الديمقراطية العرجاء

 

مصيبة تطبيق الديمقراطية وممارستها في وطني ليس سببها الرئيسي الحكم الديكتاتوري والفاشي، فهذا الأمر رغم صعوبته وبشاعته فإنه قابل للمواجهة والمقاومة، ولكن الأخطر هو الارتباك والخلل في فهم الديمقراطية وانهيار ثقافة الحوار وقبول الآخر لدى المواطنين الذين يعيشون تحت القهر والقمع والاستبداد، وبتوضيح أكثر؛ هم ليسوا ممنوعين من ممارسة الديمقراطية بقدر ما أنهم لا يملكون ثقافتها.

عقب وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم تهتز عقيدة المسلمين، وكان هذا هو الخطر الذي يقلق صديقه وخليفته أبو بكر الصديق، وتجاوزت الأمة هذه الأزمة ليزول هذا الخطر، إلا أن خلافا دب بعد ذلك حول أحقية الخلافة بين أبو بكر الصديق وعلى بن أبي طالب، وهذا خلاف سياسي سياقه طبيعي ووارد حدوثه، ودون الدخول في تفاصيل الخلاف فإنه ظل يتصاعد حتى تحول إلى خلاف في العقيدة نفسها، وانقسم المسلمون إلى فرق ونحل ما بين رافدين هما الشيعة والسنة، والمقصد من هذا المثال هو بيان كيف يهيمن خلاف ثانوي على القضية الأساسية، ولكن يبدو أنه، حقا، معظم النار من مستصغر الشرر، فلا تأمن من المشكلات الفرعية والجانبية ولا تقلل من خطورتها.

المهزلة

  منذ أيام ليست بعيدة عاش الشعب المصري مسرحية هزلية تحت عنوان “استفتاء تعديل الدستور” وهي مهزلة لا تقل خطورة على مهزلة التنازل عن السيادة المصرية على تيران وصنافير لصالح السعودية ولحساب مشروع استعماري كبير أطرافه الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، والمنطقي أن تنقسم أطراف الصراع حول هذه المسألة إلى طرفين رئيسين أو جبهتين، جبهة الرفض التي ترى أن التعديل فيه انتهاك للقيم الدستورية ولحقوق المواطنة وانتهاك لمبدأ تداول السلطة والممارسة الديمقراطية، خاصة أن أهم بنود التعديل تفتح ثغرة تسمح باستلقاء الجنرال على كرسي الحكم مدة مفتوحة، والجبهة الثانية هي جبهة المؤيدين والمستفيدين ودوائر الحكم التي تحرك الكتل التصويتية باستخدام نقاط ضعف ونواقص وعلل تحيط بالمواطنين أهمها الفقر والحاجة والعوز والجهل.

وكان من الطبيعي أن تكون القضية الرئيسية لجبهة الرافضين هي مواجهة تعديل الدستور والمستفيدين من هذا التعديل، إلا أنه كالعادة اختلف الرافضون حول وسائل المواجهة ما بين راغب في خوض الاستفتاء والتصويت بـ”لا” لتعديل الدستور، ومقاطع للاستفتاء باعتباره مسرحية هزلية يجب كشفها أمام العالم، ورغم أن الأمر كان يتحمل الأسلوبين فإن الخلاف بين أصحابهما طغى على الخلاف حول تعديل الدستور وأضعف جبهة الرفض.

خلل في الممارسة السياسية

ما حدث في معركة تعديل الدستور هو امتداد لنفس الخلل الذي مارس به المصريون الحراك السياسي بعد ثورة 2011 في مواجهة العسكر والذي انتهى بردة ثورية كبيرة واستلقاء العسكر على كرسي الحكم.

وكنت قد تعرضت لهذه المشاهد في عدة مقالات، وأتعرض الآن لبعض ملامحها، وهى المشاهد والمواقف التي جعلت قوى الثورة تنقسم إلى قوى مدنية، وقوى إسلام سياسي، الحرب بينهما أشرس من الحرب على دولة العسكر العميقة، وذلك بفعل وقائع ومكائد قام بها العسكر واستجابت لها قوى الثورة بفعل قلة الخبرة وتسييد مصالح الجماعات على مصالح الوطن، ولو كانت القوى المدنية قد تعاملت مع نتائج الخيار الديمقراطي باعتبار الديمقراطية هدفا يتقدم على هدف هيمنة الجماعات وأصحاب الأيديولوجيات على الحكم، لتغير الأمر ولكانت مصر قد دخلت مرحلة تداول الحكم المدني أُسوةً بدول العالم المتقدم.

وكلامي لا يعني الصب في مقولة إننا شعب غير مستعد للممارسة الديمقراطية، ولكن ما أقصده هو كشف الارتباك في فهم الممارسة الديمقراطية واحترامها، الذي تسببت فيه النخب والجماعات السياسية المبتسرة، إنها أزمة المجتمع المصري التي تكمن ملامحها في عدم اكتمال مكوناته الثقافية والسياسية والاجتماعية، فأصبح مجتمع الأشباه والملامح غير المكتملة.

لن أفند موقف كل فرقة ولن أغرق في مناقشة الاتهامات بينهما، فكل ما حدث من جرائم في رابعة والنهضة ومحمد محمود وماسبيرو وغيرها، وكل ما حدث من تحالفات سياسية معلنة وغير معلنة، وكل ما حدث من  تبادل استقواء الفرق المختلفة بالعسكر في مواجهة بعضهم، كل هذا وغيره أجمعه في حزمة واحدة تحت تصنيف الأخطاء الجسيمة التى تصل إلى حد الجرائم، لم يدفع ثمنها سوى الشعب المصري، ومازال يدفع الثمن حتى الآن، جرائم أعادت استلقاء العسكر في ثقل وجبروت على حكم مصر، وأوقعت الشعب المصري في قوى الاستبداد والفاشية والفساد، ولا أبرئ أحدا.

ولهذا فأنا على يقين أن الحل في مواجهة هذا المصير المظلم لن يكون في مبادرات النخب والفرق والجماعات السياسية بقدر ما سيكون تحت قيادة فرق ونخب جديدة سيفرزها الشعب والأجيال الصاعدة، مدعومة بالخبرات السابقة ودروس الماضي وتحمل رؤى جديدة وفهما صحيحا للديمقراطية وتداول السلطة، غير المفهوم المشوه الذي تبنته ومارسته الأجيال السابقة والحالية.

الديمقراطية والعلة التاريخية

الديمقراطية يا سادة ليست مجرد شعار نلتف حوله في مواجهة الحكم الديكتاتوري الفاشي ولكنها سلوك مكتمل وممارسة الالتزام بها أصعب من المواجهات مع الطغيان، وممارستها بتشوهٍ وتحريف أكثر خطورة من خيانة الوطن، ولا أبالغ.

أعترف بأننا ضحايا تاريخ اجتماعي سياسي مكتظ بالعلل والتشوهات، أبرزها عدم اكتمال المراحل الطبقية والمجتمعية، مما جعلنا طوال الوقت نعيش تحت مظلة الأشباه، فلم يعش الشعب المصري مرحلة الإقطاع ولا الرأسمالية ولا الاشتراكية، ولكنه عاش خاضعا خضوعا قدريا لتبادلات مشوهة بين شبه الإقطاع وشبه الرأسمالية وشبه الاشتراكية، ونشأت ممارساته ورؤاه السياسية للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بنفس القدر من التشوهات.

ربما يقف معظمنا موقفا معاديا من سياسات الغرب الاستعمارية تجاه شعوب العالم الثالث، ولكني يجب أن أعترف بأن أنظمة الحكم داخل هذه البلاد أنظمة تعتمد على فهم وممارسات حقيقية للديمقراطية، ضمنت تحقيق التوزان المجتمعي والعدالة في هذه الدولة وجعلتها ضمن الدول المتقدمة  والقوية والمهيمنة على دول التشوه السياسي والديمقراطي، وخير شاهد هو تداول الحكم في الولايات المتحدة الذي يتم بممارسات ديمقراطية تحت ضمانة ورقابة المجتمع، ولا يتم التلاعب فيها أو التحايل عليها، وبمجرد انتهاء الانتخابات يلتزم الجميع بالخيار الديمقراطي حتى لوكان على غير إرادته، ويلتزم من تولى الحكم باحترام وجود الأقلية التي تعارضه وحمايتها، وكل هذا في النهاية يشكل حكما خاضعا للرقابة المجتمعية وبعيدا كل البعد عن الحكم الفردي والأهواء الشخصية وهيمنة مصالح الجماعات الضيقة، المصلحة الأولى للشعب.

الديمقراطية ربما لا تمثل الصورة المثالية من العدل المطلق الذي يضمن التعبير عن كل الممارسين لها، ولكنها الوسيلة المثالية للحفاظ على توازن المجتمع وعدم وقوعه تحت هيمنة الفاشية الطاغية والاستبداد، لهذا فهي مسئولية الأغلبية والأقلية شريطة أن تكون تعبيرا حقيقيا عن إرادة الأغلبية التي تضمن حقوق الأقليات، ووليدة إجراءات وممارسات سليمة ومكتملة وليست إجراءات وهمية شكلية تحت هيمنة أعداء الديمقراطية، ولهذا فأنا دائما أردد “لا وليد ديمقراطيا سليما من رحم النظم الديكتاورية والفاشية والعسكرية، ولن يظهر الوليد الديمقراطي السليم المتكامل إلا من رحم ثورة شعبية حقيقية تحت قيادة أجيال جديدة تحمل رؤى سليمة للديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والمواطنة.”

    

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه