مقالات

هل سيُنفَّذُ الإعدامُ بالعلماءِ في السّعوديّة؟!

 

منذ عدّة أيّامٍ تتسرّب أخبارٌ عن عزم محمّد بن سلمان تنفيذ أحكام الإعدام بحقّ ثلّةٍ من العلماء في السّعوديّة، والحديث يدور عن أربعة منهم وهم سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري ومحمّد موسى الشّريف.

وبلغت هذه التسريبات ذروتها بنشر موقع ميدل إيست آي خبرًا يعتمد فيه على مصادر خاصة من داخل أروقة النّظام السعودي تؤكّد تنفيذ حكم الإعدام بحقّ ثلاثة هم سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري بعد رمضان.

وهناك من يتساءل هل يمكن أن يقدم ابن سلمان على ارتكاب هذه الحماقة؟!

وهذا السؤال غريبٌ بحدّ ذاته، فهل كفّ ابن سلمان عن ارتكاب الحماقات منذ أنشب أظفاره في الحكم في المملكة السعوديّة؟!

وهل كان قتل خاشقجي وتقطيعه في سفارة المملكة في دولةٍ أخرى إلَّا إمعانًا في حماقةٍ غير مسبوقة وغير متخيّلة؟!

وهل مسيرةُ ابن سلمان في سلخ السّعوديّة عن هويّتها يقتضي غير التّخلّص من كلّ رموز المرحلة السابقة، فمن لم يذعن ويعتذر صاغرًا بجبنٍ وخور فما له إلّا السّيف؟!

إنّ فهم عقليّة ابن سلمان وما يرافقها من المؤشّرات كلّها تؤكّد أنّ قرار القتل قد اتّخذ فعلًا وأنّ هذا التّسريب هو تسريبٌ مقصودٌ لتحقيق أهداف عدّة مجتمعة:

  1. تهيئة الجو العام السّعودي والإسلامي والدّولي لتقبّل الجريمة بحيث يتمّ امتصاص الفورة النفسيّة الشّعبيّة في ظل تجاذب الجدال حول صدق الخبر وكذبه وإمكان تنفيذ الإعدام من عدمه.
  2. تحديد الموقف الأمريكي من عمليّة تنفيذ الإعدام، والموقف الأمريكي هو بوصلة النّظام السّعودي ولا شيء سواه، وهذال الموقف تحدّده الإدارة الامريكيّة بناء على تقديرها لتفاعلات الحدث في الواقع وردود الأفعال عليه.
  3.  قياس ردّات الفعل المتوقّعة على تنفيذ الإعدام شعبيًّا ومؤسساتيًّا ورسم السيناريوهات اللازمة للتعامل معها.
السيناريو المتوقّع لتنفيذ الإعدام

بعد رمضان يتوقع أن تكون جلسة النّطق بالحكم والذي سيكون “القتل تعزيرًا” بناء على أحكام الشّريعة الإسلاميّة، ثمّ تتمّ المسارعة بتنفيذ الحكم الذي سيكون ضرب العنق بالسّيف خلال يوم أو يومين بعد النّطق بالحكم.

ولن يسمح بالجنائز إلّا في نطاق ضيّق وبحضور أعداد محدودة من أسرهم في عتمة الليل كما جرى مع من تمّ اعدامهم في مختلف بقاع الاستبداد في زمن عبد الناصر وحافظ الأسد والسيسي والقذافي وغيرهم.

المواقف المتوقّعة من داخل المملكة وخارجها

وعلى الفور ستصدر مجموعة من المواقف من داخل المملكة، وسيكون الموقف الأسرع موقف هيئة كبار العلماء الذي سيدعو إلى وجوب التزام غرز وليّ الأمر وطاعته في المنشط والمكره، وحرمة إثارة الفتن والبلبلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما ستؤكّد هيئة كبار العلماء على نزاهة القضاء السّعودي وأنّه القضاء الوحيد في العالم الإسلامي الذي يحكم بكتاب الله تعالى وسنّة نبيّه بفهم السّلف الصّالح.

كما ستدعو هيئة كبار العلماء إلى التيقظ إلى ما يحاك للملكة من مكائد ومؤامرات لأنّها تنافح عن دين الله تعالى، وتؤكّد على أنّ من يلقي السّمع للدّعوات القادمة من خارج الحدود ممن يبتغون الفتنة يخشى عليه أن يقع في خيانة الله ورسوله وعامّة المؤمنين.

وبعدها سيكون منبر المسجد الحرام ومنبر المسجد النبوي ميدانًا للتعبئة الدّاخليّة والتأكيد على عدالة القضاء السّعودي ووجوب الحزم في التّعامل مع مثيري الفتن واستدعاء أمثلة الخوارج من التاريخ واسقاطها على العلماء الذين تمّ إعدامهم وشكر اليد الضّاربة بقوّة من حديد من أجل تحقيق الأمن والأمان في بلاد الحرمين.

وسيظهر ابن سلمان مع العلماء والدّعوات في صور حميميّة لا سيما عائض القرني وصاح المغامسي لإيصال رسائل تؤكّد على عمق الانتماء الإسلامي لابن سلمان.

وعلى الطّرف الآخر خارج المملكة ستصدر مواقف غاضبة من عدد من الجهات، فالعلماء في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورابطة علماء أهل السّنة سينفّذون مؤتمرا صحفيًا يعبّرون فيه عن سخطهم واستنكارهم للجريمة البشعة، وستصدر بيانات من مؤسسات للعلماء ومؤسسات مجتمع مدني ومؤسسات حقوقيّة استنكارًا للجريمة، وسيراقبها كلّها ابن سلمان بعين الاستعلاء ولن يلقي لها بالًا ولن يكترث بكلّ هذه الأصوات العالية لا سيما أنّها جعجعت من قبلُ كثيرًا بلا طِحنٍ يُرى.

ولكن …

ولكن ما لن يحسب ابن سلمان حسابه؛ أنَّ الأمر سيكون له ردّات فعل غير اعتياديّة من أبناء الشّعب السّعودي على صعيدين اثنين:

أولًا: الصّعيد العشائري حيث ستذكي هذه الجريمة معاني الثّأر داخل القبائل التي ينتمي إليها العلماء الذين يتمّ إعدامهم، في بيئة ما تزال تعلي شأن القبيلة وتعدّها المكوّن الرّئيس للمجتمع السّعودي والمرجعيّة الحقيقيّة للأفراد.

ثانيًا: على الصّعيد الدّيني حيث ستتعامل شريحةٌ من الشّباب المتديّن مع العمليّة بردّات فعلٍ انتقاميّة لا تملك السّلطات السّعوديّة القدرة على تقدير زمانها ومكانها وأهدافها.

واعتقاد محمّد بن سلمان أنَّ العملية ستمرّ بخسائر أقلّ مما مرّت به عمليّة قتل جمال خاشقجي هو اعتقاد مبنيّ على العنجهيّة التي يتّسم بها وهو غير محسوب النّتائج فشتّان شتّان بين الحالتين من حيث العمق العشائري للشّخصيات المستهدفة ومن حيث المرجعيّة الدينية التي يتّسمون بها.

هل يمكن وقف تنفيذ الإعدام بحقّ العلماء؟

نعم ذلك ممكن بكلّ وضوح من خلال المبادرة إلى قلب الطّاولة على السيناريوهات المتوقّعة عند السّلطات السّعوديّة لردّات الفعل.

وممّا يمكن أن يساهم في وقف تنفيذ عمليّة الإعدام المتوقّعة أن تبادر الجهات المختلفة للتصعيد الفوري دون أدنى تأخير.

فمن المطلوب أن تصدر بيانات واضحة وصريحة من العشائر أو حتّى من شخصيّات في العشائر التي ينتمي إليها العلماء المهددون بالإعدام يكون فيها تهديد صريح بأنَّ الإقدام على تنفيذ هؤلاء العلماء سيكون شارة الإعلان عن عمليّات ثأر عشائريّة بحقّ من نفّذ وأمر وقضى ودافع عن الفعل.

كما أنّ المطلوب من مؤسسات العلماء التي ينتمي إليها العلماء المهددون بالإعدام وهي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورابطة علماء أهل السّنة عدم خذلانهم بالاكتفاء ببيانات تحذيريّة سابقة للجريمة ومؤتمرات صحفيّة غاضبة لاحقة لتنفيذها.

فالمطلوب منهم الإعلان عن عقد اجتماعات مفتوحة لمتابعة القضيّة والإعلان عن حملات عالميّة من تحرّكات شعبيّة في مختلف دول العالم تستهدف السّفارات السعوديّة في مختلف دول العالم ومحاصرتها باعتصامات مستمرّة، تتصاعد كلّ يوم من أيام رمضان بالدّعوة إلى أن تكون صلاة التراويح والتّهجد أمام السّفارات السّعوديّة في مختلف دول العالم.

كما أنّه مطلوب من مؤسسات المجتمع المدني لا سيما الإسلاميّة منها في البلاد الغربيّة الاستنفار العاجل وتحريك الجماهير باعتصامات ومظاهرات في مختلف دول العالم تقصد السفارات السّعوديّة والأمريكيّة على السّواء بحيث تصل رسالة للأمريكان أنَّ الجريمة لن تمرّ مرور الكرام.

إنَّ شعور نظام الحكم في السّعوديّة بالخوف الحقيقيّ على الأمن الدّاخلي وتوقّع عمليّات ثأر عائليّة وعشائريّة يمكن أن تستهدف شخصيّات رفيعة المستوى، وشعور الأمريكان بأنَّ إقدام ابن سلمان على عمليّة الإعدام سيكون له آثار وخيمة وكبيرة وإحداث بلبلة غاضبة في الشّارع الإسلاميّ عمومًا هو وحده الكفيل بردع ابن سلمان عن الإقدام على ارتكاب هذه الجريمة الحماقة.

 

 

 

 

 

 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة