مقالات

فقه السنة ومحاولة التقليل من شأنه وقيمته

من خصائص فقه الشيخ سيد سابق: الاعتدال والوسطية، أو الانضباط في الفتوى، فقد كان وسطا بين التشدد والتسيب، ولم يكن من أولئك الصنف الذين أول ما تنطق به ألسنتهم: حرام، لمجرد التشدد.

لا يعرف كتاب نال شهرة في تاريخنا الفقهي المعاصر ككتاب: (فقه السنة) للعلامة الراحل الشيخ السيد سابق رحمه الله، فالرجل كتب الله القبول لكتابه منذ أول طبعة له، وقد صدر في نهايات أربعينيات القرن العشرين، وذلك بنصيحة من الشيخ حسن البنا رحمه الله، والكتاب شرَّق وغرَّب، ودخل كثيرا من بيوت المسلمين، وترجم الكتاب للغات حية عدة، ورغم أن للسيد سابق كتب أخرى، إلا أنه لم تلق نفس الشهرة والانتشار الذي ناله (فقه السنة).
ولكن بدأت في هذه الأيام نبرة تخرج تتناول الكتاب بالتقليل من شأنه وقيمته، من أحداث لا يستطيع أحدهم أن يكتب معشار ما كتب سيد سابق رحمه الله في (فقه السنة)، في زمن كان الكتاب فتحا جديدا في باب التأليف الفقهي. وسوف نركز مقالنا عن فقه السيد سابق من خلال كتابه (فقه السنة) في محاور ثلاثة:
1ـ خصائص فقهه.
2ـ أثره في الفقه الإسلامي.
3ـ فقهه بين الإنصاف والإجحاف.
1ـ خصائص فقهه:
لكل فقيه ملامح وسمات تميز فقهه عن غيره من الفقهاء، تجعل القارئ يضع الفقيه الذي يقرأ له في مكانته التي يستحقها، ولقد كان للفقهاء السابقين خصائص تميز فقه كل واحد منهم عن الآخر، فهناك مدرسة أهل الرأي، ومدرسة أهل الأثر، وهناك مدرسة أهل الظاهر (الذين يأخذون بظاهر النص)، إلى آخر هذه المدارس الفقهية. فما موقع فقه الشيخ سيد سابق ـ رحمه الله ـ وإلى أي المدارس ينتمي؟ وهل كان يتعصب لمذهب دون الآخر؟ وهل كان من أهل الرأي؟ أم من أهل الأثر؟ أم ممن يجمعون بينهما؟
سنحاول في هذه الفقرة أن نبين باختصار شديد خصائص فقه الشيخ سيد سابق، وهي ـ كما تلوح لي ـ كالتالي:

الوصل بين الفقه والحديث:

إن أولى خصائص فقه الشيخ سيد سابق والتي نلحظها بجلاء في كتابه (فقه السنة) هي: الوصل بين الفقه والحديث، أو الجمع بين النظر والأثر، ونجد هذه الخصيصة لا تنفك عن موسوعته المشار إليها (فقه السنة). 
لقد جاء فقه الشيخ سيد سابق مرتكزا على الرأي السديد الثاقب، بعد تتبع للدليل من الكتاب، ولما صح من السنة النبوية، فأعاد ـ رحمه الله ـ للفقه رونقه الجميل، وربط بينه وبين السنة، وردم تلك الفجوة التي ظلت فترة من الزمن في كتابات الفقهاء في فترة التعصب المذهبي، وكان من الموافقات الجميلة أن جعل عنوان موسوعته الفقهية (فقه السنة).

الوسطية والاعتدال:

ومن خصائص فقه الشيخ سيد سابق: الاعتدال والوسطية، أو الانضباط في الفتوى، فقد كان وسطا بين التشدد والتسيب، ولم يكن من أولئك الصنف الذين أول ما تنطق به ألسنتهم: حرام، لمجرد التشدد وحب التضييق على الناس. ولم يكن ممن يلحن بلا دليل من باب الرغب والرهب، رغبا في سلطة أو جاه، أو رضا الناس بالباطل، أو رهبا من سوط السلطان، وخوفا من بطشه. بل كانت وسطيته واعتداله الفقهي من أهم الخصائص التي حببت الناس في فقهه.

تيسير الفقه لعموم المسلمين:

فقد اتخذ الشيخ سيد سابق التيسير منهاجا له، سواء في الكتابة الفقهية، أو في الفتاوى والإجابة عن أسئلة الناس. 
وأعني هنا بتيسير الفقه أمرين مهمين هما: تيسير الفقه للفهم، وتيسير الفقه للتطبيق والعمل.

تيسير الفقه للفهم: 
اتسم العصر الحديث بسمة المادية واللهث وراء المادة، والسعي وراء لقمة العيش، مما جعل فرصة تعلم أحكام الدين متضائلة، لذا كانت حاجة الناس إلى تيسير الفقه للفهم والدراسة، وجعله في متناول الجميع، بأسلوب ميسور سهل القراء وسهل الفهم، وهذا ما فعله الشيخ سيد سابق ـ رحمه الله ـ في " فقه السنة " حيث يسر فهم الفقه للمختصين وغير المختصين، وذلك بعدة أمور: أنه توخى أن يكتبه بلغة ميسورة، وأسلوب سهل بعيدا عن الإغراب في الألفاظ، والتكلف في العبارات، كما تجنب وعورة المصطلحات الفقهية التي يصعب فهمها على القارئ غير المختص، بل وأحيانا المختص يصعب عليه ذلك، ولعل في معاناة الفقيه القانوني المرحوم عبد القادر عودة من فهم مصطلحات الفقه المذهبي، والفقه بصفة عامة، ما يدل على مدى أهمية ونفاسة ما قدمه الشيخ سيد سابق في هذا العمل الجليل. كما توسط الشيخ في الشرح بين الإيجاز الملغز، والإطناب الممل.

كما استفاد ـ رحمه الله ـ من كتابات العصر الحديث في العلوم الإنسانية، من كتب طبية وفلسفية واجتماعية مهمة، لا غنى للفقيه المعاصر عنها، ويتضح ذلك لمن يراجع هذه البحوث في كتابه: مبحث الزواج ـ الزنا ـ الخمر وغيرها.

تيسير الفقه للعمل والتطبيق:

وتيسير الفقه للعمل والتطبيق يكون بالأخذ بأيسر الآراء لإفتاء الناس بها، فالناس في العصر الحديث أحوج ما يكونون إلى من يفتيهم بأيسر الآراء لا بأشدها، وبخاصة أننا في زمن ضعف فيه التدين، وقل الالتزام، بل صار الإنسان الملتزم يلقى من صعوبة الحياة ما يضعه في ضيق وحرج إن أخذ بالشدة والتضييق. ومن يقرأ " فقه السنة " للشيخ سيد سابق يلحظ هذه السمة من أول مبحث إلى آخر صفحة. وليراجع القارئ على سبيل المثال: نواقض الوضوء ـ النجاسات ـ الطلاق وغيرها من المباحث.

التحرر من العصبية المذهبية:

ومن خصائص فقه الشيخ سيد سابق: أنه لم يتعصب لمذهب دون آخر، رغم أنه أزهري وقد تمذهب على أحد المذاهب الأربعة، ومع ذلك لم يتعصب لمذهبه الذي درسه طوال فترة دراسته في الأزهر، كما أنه لم يكن يتعص لرأي دون الآخر، إنما كان ـ رحمه الله ـ يسير وراء الدليل أينما ذهب اتبعه، ووقتما لاح له تمسك به، واضعا نصب عينيه: " الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها" ولقد أعلنها الشيخ ـ رحمه الله ـ صريحة معلنة في أول صفحات الكتاب، مبينا أنه ما ضر الإسلام إلا التعصب المذهبي، وشدد النكير على التعصب للمذاهب. 
ولم يكن نكير الشيخ سيد سابق على المتعصبين كلاما نظريا دون تطبيق، بل خالف شيوخه ـ على إجلاله لهم ـ في قضايا لم يقتنع بأدلتهم، فنراه يخالف العلامة الشيخ محمود خطاب السبكي الذي يفتي بحرمة أكل (الفسيخ) ، فأفتى الشيخ سيد سابق بحل أكل الفسيخ. كما خالف الشيخ سيد سابق شيخه وإمامه حسن البنا في مسألة (كشف وجه المرأة) فقد كان الإمام البنا يقول بأفضلية ستر الوجه، بينما رجح الشيخ سيد سابق جواز كشف الوجه.

أثر فقه السنة في الفقه الإسلامي:

لقد ترك الشيخ سيد سابق بصمة واضحة في الفقه الإسلام، وأثرا بالغ الأهمية، لا ينكره إلا مكابر أو جاحد لأقدار العلماء، فقد جعل الفقه الإسلامي مألوفا لدى العامة والخاصة، بعد أن كان مقصورا على فئة معينة من المختصين، وكان مهجورا من الناس، وذلك بسبب وعورة ألفاظ الفقه ومصطلحاته، وقد حاول من قبله الشيخ محمود خطاب السبكي تيسير الفقه، ولكنه أطال فيه وأطنب فكان مفيدا لفئة معينة من الناس؛ هي فئة المختصين فقط، فكان مشروع الشيخ سيد سابق ـ رحمه الله ـ الذي جعل الفقه في متناول الجميع، فقد أفاد بمشروعه الأمة كلها، حتى رأينا كتابه لا تخلو منه مكتبة قارئ مسلم.
كما نبه الشيخ سيد سابق كثيرا من كتَّاب الفقه إلى شيء مهم وهو: ربط الفقه بالعلوم المعاصرة والاستفادة منها، وعدم الوقوف منها موقف الرفض، بل تطويعها واستخدام النافع منها في خدمة الفقه.

ممن اقتبس الشيخ سيد منهجه في الفقه؟

لعل كثيرا من الناس ـ وبخاصة طلبة العلم ـ يتساءل: ممن اقتبس الشيخ سيد سابق ـ رحمه الله ـ هذا المنهج الذي كتب به (فقه السنة) هذا الكتاب الذي أعجب به الجميع؟
إن أول من كتب في الفقه في العصر الحديث بالطريقة التي قرأها الناس في فقه السنة، هو الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله، وأكاد أجزم أن الشيخ سيد سابق اقتبس منه هذا المنهج والطريقة والأسلوب، ولا نستغرب ذلك الأمر، فالسيد سابق تلميذ حسن البنا، كما أن مما يقوي هذا التوجه لدي: أن الإمام البنا كان قد تولى ـ قبل كتابة الشيخ سيد كتابه ـ كتابة القسم الديني بمجلة (جريدة الإخوان المسلمين) وتولى الإمام البنا كتابة باب: الفقه والأصول، وقبل الكتابة في العدد الأول من المجلة كتب الإمام البنا المنهج الذي يكتب به الفقه، وهو هو نفس المنهج الذي كتب به العلامة الشيخ سيد سابق كتابه، ولم يقف البنا عند وضع المنهج بل خطا خطوات جادة في كتابة الفقه بالمنهج الذي بينه، في صورة مقالات في مجلة (جريدة الإخوان المسلمين) الأسبوعية سنة 1352هـ، تربو على العشرين مقالة، فضلا عن فتاوى البنا. 

فقه السنة بين الإنصاف والإجحاف:

وفق الله الشيخ سيد سابق لإصدار موسوعته الرائعة بحق (فقه السنة) وكانت موضع القبول في العالم الإسلامي بأسره، وانتفع بها القارئ المسلم العربي وغير العربي، حيث ترجم الكتاب إلى اللغة الإنجليزية، ولا أدري هل ترجم لغيرها من اللغات الحية أم لا؟
وكون أن يكتب الله القبول لعمل علمي، فهذا من توفيق الله وحده، وهذا ما أراده الله لفقه السنة، وقد كتب الله القبول لكتب أخرى، وقد أثنى على (فقه السنة) كثير من العلماء لا نستطيع أن نحصرهم هنا، إنما أذكر ممن أثنى على الكتاب ومؤلفه ثناء حسنا ـ هو له أهل رحمه الله ـ الإمام الشهيد حسن البنا، وذلك في مقدمته للكتاب إذ يقول: " وقد وفق الله الأخ الفاضل الأستاذ سيد سابق، إلى سلوك هذه السبيل، فوضع هذه الرسالة السهلة المأخذ، الجمة الفائدة، وأوضح فيها الأحكام الفقهية بهذا الأسلوب الجميل، فاستحق بذلك مثوبة الله إن شاء الله، ونفع به، وأجرى على يديه الخير لنفسه وللناس. آمين. 
ويقول الشيخ يوسف القرضاوي في معرض حديثه عن تكوينه الفقهي، وكيف صار فقيها راسخا؟: " وكان لكتاب أخينا الشيخ سيد سابق (فقه السنة) ـ وكان قد أصدر الجزء الأول منه في فقه الطهارة والصلاة ـ تأثيرا طيبا في تفكيري، وتوجيهي إلى الأدلة من القرآن والسنة، أستقي منهما بدلا من الرجوع إلى كتب الفقه المذهبي وحدها ". 
نقد الألباني لفقه السنة:
هذه هي نظرة العلماء المنصفين لفقه الشيخ سيد سابق، بل تطوع أشهر علماء التخريج في العصر الحديث (الشيخ محمد ناصر الدين الألباني) بتخريج أحاديث الكتاب، وخرج أحاديث معظم الجزء الأول فقط حتى نهاية باب الصوم، ولم يكمل رحمه الله تخريج بقية الأجزاء، ومعروف أن علماء التخريج لا يهتمون بتخريج أحاديث كتاب إلا إذا كان له قيمة علمية كبرى.
وقد انتشر الكتاب انتشارا منقطع النظير لا يكاد ينافسه كتاب ـ بعد كتاب الله ـ آخر، سواء في الفقه أو المجالات الثقافية الإسلامية الأخرى، ولكن بمجرد أن ظهر كتاب (كتاب المنة في التعليق على فقه السنة) للشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ تسرب إلى ذهن بعض من لم يفهموا مغزى الكتاب ـ سواء التعليق أو فقه السنة ـ أن الشيخ الألباني بتعليقاته وتضعيفاته لبعض الأحاديث قد هدم القيمة الفقهية للكتاب، وأنه قلل من مكانته العلمية، وقد أخطأوا خطأ فاحشا، نتج عن عدم تمكنهم من العلم الشرعي، أو الرسوخ والغوص في بحور الفقه والسنة، أو أنهم لم يقرأوا فقه السنة، واكتفوا بقراءة تعليق الشيخ الألباني على الكتاب دون الرجوع إلى الكتاب المعلق عليه، وهذا كثيرا ما يحدث لدى طلبة العلم، إذ كثيرا ما يقرأون كتابا نقده عالم، ولا يطلعون على الكتاب المنقود.

ردود على نقد الألباني لفقه السنة:

وأجدني مضطرا إلى أن أتحدث ـ حديثا مجملا ـ عن تعليقات الشيخ الألباني على (فقه السنة) وقيمتها الفقهية والعلمية:
أولا: ظن الإخوة الذين قرؤوا (تمام المنة) أن تضعيف الشيخ الألباني لعدد من أحاديث الكتاب، أنه بذلك قصد أن الشيخ سيد سابق بنى أحكام كتابه على أحاديث ضعيفة، كلا، فالشيخ سيد يسوق في القضية الواحدة أكثر من دليل من القرآن والسنة، فإذا أتى في قضية ما بأربعة أحاديث أو خمسة، ثم ضعف له الشيخ الألباني حديثا أو حديثين، فهذا لا يعني أن الرأي الذي تبناه الشيخ سيد قد سقط تماما، وهذا غير صحيح، إنما يعني أن حديثا من أدلتها قد ضعف فقط، ويظل الرأي كما هو صحيحا.
ثانيا: تخريج الشيخ الألباني من حيث التضعيف والتصحيح ليس هو الكلمة الأخيرة، بل ربما يصحح ويضعف، ولا يكون مصيبا مائة في المائة في تخريجه، فقد يضعف الحديث أو يقويه، ويخالفه في ذلك محققون آخرون كبار. 
ثالثا: في بعض الأحيان يعلق الشيخ الألباني على الأحكام الواردة في (فقه  السنة) فيصيب ويخطئ شأنه في ذلك شأن البشر جميعا، ولكن غفل كثير ممن قرؤوا (تمام المنة) عن هذا فظنوا أن كل تعليق فقهي للشيخ الألباني صواب لا يقبل النقاش أو الرد، وهذا محض خطأ، ولأضرب بذلك مثال يتضح به المقال:
علق الشيخ الألباني على مسألة: الزكاة في عروض التجارة، وبين أنه لا زكاة في عروض التجارة.  وهذا ـ كما يقول الشيخ القرضاوي ـ لا يسلم للشيخ الألباني، حيث بنى رأيه على أنه لم يرد في زكاة عروض التجارة حديث صحيح، ونسي أنه قد ورد فيها آية من القرآن الكريم يقول فيها الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم) البقرة: 267.
وقد فسرها السلف أن المراد بها زكاة التجارة، وهذا يعني للأسف أن نعطي للشيوعيين والعلمانيين سلاحا يشهرونه في وجه الإسلام، إذ كيف يأخذ الإسلام من الفلاح الفقير الذي يملك نصاب الزروع والثمار الزكاة، ثم يعفي تجار (دبي) و(القاهرة) يعفي المليونيرات بل المليارديرات، ويأخذ الإسلام الزكاة من هذا الفلاح المسكين.. 
هذه بعض وقفات مع كتاب (فقه السنة)، ولا شك أن الكتاب سد ثغرة مهمة وكبيرة في الثقافة الإسلامية، وحياة الإنسان المسلم، بلغة عصرية سهلة، وقام بدور كبير، وإن كانت القضايا التي جدت وتحتاج لكتابة كثيرة، تحتاج إلى إخراج فقه سنة جديد، بنفس الروح العلمية، ولكن تتناول ما جد من قضايا تشغل بال المسلم الباحث عن حكم الشرع فيها، ولعلنا نقوم ببعض هذا الواجب إن شاء الله.
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة