصبح وزيرا لأول مرة في وزارة الأستاذ فارس الخوري الذي يكبره بستة عشر عاما.

الأستاذ فارس الخوري هو السوري الوحيد الذي حصل من مصر على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية مع أستاذ الجيل الأستاذ أحمد لطفي السيد (1872 ـ 1963) ومن الطريف أن عمره أصغر من عمر الأستاذ لطفي السيد بسنتين فقد ولد بعده بسنة وتوفي قبله بسنة.

كان والده نجارا

وُلد الأستاذ فارس الخوري عام 1873في قرية الكفير، وهي الآن قرية من قرى قضاء حاصبيا في لبنان ، حتى أنها تُسمى كفير حاصبيا، كان والده يعقوب بن جبور الخوري نجارا بروتستانتيا يملك بعض الأراضي الزراعية في قريته ، أما جده والد أمه فقُتل في المعركة التي دارت بين الدروز و المسيحيين 1860 قبل مولد فارس، تلقى فارس تعليما مدنيا والتحق بالكلية السورية في بيروت (الجامعة الأمريكية الآن) لكن تفوقه المُبكر دفع الأساتذة الأمريكان إلى تعيينه مدرسا في مدرستهم الابتدائية في قرية مجدل شمس (1896) ثم نقلوه إلى مدرستهم الأخرى في صيدا وذلك على نحو ما كان أسلافهم في المدرسة الأمريكية في صيدا قد عينوه من قبل مُدرسا في مدرستهم في قرية زحلة.

عاد الأستاذ فارس الخوري إلى الدراسة في الكلية السورية (الجامعة الأمريكية) وحصل على شهادتها المُسمّاة بكالوريوس العلوم 1897 وكانت هذه الشهادة بمثابة شهادة عامة غير مُتخصّصة في أي فرع من فروع العلوم والآداب لكنها كانت تؤهل للعمل ولاستكمال الدراسة ومن الجدير بالذكر أنه هو أعلى خريجي هذه الكلية قيمة في جيله! ونظرا لسُمعته السابقة في التدريس فقد كُلّف بتدريس الرياضيات واللغة العربية معا في القسم الاستعدادي (التجهيزي) للكلية السورية ومع أنه بروتستانتي فقد دعاه الأرثودوكس لإدارة مدارسهم في دمشق، كما انتُدب للتدريس في مدرسة عربية شهيرة في ذلك العهد وهي مدرسة مكتب عنتر التي كانت أرقى المدارس الدمشقية.

عمل الأستاذ فارس الخوري بعد ذلك مترجما في القنصلية البريطانية (1902 ـ 1908) فتمتّع بما يتمتع به الأجانب الأوروبيون والعاملون معهم من الامتيازات التي كانوا قد حصلوا عليها من الدولة العثمانية المعروفة بالتسامح الشديد مع الأقليات، وفي ذلك الوقت درس الفرنسية والتركية، كما أطلع على كتب القانون، وكانت مهنة المحاماة لا تشترط الحصول على مؤهل فعمل بالمحاماة ثم تأهل بعدها بليسانس الحقوق، وأصبح بعد هذا من أساتذة كلية الحقوق المرموقين.

وفي 1908 بدأ الأستاذ فارس الخوري عهده في ممارسة السياسة بالانضمام إلى جمعية الاتحاد والترقي وعُرف عنه في ذلك الوقت أنه ينظم الشعر ويُجيد الكتابة فأصبح من المشهورين بالأدب والكتابة مع السياسة لكنه سرعان ما تفرغ للنشاط السياسي.

بعد 6 سنوات من بدء مزاولته للسياسة عضوا في حزب الاتحاد والترقي نجح الأستاذ فارس الخوري في أن يفوز بعضوية البرلمان العثماني (مجلس المبعوثان) 1914 نائبا عن دمشق.

ومن الإنصاف للأستاذ فارس الخوري أن نُشير إلى ما سجله التاريخ من غيرته على الدولة العثمانية وهو ينصحها في عهد برلمانها (مجلس المبعوثان) بالتكثيف من همتها في نشر التعليم العثماني في بيروت مشيرا بالأرقام إلى أن المدرسة السلطانية بعد أربعة قرون من عمرها تضم أقل من مائتي طالب بينما الكلية الأمريكية (الجامعة الأمريكية) تضم ألف ومائة طالب والكلية اليسوعية تضم 700 طالب ومدرسة الفرير تضم 700 طالب أيضا.

كان وضع الأستاذ فارس الخوري السياسي عضوا في مجلس المبعوثان يدفعه إلى أن يتوسط عند الوالي جمال باشا (المشهور بجمال باشا السفاح) لمن كان يسجنهم من الزعماء العرب، لكنه في 1916 تعرض هو نفسه للسجن على يد جمال باشا، ووُجّه إليه الاتهام بالتآمر على الدولة العثمانية وبقي مسجونا في قلعة دمشق 4 شهور، لكنه حصل على البراءة وأُفرج عنه 28/1/1917ونُفي إلى إسطنبول حيث مارس التجارة هناك..

الجدير بالذكر هنا أن نشير إلى أن شكري العسلي عم صبري العسلي كان من بين قبض عليهم في ذلك الوقت ونال الإعدام على يد جمال باشا.

العودة إلى دمشق

وبانتهاء الحرب العالمية الأولى وزوال قبضة الدولة العثمانية عن سوريا عاد الأستاذ فارس الخوري إلى دمشق، واختير (1919) ليكون عضوا في المؤتمر السوري الذي تأسس مع المملكة السورية العربية و عهد الملك فيصل الأول الذي حكم سوريا (1918 ـ 1920) وفي ذلك الوقت نجح الأستاذ فارس الخوري مع مجموعة من أقرانه في تأسيس معهد الحقوق العربي وكان أحد أساتذة هذا المعهد، كما اشترك في تأسيس أقدم المجامع اللغوية التي لا تزال عاملة إلى الآن وهو المجمع العلمي العربي بدمشق (1919) وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر فإنه كان من الأعضاء الاثني عشر المؤسسين وكان هو آخرهم وفاة إذ بقي على قيد الحياة حتى 1962، أي عاش تسع سنوات بعد وفاة الرئيس الأول لهذا المجمع الأستاذ محمد كرد على ، وقد كان من زملائه الاثني عشر ثلاثة أعضاء في مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ اختيار أعضائه المؤسسين 1933 ، وهم حسب مولدهم الأساتذة عبد القادر المغربي (1867 ـ 1956) وعيسى إسكندر المعلوف (1869 ـ 1956) ومحمد كرد علي (1876 ـ 1953)

بينما كان هاشم الأتاسي قد وصل إلى رياسة الوزارة فقد كان الأستاذ فارس الخوري أول أنداده السياسيين وصولا إلى كرسي الوزارة فقد أصبح وزيرا للمالية في الوزارات الثلاث التي تآلفت في عهد الملك فيصل الأول (مارس 1918 ـ 1920يوليو)

ولما احتل الفرنسيون سوريا وأنهوا عهد الملكية القصير عاد الأستاذ فارس الخوري إلى العمل الحر محاميا وتجنب النشاط السياسي المباشر، وانتخب نقيبا للمحامين لمدة 5 سنوات متتالية، وعُين حقوقيا لمدينة دمشق، كما عمل أستاذا في معهد الحقوق العربي الذي كان قد اشترك في تأسيسه وتولى تدريس مادتي المالية وأصول المحاكمات.

انضم الأستاذ فارس الخوري إلى الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في تأسيس حزب الشعب، ولما قامت ثورة السويداء الكبرى (في يوليو 1925) بقيادة سلطان الأطرش باشا اعتقل الأستاذ فارس الخوري مع من اعتقلوا (76 يوما) ونُفي مع من نفوا إلى جزيرة إرواد ثم نُفي إلى الحسكة (80 يوما) ثم فرضت عليه الإقامة الجبرية ثم تقرر1926 نفيه خارج سوريا رغم شغله منصب وزير المعارف الذي أُسند إليه في حكومة الرئيس أحمد نامي بك الأولى الذي تولى رئاسة الدولة السورية ما بين أبريل 1926 وفبراير 1928

تشكيل الحكومة

وربما تحتاج هذه الجزيئة إلى قدر من التفصيل ، فقد كان الرئيس أحمد نامي قد نجح في أن يُشكُل حكومة متّزنة كان نصفها الأول من الزعماء المؤيدين بالرأي العام السوري ، و الذين كونوا حزب الكتلة ، وكان نصفها الثاني ممن كانت فرنسا تعتبرهم من المُعتدلين وقد ساعده في هذا التشكيل سعد الله الجابري وحسني البرازي، وكان الرئيس أحمد نامي من الذكاء السياسي والتمكن من أفق رجل الدولة المقتدر،  بحيث لخّص برنامج وزارته في عشر نقاط تضمنت  الدعوة للانتخابات لوضع الدستور، وتحويل الانتداب إلى معاهدة مُدّتها 30عاما كما هو الحال بين بريطانيا والعراق ، وضم سوريا لعصبة الأمم ، وتكوين جيش وطني، وتمثيل سياسي خارجي ، وإصلاح النظامين القضائي والنقدي وإصدار عفو عام عن الثوار ، وتعويض منكوبي الثورة .

كان الرئيس فارس الخوري   إذاً وزيرا من الوزراء الستة الذين ضمتهم وزارة الرئيس أحمد نامي الأولى التي استمرت واحدا و أربعين يوما (2 مايو 1926 ـ 12 يونيو 1926) وقد اختير وزيرا للثقافة والمعارف وضمت معه زميليه الرئيس حسني البرازي وزيرا للداخلية و الرئيس لطفي الحفار   وزيرا للأشغال العامة كما ضمت ممن صنفوا كمعتدلين: الوزير يوسف الحكيم وزيرا للعدل و الوزير شاكر نعمت وزيرا للمالية والوزير واثق مؤيد العظم وزيرا للزراعة والاقتصاد.

و نحن نلاحظ أن ثلاثة من الوزراء الستة وصلوا إلى رئاسة الوزراء، ومن الطريف أن هؤلاء الثلاثة بالذات [وهم الرؤساء حسني البرازي ولطفي الحفار وفارس الخوري ] قد اعتقلوا في أثناء عملهم وزراء،  اعتقلهم الفرنسيون بتهمة التحريض على الثورة وقد نفوا إلى محافظة الحسكة وبقوا فيها حتى 1927 على نحو ما ذكرنا من قبل .

ثم بدأ اتصال الأستاذ فارس الخوري بكتلة الأغلبية التي أسست الحزب الذي عرف باسم الكتلة السورية برئاسة هاشم الأتاسي ونائبيه الزعيم إبراهيم هنانو والزعيم سعد الله الجابري. وقد كان الأستاذ فارس الخوري من أقطاب هذه الكتلة التي ظلت بمثابة حزب الأغلبية السوري طيلة أكثر من عشرين عاما، فكانت تتولى المعارضة حين يعصف الفرنسيون بالدولة، وتتولى الحكم حين يعود الحكم إلى أبناء الوطن وتجري الانتخابات.

يُذكر للأستاذ فارس الخوري في مجال الوطنية أنه وهو نقيب للمحامين تصدى لما كانت فرنسا تخطط له من إنشاء المحاكم المختلطة في سوريا مستحضرا  مثالب تجربة مصر المريرة ومتغلبا على هذه النزعة الفرنسية المعروفة، وهنا يجدر بنا أن نُشير إلى أن بقاء قبضة العثمانيين على سوريا في مواجهة الفرنسيين بصورة أقوى من قبضتهم في مواجهة البريطانيين في مصر  وأن هذه القبضة قد حمت أقاليم الشام من كثير من الإمبريالية الغربية التي فُرضت على مصر فآذت التوجهات التعليمية فيها، وأفقدتها صلتها بالتعليم القديم والحديث على حد سواء لولا جهد سعد زغلول وهو وزير ثم جهد خلفائه وثورة 1919 فيما بعد.

ظل الأستاذ فارس الخوري من كُتّاب الكتلة الوطنية ومُفكّريها، ومن محرري منشوراتها وبياناتها فلما اندلع الإضراب الستيني (1936) ودُعي الوطنيون لمفاوضة فرنسا في باريس كان الأستاذ فارس الخوري من وفد المفاوضين السوريين بل كان نائبا لرئيس الوفد.

من الجدير بالذكر أن وفد المفاوضات السوري في 1936 ضم مع هاشم الأتاسي كلا من جميل بك مردم وسعد الله الجابري وفارس الخوري، ومن الجدير بالذكر أن من ساعد هذا الوفد على الوصول إلى الاتفاق أن الحزب الحاكم في فرنسا في ذلك الوقت كان هو الجبهة الشعبية (وهي يسارية التوجه)، وكانت تميل إلى إنصاف السوريين.

الفوز بعضوية البرلمان

ولما أجريت الانتخابات 1936 فاز الأستاذ فارس الخوري بعضوية البرلمان وانتخب أيضا رئيسا لمجلس النواب السوري (1936 ـ 1939) ولما أجريت الانتخابات 1943 فاز أيضا بعضوية البرلمان وبرئاسته.

وفي فترة رئاسة شكري القوتلي الأولى (1943 ـ 1949) أصبح الأستاذ فارس الخوري ثاني رؤساء وزراء ذلك العهد ليخلف سعد الله الجابري أول رؤساء وزراء ذلك العهد في 14 أكتوبر1944 بعد أسبوع من توقيع بروتوكول الإسكندرية لجامعة الدول العربية ، وقد تولى رئاسة الوزارة وجمع معها وزارة المعارف والداخلية بينما خلفه سعد الله الجابري في رئاسة مجلس النواب، وكان اختياره تعبيرا عن أيمان عميق بالوحدة الوطنية وعن نضج سياسي حققه السوريون، وقد حُسب هذا الاختيار ضمن المزايا التي تمتع بها الرئيس شكري القوتلي كرجل دولة من طراز متقدم .

وكانت طبيعة المسئولية الوزارية تجعل الأستاذ فارس الخوري مسئولا عن الأوقاف والشئون الإسلامية فلما حاول أحد الأعضاء إثارة هذه المُفارقة تصدى له الأستاذ عبد الحميد طباع نائب الكتلة الإسلامية في المجلس بالقول إننا نؤّمن الأستاذ فارس الخوري على أوقافنا بأكثر مما نؤّمن أنفسنا..

كان الأستاذ فارس الخوري شأنه في هذا شأن أقرانه من الزعماء السوريين حريصا كل الحرص على التفاني في خدمة فلسطين وحرية شعبها، ويُذكر له إسهامه البارز في المؤتمر البرلماني العربي الذي انعقد في القاهرة 1938، وتصديه للحركة الصهيونية ببيان ناصع.

وإذا كان سعد الله الجابري من الذين وقعوا بروتوكول الإسكندرية للجامعة العربية في أكتوبر 1944 فإن الأستاذ فارس الخوري كان من الذين وقعوا ميثاق الجامعة في 1945.

يُذكر أيضا أنه كان من أقنع السوريين بالاشتراك في إعلان الحرب على دول المحور كي يكون من حق سوريا الانضمام إلى جمعية الأمم، وقد وافقه السوريون على هذا القرار الذي كان كما نعرف سببا في اغتيال أحمد ماهر باشا في 1945..

وفي 1945 ترأس الأستاذ فارس الخوري الوفد السوري إلى مؤتمر سان فرانسيسكو الذي استهدف تأسيس منظمة دولية لفترة ما بعد الحرب هي الأمم المتحدة بينما مثل مصر إبراهيم عبد الهادي باشا وعبد الحميد بدوي باشا ،  و مثل السعودية الأمير (الملك فيما بعد) فيصل بن عبد العزيز . و قد ظهرت موهبة الأستاذ فارس الخوري في الاجتماعات التي شهدت تأسيس الأمم المتحدة وعرفه وزراء الخارجية الدوليون ومنهم الوزير الروسي الشهير مولوتوف، ووزير الخارجية الأمريكية الأقل شهرة  ستاتينيوس كما أن جامعة جنوب كاليفورنيا كرّمته بالدكتوراه الفخرية.

المشكلة السورية بمحض المصادفة

أما دوره في عرض مشكلة سوريا ولبنان على مجلس الأمن ، فقد جاء بمحض المصادفة ، ذلك أنه لم يعد من اجتماعات الأمم المتحدة إلى بلده مباشرة وإنما بقي بعض الوقت في الولايات المتحدة الأمريكية، فلما نشأت الأزمة بين سوريا وفرنسا بسبب طلب فرنسا لبعض الامتيازات الثقافية والاقتصادية والعسكرية التي لم توافق عليها سوريا دفع الفرنسيون بالطيران الفرنسي لقصف البرلمان السوري في 29 مايو 1945 في تصرف بربري وهي الحادثة التي أظهرت ذكاء سعد الله الجابري الذي فض البرلمان فلم يصب القذف هدفه، وإن كان قد أصاب الحامية المكلفة بحراسة البرلمان فقتلهم  .

وقد تقدمت سوريا بشكواها للأمم المتحدة وترأس وفدها فارس الخوري، وقد أضاف ذكاؤه ودبلوماسيته وقدرته على الجدل بالقانون إلى قدرات الوفد السوري الذي استطاع الحصول على قرار الأمم المتحدة بإنهاء الوجود الفرنسي في سوريا إنهاء كاملا. وفي يناير 1946 عقدت جلسة مجلس الأمن التي ناقشت قضية الجلاء من سوريا ولبنان وأبلى الأستاذ فارس الخوري بالاشتراك مع زميله حميد فرنجية ممثل لبنان بلاء حسنا وقد أصرا على ضرورة جلاء الجيشين الفرنسي والإنجليزي من سوريا ولبنان في وقت واحد وهو ما حدث بالفعل.

وفي تلك الفترة حدثت قصته المشهورة مع المندوب الفرنسي في مجلس الأمن  وفيها ما يعبّر عن ذكائه عندما قام بالجلوس على المقعد الخاص بالمندوب الفرنسي، الذي فوجئ به يحتل مقعده، فطلب منه الانتقال إلى المقعد الخاص بسورية، لأن هذا المقعد مخصص له، وأشار له إلى المكان المخصص للمندوب السوري، إلا أن فارس الخوري تجاهل ما يقوله المندوب الفرنسي، وأخرج ساعته من جيب سترته وراح يتأمل فيها، بينما المندوب الفرنسي يلح في طلبه، حتى كاد أن يستشيط غضباً، فما كان من فارس الخوري إلا أن أجابه بلغة فرنسية واضحة وصوت جهير سمعه جميع من في القاعة: “بلدي يا سيادة المندوب احتملت احتلالكم لها خمسة وعشرين عاماً، وأنت لم تحتمل جلوسي على مقعدك 25 دقيقة”.

كان السوريون من الذكاء بحيث أسندوا إلى الأستاذ فارس الخوري تمثيل سوريا في المنصة الدولية واختاروا المفكر العربي قسطنطين زريق وكيلا له، وقد حاز الخوري ثقة الدول الأعضاء في الأمم المتحد فانتخبت سوريا عضوا في مجلس الأمن لعامي 47 ـ 1948 وهي كما نعرف عضوية غير دائمة ، و من الجدير بالذكر أن سوريا انتُخبت بأغلبية 45 صوتا من أصل الأصوات الذي كان 53 صوتا في ذلك الوقت، وبالطبع فقد وقف الأستاذ فارس الخوري مع قضية فلسطين بكل ما يملك، كما كانت مشاعره وتعبيراته عونا للوفد المصري الذي عرض القضية المصرية برئاسة النقراشي باشا.

في ذلك الوقت انتخبت سوريا لعضوية مجلس الأمن الدولي فأصبح الأستاذ فارس الخوري عضوا في مجلس الأمن الدولي وترأس هذا المجلس في 1947 في أول مرة يصل فيها عربي إلى رئاسة المجلس فلما انتهت عضوية سوريا في مجلس الأمن (وهي عضوية غير دائمة كما نعرف) عاد الأستاذ فارس الخوري إلى سوريا حيث كان قد انتخب لرئاسة البرلمان السوري كالعادة حتى وهو عضو في مجلس الأمن.

بعد أن وقع انقلاب حسني الزعيم وما تلاه من انقلابات بقي الأستاذ فارس الخوري قريبا من مواقع المسئولية متوليا رئاسة الوفد السوري إلى الأمم المتحدة.

وفي 1954 بدأت حقبة الربيع الديموقراطي في سوريا بعد الانقلابات العسكرية ودُعي هاشم الأتاسي لرئاسة الجمهورية فقبل ثم كلّف الرئيس الأتاسي الأستاذ فارس الخوري بتشكيل الوزارة لكنها لم تستمر إلا مائة يوم ما بين 3نوفمبر 1954 و13 فبراير 1955 وقد خلفه الرئيس صبري العسلي في رئاسة الوزارة.

هو عبد الناصر

يُذكر أن السبب الأول والأخير لإصابة الخوري بالإحباط والاكتئاب منذ هذه الوزارة وحتى وفاته أنه حاول دون جدوى أن يُثني الرئيس عبد الناصر عن إنفاذ أحكام الإعدام في قادة الإخوان المسلمين في مصر، وقد عرض كل ما يُمكن القيام به من وساطة ورجاء وتذلل دون جدوى، وكان يظن أن المصريين الذين عرفوا دوره في الدفاع عن قضيتهم في الأمم المتحدة سيُكرّمون وفادته ويستجيبون لرجائه لكنه لم يدرك أن العهد غير العهد وأن مصر دخلت نفقا مظلما دخلته سوريا هي الأخرى بعدها على يد جمال عبد الناصر نفسه.

ولم تكن مصادفة أن الأستاذ فارس الخوري كان آخر رؤساء وزراء سوريا قبل صبري العسلي الذي تنازل عن رئاسته للوزارة لعبد الناصر على نحو ما تنازل شكري القوتلي لعبد الناصر عن رئاسة الجمهورية! لكنها كانت تعبيرا عن نهاية عهد رجال الدولة المجاهدين المتّزنين وبداية عهد رجال الدولة الممتازين الذين انخدعوا وسرعان ما اكتشفوا انخداعهم.

ومن الإنصاف أن نُشير أن وحدة مصر وسوريا تمت دون أن يؤخذ رأي الأستاذ فارس الخوري ودون أن يكون قادرا على أن يُصرّح به، وتمت الاحتفاليات والمهرجانات وهو بعيد كل البعد عنها.

لكن ذكاء المجتمع الفكري في مصر وسوريا كان قادرا على أن يُثبت وجوده رغم كل شيء فلما تأسست جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية وبدأ الترشيح لها وكان الترشيح بالطبع مفتوحا لأبناء الجمهورية العربية المتحدة في مصر وسوريا كان اسم الأستاذ فارس الخوري بين المرشحين لجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية ففاز بها كأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد وكان هو السوري الوحيد الذي فاز بإحدى جوائز الدولة التقديرية مع أن هذه الجوائز منحت عن أعوام 1958 و1959 و1960 قبل أن يحدث الانفصال في سبتمبر 1961.

بقي أن نقول إن الأستاذ فارس الخوري كان صاحب فضل في تخفيف وطأة الانقلابات العسكرية بأقصى ما يمكن لمثله أن يُخفّفها، ونحن نعرف أنه عقب أول الانقلابات السورية كان هو الذي تمكن من الحصول من رئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم على استقالتيهما وهما معتقلان في المستشفى العسكري كي يُنجّيهما من بطش العسكر الذي لا حدود له في مثل هذه الحالات، ويذكر التاريخ أن الأستاذ فارس الخوري قال لحسني الزعيم : “سامحك الله فقد فتحت بابا يصعُب على التاريخ إغلاقه” وهو ما حدث بالفعل.

كان الأستاذ فارس الخوري خطيبا من الخطباء المطبوعين كما كان شاعرا من الشعراء المعبرين وبهذا استوفى ما كانت تتطلبه الزعامات الثلاث الزعامة السياسية والزعامة الأدبية والزعامة الاجتماعية، وقد حقق في هذه الزعامات الثلاث ما لم يجتمع لغيره من معاصريه بذات القدر.

ومن قصائد الأستاذ فارس الخوري في عهد شبابه قصيدة عن الحرب الروسية اليابانية (1904 ـ 1905) يُقال إنها تقع في 500 بيت.

أما أشهر أعماله الشعرية فقصيدة طويلة عن شهداء 6 مايو وفيها يقول :

الحظ قدّمهم عني وأخّرني             حتى أرى دول التاميز والسِينِ

تُسدي الوعود بتحقيق العهود لنا       عن كل حق بالاستقلالِ مضمونِ

لا بد أن يُرجعوا للشام وحدتها         من بعد ما فصلوها عن فلسطينِ

من الفرات إلى الأردن رابطةّ         مثل التي بين صنينَ وقيسونِ

وفيها يقول :

أبكي ومعذرةً عيني إذا ذرفتْ          على الغطاريف منا والأساطينِ

على الشيوخ على رهط الفتوةِ بلْ      على الليوثِ على الغرّ الميامينِ

قد عابهمْ بقضاء الترك أنهم            أصحاب قلب بحبّ العربِ مفتونِ

قلْ للألى عفّروا حرّ الوجوه على      أقدام طاغيةٍ دامي السكاكينِ…

 

وهو العقاد

كان الأستاذ عباس محمود العقاد يُحبّ الأستاذ فارس الخوري ويُقدّره، ويؤثر عنه أنه قال إن عبقريته النيابية تماثل عبقرية لويد جورج وسعد زغلول، ومما قاله الأستاذ العقاد في مديحه:

 ” نكتب عن عبقرية البيان حين نكتب عن فارس الخوري الأستاذ الجليل، مندوب شقيقتنا سورية في هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن…. وكل ما قرأناه من كلام الأستاذ الجليل، أو ما قرأناه عنه يدل على هذه العبقرية في أرفع طراز عُرف به خطيب من خطباء هذا الزمان…. ومن أصغى إلى هذا الخطيب المطبوع وهو يتكلّم علم أن أداة البيان قد تمت له حساً ولفظاً كما تمّت له بداهة ومعنى… ومن تمام ملكات التعبير أنه يقتدر على المنظوم اقتداره على المنثور”.

وقدمت له جريدة المصري تحيتها في تقييمها السنوي لنهاية 1948:

“اليوم ينتهي عام 1948 وتنتهي بانتهائه عضوية بعض الدول في مجلس الأمن وتبدأ عضوية دول غيرها… وإذا كان علينا أن نودّع دولة من هذه الدول التي تنتهي عضويتها لا نجد غير سورية… نودعها في شخص ذلك الرجل الذي مثّلها، ومثّل العرب أجمعين، وهو دولة فارس الخوري بك البطل العربي الذي يبلغ من العمر 76 سنة، والذي كانت وفود العالم تنظر إليه على اعتبار أنه مثلّ يُضرَب للنشاط الذي لا يكلّ والشجاعة التي لا يؤثّر فيها شيء… إن دولة الخوري بك حقق المعجزات، وسلك طوال عمره طريقاً واحداً لم يحد عنه، طريق الإنسانية الحقة، الإنسانية التي تتلخص في حق كل بشر أن يعيش حراً محتفظاً بكرامته… وإذا سألت في دوائر هيئة الأمم المتحدة عن الرجل الذي يحبه الجميع ويفديه الجميع، ويهتم برأيه الجميع، فإن الجواب على سؤالك هو فارس الخوري”.

بقيت ملحوظة مهمة وهي أن هذا الزعيم الثائر الأستاذ فارس الخوري هو جد الشاعرة والأديبة القاصة كوليت الخوري التي تُعد الآن من رموز الحركة الثقافية العربية بإسهاماتها المُبكرة وبدأبها في الإنتاج الثقافي المُتميز، وقد كان من حسن حظي أنى كتبت المدخل الخاص عنها في قاموس الأدب العربي.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة